درس الروضة البهیة (فقه ۵) (الطلاق - الغصب)

جلسه ۴۶: کتاب اللعان ۳: اسباب لعان ۳

 

﴿ على الأقوى ﴾ لأنّ السكوت أعمّ من الاعتراف به ، فلا يدلّ عليه.

وقال الشيخ : ليس له إنكاره حينئذٍ؛ لحكم الشارع بإلحاقه به بمجرّد الولادة العاري عن النفي (١) إذ اللحوق لا يحتاج إلى غير الفراش فيمتنع أن يزيل إنكاره حكم الشارع ، ولأدائه إلى عدم استقرار الأنساب.

وفيه : أنّ حكم الشارع بالالتحاق (٢) مبنيّ على أصالة عدم النفي ، أو على الظاهر وقد ظهر خلافه. ولو لم يمكنه النفي حالة الولادة إمّا لعدم قدرته عليه لمرض أو حبس أو اشتغال بحفظ ماله من حرق أو غرق أو لُصٍّ ولم يمكنه الإشهاد ونحو ذلك ، أو لعدم علمه بأنّ له النفي ـ لقرب عهده بالإسلام أو بُعده عن الأحكام ـ فلا إشكال في قبوله عند زوال المانع ، ولو ادّعى عدم العلم (٣) قُبل مع إمكانه في حقّه.

وإنّما يجوز له نفيه باللعان على أيّ وجهٍ كان ﴿ ما لم يسبق الاعتراف ﴾ منه ﴿ به صريحاً أو فحوىً ﴾ فالأوّل ظاهر ، والثاني أن يجيب المبشّر بما يدلّ على الرضا به والاعتراف ﴿ مثل أن يقال له : بارك اللّٰه لك في هذا الولد ، فيؤمِّن ، أو يقول : إن شاء اللّٰه. بخلاف ﴾ قوله في الجواب ﴿ بارك اللّٰه فيك وشبهه ﴾ ك‍  «أحسن اللّٰه إليك» و «رزقك اللّٰه مثلَه» فإنّه لا يقتضي الإقرار؛ لاحتماله غيره احتمالاً ظاهراً.

﴿ ولو قذفها بالزنا ونفي الولد وأقام بيّنة ﴾ بزناها ﴿ سقط الحدّ ﴾ عنه لأجل القذف بالبيّنة ﴿ ولم ينتفِ عنه الولد إلّاباللعان ﴾ لأنّه لاحق بالفراش وإن

__________________

(١) المبسوط ٥ : ٢٢٩ ، والخلاف ٥ : ٣٠ ، المسألة ٣٤.

(٢) في (ر) : بالإلحاق.

(٣) في (ر) زيادة : به.

 زنت اُمّه كما مرّ (١) ولو لم يُقم بيّنة كان له اللعان للأمرين معاً ، وهل يُكتفى بلعان واحد أم يتعدّد؟ وجهان : من أنّه كالشهادة أو اليمين ، وهما كافيان على ما سبق عليهما من الدعوى. ومن تعدّد السبب الموجب لتعدّد المسبّب إلّا ما أخرجه الدليل.

﴿ ولا بدّ من كون الملاعن كاملاً ﴾ بالبلوغ والعقل. ولا يشترط العدالة ، ولا الحرّيّة ، ولا انتفاء الحدّ عن قذف ، ولا الإسلام ، بل يلاعن ﴿ ولو كان كافراً ﴾ أو مملوكاً أو فاسقاً؛ لعموم الآية (٢) ودلالة الروايات (٣) عليه.

وقيل : لا يلاعن الكافر ولا المملوك (٤) بناءً على أنّه شهادات كما يظهر من قوله تعالى : (فَشَهٰادَةُ أَحَدِهِمْ...) (٥) وهما ليسا من أهلها. وهو ممنوع؛ لجواز كونه أيماناً؛ لافتقاره إلى ذكر اسم اللّٰه تعالى ، واليمين يستوي فيه العدل والفاسق والحرّ والعبد والمسلم والكافر والذكر والاُنثى. وما ذكروه معارض بوقوعه من الفاسق إجماعاً.

﴿ ويصحّ لعان الأخرس بالإشارة المعقولة إن أمكن معرفته ﴾ اللعان ،

__________________

(١) مرّ في الصفحة ٣١٣.

(٢) النور : ٦.

(٣) اُنظر الوسائل ١٥ : ٥٩٥ ، الباب ٥ من أبواب اللعان.

(٤) نسبه الشيخ إلى قوم من العامّة كالزهري وأبو حنيفة و... اُنظر الخلاف ٥ : ٧ ، المسألة ٢ ، كما نسبه السيوري وابن فهد إلى المفيد وسلّار. لكنّهما قالا : لا لعان بين المسلم والذمّيّة ، ولا بين الحرّ والأمة. راجع التنقيح الرائع ٣ : ٤١٨ ـ ٤١٩ ، والمهذّب البارع ٤ : ٨ ، والمقنعة : ٥٤٢ ، والمراسم : ١٦٤.

(٥) النور : ٦.

كما يصحّ منه إقامة الشهادة والأيمان والإقرار وغيرها من الأحكام ، ولعموم الآية.

وقيل بالمنع (١) والفرق؛ لأنّه (٢) مشروط بالألفاظ الخاصّة ، دون الإقرار والشهادة فإنّهما يقعان بأيّ عبارة اتّفقت ، ولأصالة عدم ثبوته إلّامع تيقّنه ، وهو منتفٍ هنا.

واُجيب بأنّ الألفاظ الخاصّة إنّما تعتبر مع الإمكان وإشارته قائمة مقامها ، كما قامت في الطلاق وغيره من الأحكام المعتبرة بألفاظ خاصّة. نعم استبعاد فهمه له موجَّه ، لكنّه غير مانع؛ لأنّ الحكم مبنيّ عليه (٣).

﴿ ويجب ﴾ على ذي الفراش مطلقاً (٤) ﴿ نفي الولد ﴾ المولود على فراشه ﴿ إذا عرف اختلال شروط الإلحاق ﴾ فيلاعن وجوباً؛ لأنّه لا ينتفي بدونه ﴿ ويحرم ﴾ عليه نفيه ﴿ بدونه ﴾ أي بدون علمه باختلال شروط الإلحاق ﴿ وإن ظنّ انتفاءه عنه ﴾ بزنا اُمّه أو غيره ﴿ أو خالفت صفاتُه صفاتَه ﴾ لأنّ ذلك لا مدخل له في الإلحاق ، والخالق على كلّ شيءٍ قدير ، والحكم مبنيّ على الظاهر.

ويلحق الولد بالفراش دون غيره ، ولو لم يجد مَن عَلِم انتفاءه مَن يلاعن بينهما لم يفده نفيه مطلقاً (٥).

__________________

(١) القائل بالمنع ابن إدريس [في السرائر ٢ : ٧٠١]. (منه رحمه‌الله).

(٢) في (ف) و (ش) : بأنّه.

(٣) أي على الفهم.

(٤) سواء علم بزنا اُمّه أم لا ، وسواء وافق صفاتُه صفاتَه أم لا (هامش ر).

(٥) لا في التصريح ولا في التعريض (هامش ر).