درس الروضة البهیة (فقه ۳) (المتاجر - المساقاة)

جلسه ۱۵۵: کتاب الشرکة ۲

 

في الحاصل، سواء اتّفق عملهما قدراً ونوعاً أم اختلف فيهما أم في أحدهما، وسواء عملا في مال مملوك أم في تحصيل مباح؛ لأنّ كلّ واحد (١) متميّز ببدنه وعمله فيختصّ بفوائده، كما لو اشتركا في مالين وهما متميّزان.

﴿ و ﴾ لا شركة ﴿ المفاوضة ﴾ * وهي أن يشترك شخصان فصاعداً بعقد لفظيّ على أن يكون بينهما ما يكتسبان ويربحان ويلتزمان من غرم ويحصل لهما من غُنم، فيلتزم كلّ منهما للآخر مثل ما يلتزمه من أرش جناية وضمان غصب وقيمة مُتلف وغرامة ضمان وكفالة، ويقاسمه فيما يحصل له من ميراث أو يجده من رِكاز ولقطة، ويكتسبه في تجارة، ونحو ذلك.

ولا يستثنيان من ذلك إلّا قوت اليوم وثياب البدن وجارية يتسرّى بها، فإنّ الآخر لا يشارك فيها. وكذا يستثنى في هذه الشركة من الغرم: الجناية على الحرّ وبذل الخلع والصداق إذا لزم أحدهما.

﴿ و ﴾ لا شركة ﴿ الوجوه ﴾ وهي أن يشترك اثنان وجيهان لا مال لهما بعقد لفظيّ ليبتاعا في الذمّة على أنّ ما يبتاعه كلّ منهما يكون بينهما فيبيعان ويؤدّيان الأثمان، وما فضل فهو بينهما. أو أن يبتاع وجيه في الذمّة ويفوّض بيعه إلى خامل، على أن يكون الربح بينهما. أو أن يشترك وجيه لا مال له وخامل ذو مال ليكون العمل من الوجيه والمال من الخامل ويكون المال في يده لا يُسلّمه إلى الوجيه، والربح بينهما. أو أن يبيع الوجيه مال الخامل بزيادة ربح، ليكون بعضه له.

وهذه الثلاثة بمعانيها عندنا باطلة.

﴿ و ﴾ المشتركان شركة العِنان ﴿ يتساويان في الربح والخسران مع

__________________

(١) في (ر) زيادة: منهما.

(*) في (ق) و (س) : والوجوه والمفاوضة.

تساوي المالين. ولو اختلفا ﴾ في مقدار المال ﴿ اختلف ﴾ الربح بحسبه.

والضابط: أنّ الربح بينهما على نسبة المال متساوياً ومتفاوتاً، فلو عبّر به لكان أخصر وأدلّ على المقصود؛ إذ لا يلزم من اختلاف الربح مع اختلاف المالين كونه على النسبة.

﴿ ولو شرطا غيرهما ﴾ أي غير التساوي في الربح على تقدير تساوي المالين ـ بأن شرطا فيه تفاوتاً حينئذٍ ـ أو غير اختلاف استحقاقهما في الربح مع اختلاف المالين كميّةً ﴿ فالأظهر البطلان ﴾ أي بطلان الشرط، ويتبعه بطلان الشركة بمعنى الإذن في التصرّف، فإن عملا كذلك فالربح تابع للمال وإن خالف الشرط، ويكون لكلّ منهما اُجرة عمله بعد وضع ما قابل عمله في ماله.

ووجه البطلان بهذا الشرط أنّ الزيادة الحاصلة في الربح لأحدهما ليس في مقابلها عوض، ولا وقع اشتراطها في عقد معاوضة لتُضمّ إلى أحد العوضين، ولا اقتضى تملّكها عقدُ هبة، والأسباب المثمرة للملك معدودة وليس هذا أحدها، فيبطل الشرط ويتبعه العقد المتضمنّ للإذن في التصرّف؛ لعدم تراضيهما إلّا على ذلك التقدير ولم يحصل. وينبغي تقييده بعدم زيادة عملٍ ممّن شرطت له الزيادة، وإلّا اتّجه الجواز.

وقيل: يجوز مطلقاً؛ لعموم الأمر بالوفاء بالعقود (١) والمؤمنون عند شروطهم (٢) وأصالةِ الإباحة، وبناءِ الشركة على الإرفاق، ومنه موضع النزاع (٣).

__________________

(١) المائدة:١.

(٢) الوسائل ١٥:٣٠، الباب ٢٠ من أبواب المهور، الحديث ٤.

(٣) قاله السيد المرتضى في الانتصار:٤٧٠ ـ ٤٧١، المسألة ٢٦٥، والعلّامة ووالده وولده في المختلف ٦:٢٣١، والإيضاح ٢:٣٠١، وابن فهد في المقتصر:١٩٩، والصيمري في غاية المرام ٢:٢٣٤ ـ ٢٣٥.

﴿ وليس لأحد الشركاء التصرّف ﴾ في المال المشترك ﴿ إلّابإذن الجميع ﴾ لقبح التصرّف في مال الغير بغير إذنه عقلاً وشرعاً ﴿ ويقتصر من التصرّف على المأذون ﴾ على تقدير حصول الإذن ﴿ فإن تعدّى ﴾ المأذون ﴿ ضمن ﴾.

واعلم أنّ الشركة كما تُطلق على اجتماع حقوق المُلّاك في المال الواحد على أحد الوجوه السابقة، كذلك تُطلق على العقد المثمر جواز تصرّف المُلّاك في المال المشترك، وبهذا المعنى اندرجت الشركة في قسم العقود وقبلت الحكم بالصحّة والفساد، لا بالمعنى الأوّل. والمصنّف رحمه‌الله أشار إلى المعنى الأوّل بما افتتح به من الأقسام، وإلى الثاني بالإذن المبحوث عنه هنا.

﴿ ولكلّ ﴾ من الشركاء ﴿ المطالبة بالقسمة، عرضاً ﴾ بالسكون وهو ما عدا النقدين ﴿ كان المال، أو نقداً ﴾.

﴿ والشريك أمين ﴾ على ما تحت يده من المال المشترك المأذون له في وضع يده عليه ﴿ لا يضمن إلّا بتعدّ ﴾ وهو فعل ما لا يجوز فعله في المال ﴿ أو تفريط ﴾ وهو التقصير في حفظه وما يتمّ به صلاحه ﴿ ويقبل يمينه في التلف ﴾ لو ادّعاه بتفريط وغيره ﴿ وإن كان السبب ظاهراً ﴾ كالحرق والغَرَق. وإنّما خصّه لإمكان إقامة البيّنة عليه، فربما احتمل عدم قبول قوله فيه كما ذهب إليه بعض العامة (١) أمّا دعوى تلفه بأمر خفيّ كالسَرَق فمقبول إجماعاً.

﴿ ويُكره مشاركة الذمّيّ وإبضاعه ﴾ وهو أن يدفع إليه مالاً يتّجر فيه والربح لصاحب المال خاصّة ﴿ وإيداعه ﴾ لقول الصادق عليه‌السلام: «لا ينبغي للرجل المسلم أن يشارك الذمّيّ، ولا يُبضعه بضاعة، ولا يُودعه وديعة،

__________________

(١) قاله الشيرازي صاحب المهذّب وشارحه النووي، اُنظر المجموع ١٤:٧٦. وانظر مغني المحتاج ٢:٢١٦.