درس الروضة البهیة (فقه ۳) (المتاجر - المساقاة)

جلسه ۱۳۵: کتاب الضمان ۳

 

الحقّ فليمكن أداؤه، وأمّا المضمون له فليمكن إيفاؤه، وأمّا المضمون عنه فليمكن القصد إليه.

ويشكل بأنّ المعتبر القصد إلى الضمان، وهو التزام المال الذي يذكره المضمون له، وذلك غير متوقّف على معرفة من عليه الدين، فلو قال شخص: «إنّي أستحقّ في ذمّة آخر مئة درهم» مثلاً، فقال آخر: «ضمنتها لك» كان قاصداً إلى عقد الضمان عمّن كان عليه الدين مطلقاً، ولا دليل على اعتبار العلم بخصوصيّته (١).

ولابدّ له من إيجاب وقبول مخصوصين؛ لأنّه من العقود اللازمة الناقلة للمال من ذمّة المضمون عنه إلى ذمّة الضامن ﴿ والإيجاب ضمنت، وتكفّلت ﴾ ويتميّز عن مطلق الكفالة بجعل متعلّقها المال ﴿ وتقبّلت، وشبهه ﴾ من الألفاظ الدالّة عليه صريحاً ﴿ ولو قال مالك عندي، أو عليّ، أو ما عليه عليّ، فليس بصريح ﴾ لجواز إرادته أنّ للغريم تحت يده مالاً، أو أنّه قادر على تخليصه، أو أنّ عليه السعي أو المساعدة، ونحوه.

وقيل: إنّ «عليّ» ضمان؛ لاقتضاء «عليّ» الالتزام، ومثله «في ذمّتي» (٢). وهو متّجه. أمّا «ضمانه عليّ» فكافٍ؛ لانتفاء الاحتمال مع تصريحه بالمال.

﴿ فيقبل المستحقّ ﴾ وهو المضمون له ﴿ وقيل: يكفي رضاه ﴾ بالضمان وإن لم يصرّح بالقبول (٣) لأنّ حقّه يتحوّل من ذمّة إلى اُخرى، والناس يختلفون في حسن المعاملة وسهولة القضاء، فلابدّ من رضاه به. ولكن لا يعتبر القبول، للأصل؛ لأ نّه وفاء دين.

__________________

(١) في (ف) و (ر) : بخصوصه.

(٢) قاله العلّامة في التذكرة (الحجريّة) ٢:٨٥ ولكن ليس فيه «في ذمّتي» ولم نعثر عليه.

(٣) لم نعثر على القائل بتّاً، نعم ذهب فخر المحقّقين في الإيضاح ٢:٨٤ إلى أنّ الأولى عدم اشتراط القبول.

والأقوى الأوّل؛ لأنّه عقد لازم فلابدّ له من إيجاب وقبول لفظيّين (١) صريحين متطابقين عربيّين، فعلى ما اختاره من اشتراطه يعتبر فيه ما يعتبر في العقود اللازمة. وعلى القول الآخر ﴿ فلا يشترط فوريّة القبول ﴾ للأصل وحصول الغرض.

وقيل: لا يشترط رضاه مطلقاً (٢) لما روي من ضمان علي عليه الصلاة والسلام دين الميّت الذي امتنع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من الصلاة عليه؛ لمكان دينه (٣).

﴿ ولا عبرة بالغريم ﴾ وهو المضمون عنه؛ لما ذكرناه من أنّه وفاء عنه، وهو غير متوقّف على إذنه ﴿ نعم لا يرجع عليه مع عدم إذنه ﴾ في الضمان وإن أذن في الأداء؛ لأنّه متبرّع. والضمان هو الناقل للمال من الذمّة ﴿ ولو أذن ﴾ له في الضمان ﴿ رجع ﴾ عليه ﴿ بأقلّ الأمرين مما أدّاه، ومن الحقّ ﴾ فإن أدّى أزيد منه كان متبرّعاً بالزائد، وإن أدّى أقلّ لم يرجع بغيره، سواء أسقط الزائد عنه بصلح أم إبراء. ولو وهبه بعد ما أدّى الجميع البعض أو الجميع جاز رجوعه به. ولو أدّى عرضاً رجع بأقلّ الأمرين من قيمته ومن الحقّ، سواء رضي المضمون له به عن الحقّ من غير عقد، أو بصلح.

﴿ ويشترط فيه ﴾ أي في الضامن ﴿ الملاءة ﴾ بأن يكون مالكاً لما يوفي به الحقّ المضمون فاضلاً عن المستثينات في وفاء الدين ﴿ أو علم المستحقّ بإعساره ﴾ حين الضمان، فلو لم يعلم به حتى ضمن تخيّر المضمون له في الفسخ. وإنّما تعتبر الملاءة في الابتداء، لا الاستدامة، فلو تجدّد إعساره بعد الضمان

__________________

(١) في (ع) التي قوبلت بالأصل: لفظين.

(٢) قاله الشيخ في الخلاف ٣:٣١٣، المسألة ٢ من كتاب الضمان.

(٣) اُنظر الوسائل ١٣:١٥١، الباب ٢ من أبواب الضمان، الحديث ٢، وسنن النسائي ٤:٦٥، والسنن الكبرى ٦:٧٣.