درس الروضة البهیة (فقه ۳) (المتاجر - المساقاة)

جلسه ۱۵۷: کتاب المضاربة ۱

 

﴿ كتاب المضاربة ﴾

﴿ وهي أن يدفع مالاً إلى غيره لِيَعمَلَ فيه بحصّة معيّنة من ربحه ﴾ مأخوذةٌ من الضرب في الأرض؛ لأنّ العامل يضرب فيها للسعي على التجارة وابتغاء الربح بطلب صاحب المال، فكأنّ الضرب مسبَّب عنهما فتحقّقت المفاعلة لذلك، أو من ضرب كلّ منهما في الربح بسهم، أو لما فيه من الضرب بالمال وتقليبه.

وأهل الحجاز يسمّونها قراضاً من القَرْض وهو القطع، كأنّ صاحب المال اقتطع منه قِطعة وسلّمها إلى العامل، أو اقتطع له قطعة من الربح في مقابلة عمله، أو من المقارضة، وهي المساواة، ومنه: «قارض الناس ما قارضوك، فإن تركتهم لم يتركوك» (١).

ووجه التساوي هنا: أنّ المال من جهة والعمل من اُخرى، والربح في مقابلهما، فقد تساويا في قوام العقد أو أصل استحقاق الربح، وإن اختلفا في كمّيّته.

﴿ وهي جائزة من الطرفين ﴾ سواء نضّ المال (٢) أم كان به عروض، يجوز لكلّ منهما فسخها. ومن لوازم جوازها منهما وقوع العقد بكلّ لفظٍ يدلّ عليه.

__________________

(١) غريب الحديث ٤:١٤٩، في حديث أبي الدرداء.

(٢) والمراد بإنضاض المال صيرورته دراهم أو دنانير كما كان أوّلاً.

وفي اشتراط وقوع قبوله لفظيّاً أو جوازه بالفعل أيضاً قولان (١) لا يخلو ثانيهما من قوّة.

﴿ ولا يصحّ اشتراط اللزوم أو الأجل فيها ﴾ بمعنى أنّه لا يجب الوفاء بالشرط ولا تصير لازمة بذلك ولا في الأجل، بل يجوز فسخها فيه عملاً بالأصل و (لكن ﴾ اشتراط الأجل ﴿ يثمر المنع من التصرّف بعد الأجل إلّا بإذن جديد ﴾ لأنّ التصرّف تابع للإذن ولا إذن بعدَه. وكذا لو أجّل بعضَ التصرّفات، كالبيع أو الشراء خاصّة أو نوعاً خاصّاً.

ويفهم من تشريكه بين اشتراط اللزوم والأجل تساويهما في الصحّة وعدم لزوم الشرط.

والمشهور: أنّ اشتراط اللزوم مبطل؛ لأنّه منافٍ لمقتضى العقد، فإذا فسد الشرط تبعه العقد، بخلاف شرط الأجل، فإنّ مرجعه إلى تقييد التصرّف بوقت خاصّ وهو غير منافٍ. ويمكن أن يريد المصنّف ذلك، وإنّما شرّك بينهما في عدم صحّة الشرط مطلقاً وإن افترقا في أمر آخر.

﴿ ويقتصر ﴾ العامل ﴿ من التصرّف على ما أذن المالك له ﴾ من نوع التجارة ومكانها وزمانها ومن يشتري منه ويبيع عليه، وغير ذلك. فإن خالف ما عيّن له ضمن المال، لكن لو ربح كان بينهما بمقتضى الشرط؛ للأخبار الصحيحة (٢) ولولاها لكان التصرّف باطلاً أو موقوفاً على الإجازة.

__________________

(١) القول بالاشتراط منسوب في المناهل:١٩٧ إلى العلّامة في القواعد ٢:٣٣١، والتحرير ٣:٢٤٤، وهو الظاهر من الفاضل المقداد في التنقيح الرائع ٢:٢١٥. والقول بالعدم للعلّامة أيضاً في التذكرة (الحجريّة) ٢:٢٢٩، والمحقّق الثاني في جامع المقاصد ٨:٥٣.

(٢) اُنظر الوسائل ١٣:١٨١ ـ ١٨٣، الباب الأوّل من المضاربة، الأحاديث ١ و ٢ و ٥ و ٦ و ٩ ـ ١١.

﴿ ولو أطلق ﴾ له الإذن ﴿ تصرّف بالاسترباح ﴾ في كلّ ما يظنّ فيه حصول الربح من غير أن يتقيّد بنوع أو زمان أو مكان. ويتولّى أيضاً بالإطلاق ما يتولّاه المالك في التجارة بنفسه: من عرض القماش على المشتري ونشره وطيِّه وإحرازه وبيعه وقبض ثمنه، ولا اُجرة له على مثل ذلك، حملاً للإطلاق على المتعارف. وله الاستئجار على ما جرت العادة به، كالدلالة ووزن الأمتعة الثقيلة التي لم تجر عادته بمباشرة مثلها.

﴿ وينفق في السفر كمال نفقته من أصل المال ﴾ والمراد بالنفقة ما يحتاج فيه إليه من مأكول وملبوس ومشروب ومركوب، وآلات ذلك، واُجرة المسكن ونحوها. ويراعي فيها ما يليق به عادة مقتصداً، فإن أسرف حُسب عليه، وإن قتر لم يحسب له. وإذا عاد من السفر فما بقي من أعيانها ـ ولو من الزاد ـ يجب ردّه إلى التجارة أو تركُه إلى أن يسافر إن كان ممّن يعود إليه قبل فساده.

ولو شرط عدمها لزم، ولو أذن له بعده فهو تبرّع محض، ولو شرطها فهو تأكيد، ويشترط حينئذٍ تعيينها لئلّا يتجهّل الشرط، بخلاف ما ثبت بأصل الشرع. ولا يعتبر في ثبوتها حصول ربح، بل ينفق ولو من الأصل إن لم يربح، وإلّا  كانت منه.

ومؤونة المرض في السفر على العامل، وكذا سفر لم يؤذَن فيه وإن استحقّ الحصّة (١) والمراد بالسفر: العرفي، لا الشرعي ـ وهو ما اشتمل على المسافة ـ فينفق وإن كان قصيراً أو أتمّ الصلاة، إلّا أن يخرج عن اسم المسافر، أو يزيد عمّا تحتاج التجارة إليه فينفق من ماله إلى أن يصدق الوصف.

واحترز بكمال النفقة عن القدر الزائد عن نفقة الحضر، فقد قيل: إنّه لا ينفق

__________________

(١) أي حصّته من الربح.