درس الروضة البهیة (فقه ۳) (المتاجر - المساقاة)

جلسه ۱۴۵: کتاب الکفاله ۴

 

﴿ وينصرف الإطلاق إلى التسليم في موضع العقد ﴾ لأنّه المفهوم عند الإطلاق. ويشكل لو كانا في برّيّة [أو] (١) بلد غربة قَصدهما مفارقَته سريعاً، لكنّهم لم يذكروا هنا خلافاً كالسلم. والإشكال يندفع بالتعيين.

﴿ ولو عيّن غيره ﴾ أي غير موضع العقد ﴿ لزم ﴾ ما شرط. وحيث يعيّن أو يطلق ويحضره في غير ما عيّن شرعاً لا يجب تسلّمه وإن انتفى الضرر.

﴿ ولو قال الكفيل: لا حقّ لك ﴾ على المكفول حالة الكفالة فلا يلزمني إحضاره فالقول قول المكفول له؛ لرجوع الدعوى إلى صحّة الكفالة وفسادها، فيقدّم قول مدّعي الصحّة و (حلف المستحقّ ﴾ وهو المكفول له ولزمه إحضاره. فإن تعذّر لم يثبت الحقّ بحلفه السابق؛ لأنّه لإثبات حقّ يصحّح الكفالة، ويكفي فيه توجّه الدعوى. نعم لو أقام بيّنة بالحقّ وأثبته عند الحاكم اُلزم به كما مرّ (٢) ولا يرجع به على المكفول؛ لاعترافه ببراءة ذمّته، وزعمه بأ نّه مظلوم.

﴿ وكذا لو قال ﴾ الكفيل للمكفول له: ﴿ أبرأتَه ﴾ من الحقّ، أو أوفاكَهُ؛ لأصالة بقائه.

ثُمَّ إن حلف المكفول له على بقاء الحقّ برئ من دعوى الكفيل ولزمه إحضاره، فإن جاء بالمكفول فادّعى البراءة أيضاً لم يُكتفَ باليمين التي حلفها للكفيل؛ لأنّها كانت لإثبات الكفالة، وهذه دعوى اُخرى وإن لزمت تلك بالعرض. ﴿ فلو ﴾ لم يحلف و (ردّ اليمين عليه ﴾ أي على الكفيل فحلف ﴿ برئ من الكفالة والمال بحاله ﴾ لا يبرأ المكفول منه؛ لاختلاف الدعويين كما مرّ، ولأ نّه لا يبرأ بيمين غيره.

__________________

(١) في المخطوطات بدل «أو» : و.

(٢) مرّ في القضاء في الصفحة ٩٠.

نعم لو حلف المكفول اليمينَ المردودة على البراءة برئا معاً؛ لسقوط الكفالة بسقوط الحقّ كما لو أدّاه، وكذا لو نكل المكفول له عن يمين المكفول فحلف برئا معاً.

﴿ ولو تكفّل اثنان بواحد كفى تسليم أحدهما ﴾ إيّاه تامّاً؛ لحصول الغرض، كما لو سلّم نفسه أو سلّمه أجنبيّ.

وهل يشترط تسليمه عنه وعن شريكه، أم يكفي الإطلاق؟ قولان (١) أجودهما الثاني، وهو الذي يقتضيه إطلاق العبارة. وكذا القول في تسليم نفسه وتسليم الأجنبيّ له.

وقيل (٢) : لا يبرأ مطلقاً؛ لتغاير الحقّين. وضعفه ظاهر.

وتظهر الفائدة لو هرب بعد تسليم الأوّل.

﴿ ولو تكفّل بواحد لاثنين فلابدّ من تسليمه إليهما ﴾ معاً؛ لأنّ العقد للواحد هنا بمنزلة عقدين، كما لو تكفّل لكلّ واحد على انفراده، أو ضمن دينين لشخصين فأدّى دين أحدهما، فإنّه لا يبرأ من دين الآخر. بخلاف السابق، فإنّ الغرض من كفالتهما للواحد إحضاره وقد حصل.

﴿ ويصحّ التعبير * ﴾ في عقد الكفالة ﴿ بالبدن والرأس والوجه ﴾ فيقول: ﴿ كفلت لك بدن فلان أو رأسه أو وجهه ﴾ لأنّه يعبّر بذلك عن الجملة، بل عن الذات

__________________

(١) لم نعثر على المشترط، وأمّا القول بكفاية الإطلاق فقد اختاره في الشرائع ٢:١١٧، والقواعد ٢:١٦٩، والإيضاح ٢:١٠١.

(٢) قاله الشيخ في المبسوط ٢:٣٣٩، وابن حمزة في الوسيلة:٢٨١، والقاضي في جواهر الفقه:٧٢، المسألة ٢٧٠.

(*) في (ق) : التعيين، وكذا في نسخة (ف) من الشرح.

عرفاً، واُلحق به الكبد والقلب، وغيرهما من الأجزاء التي لا تبقى الحياة بدونه (١) والجزءُ الشائع فيه ـ كثُلثه وربعه ـ استناداً إلى أنّه لا يمكن إحضار المكفول إلّا بإحضاره أجمع. وفي غير البدن نظر.

أمّا الوجه والرأس، فإنّهما وإن اُطلقا على الجملة، لكن يطلقان على أنفسهما إطلاقاً شائعاً متعارفاً إن لم يكن أشهر من إطلاقهما على الجملة، وحمل اللفظ المحتمل للمعنيين على الوجه المصحّح ـ مع الشكّ في حصوله وأصالة البراءة من مقتضى العقد ـ غير جيّد. نعم لو صرّح بإرادة الجملة من الجزأين اتّجهت الصحّة كإرادة أحد معنيي المشترك، كما أنّه لو قصد الجزء بعينه فكقصد الجزء الذي لا يمكن الحياة بدونه.

وأمّا ما لا تبقى الحياة بدونه مع عدم إطلاق اسم الجملة عليه حقيقة، فغايته أنّ إطلاقه عليها مجاز، وهو غير كافٍ في إثبات الأحكام الشرعيّة ويلزم مثله في كلّ جزءٍ من البدن؛ فالمنع في الجميع أوجه، أو إلحاق الرأس والوجه مع قصد الجملة بهما.

﴿ دون اليد والرجل ﴾ وإن قصدها بهما مجازاً (٢) لأنّ المطلوب شرعاً كفالة المجموع باللفظ الصريح الصحيح كغيره من العقود اللازمة. والتعليل بعدم إمكان إحضار الجزء المكفول بدون الجملة ـ فكان في قوّة كفالة الجملة ـ ضعيف؛ لأنّ المطلوب لمّا كان كفالة المجموع لم يكن البعض كافياً في صحّته وإن توقّف

__________________

(١) في (ر) : بدونها.

(٢) فيه نظر واضح؛ إذ ليس كلّ جزءٍ يصحّ إطلاق اسمه على الكلّ مجازاً، كما حقّق في محلّه، وذلك هو المقتضي للفرق بين الأجزاء الثلاثة الاُول وبين الآخرين لا كون الأوّل حقيقةً والآخرين مجازاً، وأيّ مانعٍ من استعمال المجاز في مثله مع القرينة؟ فتأمّل. (منه رحمه‌الله).

إحضاره عليه؛ لأنّ الكلام ليس في مجرّد الإحضار، بل على وجه الكفالة الصحيحة، وهو منتفٍ.

﴿ ولو * مات المكفول ﴾ قبل إحضاره ﴿ بطلت ﴾ الكفالة؛ لفوات متعلّقها وهو النفس، وفوات الغرض لو اُريد البدن. ويمكن الفرق بين التعبير ب‍ «كفلت فلاناً» و «كفلت بدنه» فيجب إحضاره مع طلبه في الثاني، دون الأوّل، بناءً على ما اختاره المحقّقون من أنّ الإنسان ليس هو الهيكل المحسوس.

ويضعَّف بأنّ مثل ذلك منزَّل على المتعارف، لا على المحقَّق عند الأقلّ، فلا يجب على التقديرين ﴿ إلّا في الشهادة على عينه (١) ﴾ ليحكم عليه ﴿ بإتلافه، أو المعاملة ﴾ له إذا كان قد شهد عليه من لا يعرف نسبه، بل شهد على صورته، فيجب إحضاره ميّتاً حيث يمكن الشهادة عليه بأن لا يكون قد تغيّر بحيث لا يعرف. ولا فرق حينئذ بين كونه قد دفن وعدمه؛ لأنّ ذلك مستثنى من تحريم نبشه.

__________________

(*) في (ق) و (س) : وإذا.

(١) أي على شخصه.