درس الروضة البهیة (فقه ۳) (المتاجر - المساقاة)

جلسه ۶۲: کتاب المتاجر:‌ بیع السلف ۴

 

ديناً فواضح، وأمّا الثمن الذي في الذمّة فلأ نّه دين في ذمّة المسلَم، فإذا جعل عوضاً للمسلَم فيه صدق «بيع الدين بالدين» ؛ لأنّ نفس الدين قد قُرن بالباء فصار ثمناً، بخلاف المحاسبة عليه قبل التفرّق إذا لم يشترط؛ لأنّه استيفاء دين قبل التفرّق مع عدم ورود العقد عليه، فلا يقصر عمّا لو أطلقاه ثمّ أحضره قبل التفرّق، وإنّما يفتقر إلى المحاسبة مع تخالفهما جنساً أو وصفاً، أمّا لو اتّفق ما في الذمّة والثمن فيهما وقع التهاتر قهريّاً ولزم العقد.

ولكنّ المصنّف في الدروس استشكل على هذا (١) صحّةَ العقد، استناداً إلى أنّه يلزم منه كون مورد العقد ديناً بدين (٢) ويندفع بأنّ بيع الدين بالدين لا يتحقّق إلّا إذا جعلا معاً في نفس العقد متقابلين في المعاوضة قضيّةً للباء، وهي منتفية هنا؛ لأنّ الثمن هنا أمر كلّي، وتعيينه بعد العقد في شخصٍ لا يقتضي كونه هو الثمن الذي جرى عليه العقد، ومثل هذا التقاصّ والتحاسب استيفاء، لا معاوضة. ولو أثّر مثل ذلك لأثّر مع إطلاقه ثمّ دفعه في المجلس؛ لصدق بيع الدين بالدين عليه ابتداءً. بل قيل بجواز الصورة الثانية أيضاً (٣) وهي ما لو جعل الدين ثمناً في العقد، نظراً إلى أنّ ما في الذمّة بمنزلة المقبوض.

﴿ وتقديره * ﴾ أي المسلَم فيه أو ما يعمّ الثمن ﴿ بالكيل أو الوزن المعلومين ﴾ في ما يكال أو يوزن وفيما لا يُضبط إلّا به، وإن جاز بيعه جزافاً

__________________

(١) أي على فرض اتّفاق ما في الذمّة والثمن في الجنس والوصف.

(٢) الدروس ٣:٢٥٦.

(٣) قاله المحقّق في الشرائع ٢:٦٣، والعلّامة في التحرير ٢:٤٢٥، والفاضل الآبي في كشف الرموز ١:٥٢٤.

(*) في (س) ونسخة (ش) : تقريره.

كالحطب والحجارة؛ لأنّ المشاهدة ترفع الغرر، بخلاف الدين. واحترز بالمعلومين عن الإحالة على مكيال وصنجة مجهولين فيبطل.

﴿ أو العدد * ﴾ في المعدود ﴿ مع قلّة التفاوت ﴾ كالصنف الخاصّ من الجوز واللوز، أمّا مع كثرته ـ كالرمّان ـ فلا يجوز بغير الوزن. والظاهر أنّ البيض ملحق بالجوز في جوازه مع تعيّن (١) الصنف. وفي الدروس قطع بإلحاقه بالرمّان الممتنع به (٢).

وفي مثل الثوب يعتبر ضبطه بالذرع وإن جاز بيعه بدونه مع المشاهدة، كما مرّ. وكان عليه أن يذكره أيضاً؛ لخروجه عن الاعتبارات المذكورة.

ولو جُعلت هذه الأشياء ثمناً فإن كان مُشاهَداً لَحِقه حكم البيع المطلق، فيكفي مشاهدة ما يكفي مشاهدته فيه واعتبار ما يعتبر.

﴿ وتعيين الأجل المحروس من التفاوت ﴾ بحيث لا يحتمل الزيادة والنقصان إن اُريد موضوعه. ولو اُريد به مطلق البيع لم يشترط وإن وقع بلفظ السلم.

﴿ والأقرب جوازه ﴾ أي السلم ﴿ حالّاً مع عموم الوجود ﴾ أي وجود المسلَم فيه ﴿ عند العقد ﴾ ليكون مقدوراً على تسليمه حيث يكون مستحقّاً.

ووجه القرب: أنّ السلم بعض جزئيّات البيع، وقد استعمل لفظه في نقل الملك على الوجه المخصوص فجاز استعماله في الجنس؛ لدلالته عليه حيث يصرَّح بإرادة المعنى العامّ، وذلك عند قصد الحلول، كما ينعقد البيع ب‍ «ملّكتك

__________________

(*) في (ق) و (س) : بالعدد.

(١) في (ش) و (ف) : تعيين.

(٢) الدروس ٣:٢٥٣.

كذا بكذا» ، مع أنّ التمليك موضوع لمعنى آخر، إلّاأنّ قرينة العوض المقابل عيّنته للبيع، بل هذا أولى؛ لأنّه بعض أفراده، بخلاف التمليك المستعمل شرعاً في الهبة بحيث لا يتبادر عند الإطلاق غيرها، وإنّما صرفه عنها القيود الخارجيّة.

ومثله القول فيما لو استعملا السلم في بيع عين شخصيّة، وأولى بالجواز؛ لأ نّها أبعد عن الغرر. والحلول أدخل في إمكان التسليم من التأجيل.

ومن التعليل (١) يلوح وجه المنع فيهما (٢) حيث إنّ بناءه على البيع المؤجّل مثمنه الثابت في الذمّة، وقد قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: «من أسلف فليُسلف في كيل معلوم، أو وزن معلوم، أو أجل معلوم» (٣).

واُجيب بتسليمه حيث يُقصد السلم الخاصّ والبحث فيما لو قصدا به البيع الحالّ.

واعلم أنّ ظاهر عبارة المصنّف هنا وفي الدروس (٤) وكثيرٍ (٥) أنّ الخلاف مع قصد السلم، وأنّ المختار جوازه مؤجَّلاً وحالّاً مع التصريح بالحلول ولو قصداً، بل مع الإطلاق أيضاً، ويحمل على الحلول. والذي يرشد إليه التعليل والجواب أنّ الخلاف فيما لو قصد به البيع المطلق واستعمل السلم فيه بالقرائن، أمّا إذا اُريد به السلف المطلق اشترط ذكر الأجل.

﴿ ولا بدّ من كونه عامّ الوجود عند رأس الأجل إذا شرط الأجل ﴾ في

__________________

(١) المذكور في وجه القرب.

(٢) في مسألتي السَلَم حالّاً مع عموم الوجود، واستعمال السلم في عين شخصيّة.

(٣) الترمذي ٣:٦٠٢ ـ ٦٠٣، الحديث ١٣١١ مع اختلاف يسير.

(٤) الدروس ٣:٢٥٤.

(٥) اُنظر القواعد ٢:٥٢، وجامع المقاصد ٤:٢٣٤، وكنز الفوائد ١:٤٢٨.