درس الروضة البهیة (فقه ۳) (المتاجر - المساقاة)

جلسه ۳۶: آداب بیع (۵)

 

ما يدلّ على عدمه فلا كراهة ولا تحريم.

﴿ ولو كان السوم بين اثنين ﴾ سواء دخل أحدهما على النهي أم لا، بأن ابتدآ فيه معاً قبل محلّ النهي ﴿ لم يجعل نفسه بدلاً من أحدهما ﴾ لصدق الدخول في السوم.

﴿ ولا كراهية فيما يكون في الدلالة ﴾ لأنّها موضوعة عرفاً لطلب الزيادة ما دام الدلّال يطلبها، فإذا حصل الاتّفاق بين الدلّال والغريم (١) تعلّقت الكراهة؛ لأ نّه لا يكون حينئذ في الدلالة وإن كان بيد الدلّال.

﴿ وفي كراهية طلب المشتري من بعض الطالبين الترك له نظر ﴾ من عدم صدق الدخول في السوم من حيث الطلب منه، ومن مساواته له في المعنى حيث أراد أن يحرمه مطلوبه. والظاهر القطع بعدم التحريم على القول به في السوم، وإنّما الشكّ في الكراهة ﴿ ولا كراهية في ترك الملتمس منه ﴾ لأنّه قضاء حاجة لأخيه، وربما استحبّت إجابته لو كان مؤمناً، ويحتمل الكراهة لو قلنا بكراهة طلبه؛ لإعانته له على فعل المكروه. وهذه الفروع من خواصّ الكتاب.

﴿ التاسع عشر: ترك توكّل حاضر لبادٍ ﴾ وهو الغريب الجالب للبلد وإن كان قرويّاً، قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله: «لا يتوكّل حاضر لباد، دعوا الناس يرزق اللّٰه بعضهم من بعض» (٢) وحمل بعضهم النهي على التحريم (٣) وهو حسن لو صحّ الحديث،

__________________

(١) معناه: الدائن، المديون، الخصم. ويصحّ استعماله في المشتري باعتبار كلّ من المعاني.

(٢) الوسائل ١٢:٣٢٨، الباب ٣٧ من أبواب آداب التجارة، الحديث ٣، وفيه: «لا يبيع حاضر لباد» ولم نعثر على غيره.

(٣) وهو الشيخ في المبسوط ٢:١٦٠، والخلاف ٣:١٧٢، المسألة ٢٨١ من كتاب البيوع، وابن إدريس في السرائر ٢:٢٣٦، وغيرهما، وقال المحقّق الثاني في جامع المقاصد ٤:٥٢: والأصح التحريم.

وإلّا فالكراهة أوجه، للتسامح في دليلها.

وشرطه: ابتداء الحضريّ به، فلو التمسه منه الغريب فلا بأس به. وجهل الغريب بسعر البلد، فلو علم به لم يكره، بل كانت مساعدته محض الخير. ولو باع مع النهي انعقد وإن قيل بتحريمه، ولا بأس بشراء البلديّ له؛ للأصل.

﴿ العشرون: ترك التلقّي ﴾ للركبان (١) وهو الخروج إلى الركب القاصد إلى بلد للبيع عليهم أو الشراء منهم ﴿ وحدّه: أربعة فراسخ ﴾ فما دون، فلا يكره ما زاد؛ لأنّه سفر للتجارة. وإنّما يكره ﴿ إذا قصد ﴾ الخروج لأجله، فلو اتّفق مصادفة الركب في خروجه لغرض لم يكن به بأس. و ﴿ مع جهل البائع أو المشتري ﴾ القادم ﴿ بالسعر ﴾ في البلد، فلو علم به لم يُكره، كما يشعر به تعليله صلى‌الله‌عليه‌وآله في قوله: «لا يتلقّ أحدكم تجارة خارجاً من المصر، والمسلمون يرزق اللّٰه بعضهم من بعض» (٢) والاعتبار بعلم من يعامله خاصّة.

﴿ و ﴾ كذا ينبغي ﴿ ترك شراء ما يتلقّى ﴾ ممنّ اشتراه من الركب بالشرائط ومن ترتّبت يده على يده وإن ترامى، لقول الصادق عليه‌السلام: «لا تلقَّ ولا تشتر ما يتلقّى ولا تأكل منه» (٣) وذهب جماعة إلى التحريم (٤) لظاهر النهي في هذه الأخبار.

__________________

(١) لم يرد «للركبان» في (ش) و (ف).

(٢) أورد صدره في الوسائل ١٢:٣٢٦، الباب ٣٦ من أبواب آداب التجارة، الحديث ٥، وذيله في ٣٢٧، الباب ٣٧ من الأبواب، الحديث الأوّل.

(٣) الوسائل ١٢:٣٢٦، الباب ٣٦ من أبواب آداب التجارة، الحديث ٢.

(٤) منهم الشيخ في المبسوط ٢:١٦٠، والخلاف ٣:١٧٢، المسألة ٢٨٢ من كتاب البيوع، وابن إدريس في السرائر ٢:٢٣٧ ـ ٢٣٨، والمحقّق الثاني في جامع المقاصد ٤:٣٧ وغيرهم.

وعلى القولين يصحّ البيع ﴿ ولا خيار ﴾ للبائع والمشتري ﴿ إلّا مع الغبن ﴾ فيتخيّر المغبون على الفور في الأقوى.

ولا كراهة في الشراء والبيع منه بعد وصوله إلى حدود البلد بحيث لا يصدق التلقّي وإن كان جاهلاً بسعره؛ للأصل. ولا في بيع نحو المأكول والعلف عليهم وإن تلقّى.

﴿ الحادي والعشرون: ترك الحُكرة ﴾ ـ بالضمّ ـ وهو جمع الطعام وحبسه يتربّص به الغلاء. والأقوى تحريمه مع حاجة الناس إليه؛ لصحّة الخبر بالنهي عنه عن النبيّ (١) صلى‌الله‌عليه‌وآله وأ نّه «لا يحتكر الطعام إلّاخاطئ» (٢) و «أنّه ملعون» (٣).

وإنّما تثبت الحكرة ﴿ في ﴾ سبعة أشياء: ﴿ الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسَمن والزيت والملح ﴾ وإنّما يكره إذا وجد باذل غيره يكتفي به الناس ﴿ ولو لم يوجد غيره وجب البيع ﴾ مع الحاجة. ولا يتقيّد بثلاثة أيّام في الغلاء وأربعين في الرُخص. وما روي من التحديد بذلك (٤) محمول على حصول الحاجة في ذلك الوقت؛ لأنّه مظنّتها ﴿ ويسعّر * عليه ﴾ حيث يجب عليه البيع ﴿ إن أجحف ﴾ في الثمن؛ لما فيه من الإضرار المنفيّ ﴿ وإلّا فلا ﴾ ولا يجوز التسعير في الرخص مع عدم الحاجة قطعاً. والأقوى أنّه مع الإجحاف

__________________

(١) اُنظر الوسائل ١٢:٣١٥، الباب ٢٧ من أبواب آداب التجارة، الحديث ١٣ وغيره في نفس الباب، وكنز العمّال ٤:١٨٢، الحديث ١٠٠٦٩ و ١٠٠٧١.

(٢) الوسائل ١٢:٣١٤، الباب ٢٧ من أبواب آداب التجارة، الحديث ٨.

(٣) المصدر المتقدّم:٣١٣، الحديث ٣.

(٤) الوسائل ١٢:٣١٢ ـ ٣١٣، الباب ٢٧ من أبواب آداب التجارة، الحديث الأوّل.

(*) في (ق) و (س) : سعّر.