درس الروضة البهیة (فقه ۳) (المتاجر - المساقاة)

جلسه ۵۲: بیع صرف (۳)

 

﴿ ولو كان وكيلاً في الصرف ﴾ سواء كان مع ذلك وكيلاً في القبض أم لا ﴿ فالمعتبر مفارقته ﴾ لمن وقع العقد معه، دون المالك. والضابط: أنّ المعتبر التقابض قبل تفرّق المتعاقدين، سواء كانا مالكين أم وكيلين.

﴿ ولا يجوز التفاضل في الجنس الواحد ﴾ لأنّه حينئذ يجمع حكم الربا والصرف، فيعتبر فيه التقابض في المجلس نظراً إلى الصرف، وعدم التفاضل نظراً إلى الربا، سواء اتّفقا في الجودة والرداءة والصفة أم اختلفا، بل ﴿ وإن كان أحدهما مكسوراً أو رديئاً ﴾ والآخر صحيحاً أو جيّد الجوهر.

﴿ وتراب معدن أحدهما يباع بالآخر أو بجنسٍ غيرهما ﴾ لا بجنسه؛ لاحتمال زيادة أحد العوضين عن الآخر، فيدخل الربا. ولو علم زيادة الثمن عمّا في التراب من جنسه لم يصحّ هنا وإن صحّ في المغشوش بغيره؛ لأنّ التراب لا قيمة له ليصلح في مقابلة الزائد.

﴿ وتراباهما ﴾ إذا جُمعا أو اُريد بيعهما معاً ﴿ يباعان بهما ﴾ فينصرف كلّ إلى مخالفه. ويجوز بيعهما بأحدهما مع زيادة الثمن على مجانسه بما يصلح عوضاً في مقابل الآخر، وأولى منهما بيعهما بغيرهما.

﴿ ولا عبرة باليسير من الذهب في النحاس ﴾ بضمّ النون ﴿ واليسير من الفضّة في الرصاص ﴾ بفتح الراء ﴿ فلا يمنع من صحّة البيع بذلك الجنس ﴾ وإن لم يعلم زيادة الثمن عن ذلك اليسير ولم يقبض في المجلس ما يساويه؛ لأنّه مضمحلّ وتابع غير مقصود بالبيع. ومثله المنقوش منهما على السقوف والجدران بحيث لا يحصل منه شيء يعتدّ به على تقدير نزعه.

ولا فرق في المنع من الزيادة في أحد المتجانسين بين العينيّة ـ وهي

الزيادة في الوزن ـ والحكميّة كما لو بيع المتساويان وشرط مع أحدهما شرطاً (١) وإن كان صنعة.

﴿ وقيل: يجوز اشتراط صياغة خاتم في شراء درهم بدرهم (٢) للرواية ﴾ التي رواها أبو الصباح الكناني رحمه‌الله عن الصادق عليه‌السلام قال: «سألته عن الرجل يقول للصائغ: صغ لي هذا الخاتم، واُبدل لك درهماً طازجيّاً (٣) بدرهم غِلّة؟ قال عليه‌السلام: لا بأس» (٤) واختلفوا في تنزيل الرواية.

فقيل: إنّ حكمها مستثنى من الزيادة الممنوعة، فيجوز بيع درهم بدرهم مع شرط صياغة الخاتم، ولا يتعدّى إلى غيره، اقتصاراً فيما خالف الأصل على موضع النصّ، وهو القول الذي حكاه المصنّف رحمه‌الله. وقيل: يتعدّى إلى كلّ شرط؛ لعدم الفرق (٥) وقيل: إلى كلّ شرط حكميّ (٦).

والأقوال كلّها ضعيفة؛ لأنّ بناءها على دلالة الرواية على أصل الحكم ﴿ وهي غير صريحة في المطلوب ﴾ لأنّها تضمّنت إبدال درهم طازج بدرهم غلّة مع شرط الصياغة من جانب الغِلّة وقد ذكر أهل اللغة أنّ «الطازج» هو الخالص،

__________________

(١) كذا في النسخ، والمناسب لقوله: «بيع» بصيغة المجهول قراءة «شرط» أيضاً بالمجهول ورفع «شرطاً».

(٢) قاله المحقّق في المختصر النافع:١٢٩، والفاضل الآبي في كشف الرموز ١:٥٠٠، والعلّامة في التحرير ٢:٣١٦.

(٣) سيأتي بيان معنى «طازجيّ» ومعنى «غِلّة» عن أهل اللغة.

(٤) الوسائل ١٢:٤٨٠، الباب ١٣ من أبواب الصرف، وفيه حديث واحد.

(٥) النهاية:٣٨١.

(٦) اُنظر السرائر ٢:٢٦٧.

و «الغِلّة» غيره وهو المغشوش (١) وحينئذ فالزيادة الحكميّة وهي الصياغة في مقابلة الغشّ، وهذا لا مانع منه مطلقاً وعلى هذا يصحّ الحكم ويتعدّى، لا في مطلق الدرهم كما ذكروه ونقله عنهم المصنّف رحمه‌الله ﴿ مع مخالفتها ﴾ أي الرواية ﴿ للأصل * ﴾ لو حملت على الإطلاق كما ذكروه؛ لأنّ الأصل المطّرد عدم جواز الزيادة من أحد الجانبين، حكميّة كانت أم عينيّة، فلا يجوز الاستناد فيما خالف الأصل إلى هذه الرواية؛ مع أنّ في طريقها من لا يعلم حاله (٢).

﴿ والأواني المصوغة من النقدين إذا بيعت بهما ﴾ معاً ﴿ جاز ﴾ مطلقاً ﴿ وإن بيعت بأحدهما ﴾ خاصّة ﴿ اشترطت زيادته على جنسه ﴾ لتكون الزيادة في مقابلة الجنس الآخر، بحيث تصلح ثمناً له وإن قلّ. ولا فرق في الحالين بين العلم بقدر كلّ واحد منهما وعدمه، ولا بين إمكان تخليص أحدهما عن الآخر وعدمه، ولا بين بيعها بالأقلّ ممّا فيها من النقدين والأكثر.

﴿ ويكفي غلبة الظنّ ﴾ في زيادة الثمن على مجانسه من الجوهر، لعُسر العلم اليقيني بقدره غالباً، ومشقّة التخليص الموجب له (٣) وفي الدروس اعتبر القطع بزيادة الثمن (٤) وهو أجود.

﴿ وحِلية السيف والمركب يعتبر فيهما العلم إن اُريد بيعها ﴾ أي الحلية ﴿ بجنسها ﴾ والمراد بيع الحِلية والمحلّى، لكن لمّا كان الغرض التخلّص من الربا

__________________

(١) النهاية لابن الأثير ٢:١٢٣، ولسان العرب ٨:١٦٠ (طزج) و ١٠:١٠٦ (غلّ).

(*) في (ق) و (س) ونسخة (ف) من الشرح: الأصل.

(٢) وهو محمّد بن فضيل؛ فإنّه مشترك بين الثقة وغيره. المسالك ٧:٤٧٣.

(٣) أي للعلم.

(٤) الدروس ٣:٣٠١.