درس الروضة البهیة (فقه ۵) (الطلاق - الغصب)

جلسه ۵۲: کتاب اللعان ۹: واجبات و مستحبات لعان ۲

 

مع التعذّر ﴾ فيجتزئ بمقدورهما منه ، فإن تعذّر تلفّظهما بالعربيّة أصلاً أجزأ غيرُها من اللغات من غير ترجيح ﴿ فيفتقر الحاكم إلى مترجمين عدلين ﴾ يلقيان عليهما الصيغة بما يحسنانه من اللغة ﴿ إن لم يعرف ﴾ الحاكم ﴿ تلك اللغة ﴾ وإلّا باشرها بنفسه. ولا يكفي أقلّ من عدلين حيث يفتقر إلى الترجمة ، ولا يحتاج إلى الأزيد.

﴿ وتجب البدءة ﴾ من الرجل ﴿ بالشهادة ، ثمّ اللعن ﴾ كما ذُكر ﴿ وفي المرأة بالشهادة ثمّ الغضب ﴾ وكما يجب الترتيب المذكور تجب الموالاة بين كلماتهما (١) فلو تراخى بما يعدّ فصلاً أو تكلّم خلالَه بغيره بطل.

﴿ ويستحبّ أن يجلس الحاكم مستدبرَ القبلة ﴾ ليكون وجههما إليها. ﴿ وأن يقف الرجل عن يمينه والمرأة عن يمين الرجل وأن يحضر ﴾ من الناس ﴿ من يسمع ﴾ (٢) اللعان ولو أربعة ، عددَ شهود الزنا ﴿ وأن يعظه الحاكم قبل كلمة اللعنة ﴾ ويخوّفه اللّٰه تعالى ويقول له : إنّ عذاب الآخرة أشدّ من عذاب الدنيا ، ويقرأ عليه (إِنَّ اَلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اَللّٰهِ وَأَيْمٰانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً ...) الآية (٣) وإنّ لعنه لنفسه يوجب اللعنة إن كان كاذباً ، ونحو ذلك ﴿ ويعظها قبل كلمة الغضب ﴾ بنحو ذلك.

﴿ وأن يغلّظ بالقول ﴾ وهو تكرار الشهادات أربع مرّات ، وهو واجب ، لكنّه أطلق الاستحباب نظراً إلى (٤) التغليظ بمجموع الاُمور الثلاثة من حيث هو

__________________

(١) في (ف) و (ش) ونسخة بدل (ع) : كلماتها.

(٢) في (ر) : يستمع.

(٣) آل عمران : ٧٧.

(٤) في (ش) زيادة : أنّ.

مجموع. وبما قرّرناه صرّح في التحرير (٢).

وأمّا حمله على زيادة لفظ في الشهادة أو الغضب على نحو ما يُذكر في اليمين المطلقة ، ك‍ «أشهد باللّٰه الطالب الغالب المهلك ...» ونحو ذلك ، فإنّه وإن كان ممكناً لو نُصّ عليه ، إلّا أنّه يشكل بإخلاله بالموالاة المعتبرة في اللفظ المنصوص مع عدم الإذن في تخلّل المذكور بالخصوص.

﴿ والمكان ﴾ بأن يلاعِنَ بينهما في موضع شريف ﴿ كبين الركن ﴾ الذي فيه الحجر الأسود ﴿ والمقام ﴾ مقام إبراهيم ـ على نبيّنا وآله وعليه‌السلام ـ وهو المسمّى بالحطيم ﴿ بمكّة ، وفي الروضة ﴾ وهي ما بين القبر الشريف والمنبر ﴿ بالمدينة ، وتحت الصخرة في ﴾ المسجد ﴿ الأقصى (٣) وفي المساجد بالأمصار ﴾ ـ غير ما ذُكر ـ عند المنبر ﴿ أو المشاهد الشريفة ﴾ للأئمّة أو (٤) الأنبياء عليهم‌السلام إن اتّفق. ولو كانت المرأة حائضاً فبباب المسجد فيخرج الحاكم إليها أو يبعث نائباً ، أو كانا ذمّيّين فبيعة أو كنيسة ، أو مجوسيّين (٥) فبيت نار ، لا بيت صنم (٦) لوثنيّ؛ إذ لا حرمة له ، واعتقادهم (٧) غير مرعيّ.

﴿ وإذا لاعَنَ الرجل سقط عنه الحدّ ووجب على المرأة ﴾ لأنّ لعانه حجّة كالبيّنة ﴿ فإذا أقرّت ﴾ بالزنا ﴿ أو ﴾ لم تقرّ ولكن ﴿ نكلت ﴾ عن اللعان

__________________

(١) التحرير ٤ : ١٣٤ ، الرقم ٥٥١٥.

(٢) في (ف) زيادة : وهو بيت المقدس ، أطلق اللّٰه عليه الأقصى بالإضافة إلى المسجد الحرام.

(٣) في (ر) بدل «أو» : و.

(٤) في (ع) : مجوسين.

(٥) في (ش) : فبيت النار لا بيت الصنم.

(٦) في متن (ع) : اعتقاده ، وفي نسخة بدله ما أثبتناه.

﴿ وجب ﴾ عليها ﴿ الحدّ وإن لاعنت سقط ﴾ عنها.

﴿ ويتعلّق بلعانهما ﴾ معاً ﴿ أحكام أربعة ﴾ في الجملة ، لا في كلّ لعان ﴿ سقوط الحدّين عنهما ، وزوال الفراش ﴾ وهذان ثابتان في كلّ لعان ﴿ ونفي الولد عن الرجل ﴾ لا عن المرأة إن كان اللعان لنفيه ﴿ والتحريم المؤبّد ﴾ وهو ثابت مطلقاً كالأوّلين. ولا يُنتفى عنه الحدّ إلّابمجموع لعانه ، وكذا المرأة. ولا تثبت الأحكام أجمع إلّابمجموع لعانهما.

﴿ و ﴾ على هذا ﴿ لو أكذب نفسه في أثناء اللعان وجب عليه حدّ القذف ﴾ ولم يثبت شيء من الأحكام.

﴿ و ﴾ لو أكذب نفسه ﴿ بعد لعانه ﴾ وقبل لعانها ففي وجوب الحدّ عليه ﴿ قولان ﴾ (١) منشؤهما : من سقوط الحدّ عنه بلعانه ولم يتجدّد منه قذف بعده فلا وجه لوجوبه ، ومن أنّه قد أكّد القذف السابق باللعان لتكراره إيّاه فيه ، والسقوط إنّما يكون مع علم صدقه أو اشتباه حاله ، واعترافه بكذبه ينفيهما ، فيكون لعانه قذفاً محضاً ، فكيف يكون مسقطاً؟

﴿ وكذا ﴾ القولان (٢) لو أكذب نفسه ﴿ بعد لعانهما ﴾ لعين ما ذُكر في الجانبين.

__________________

(١) لم نعثر عليهما بالتفصيل المذكور من كون إكذاب الزوج بعد لعانه وقبل لعان الزوجة ، اُنظر المصادر المذكورة في الهامش التالي.

(٢) القول بسقوط الحدّ للشيخ في النهاية : ٥٢١ ، والمحقّق في الشرائع ٣ : ١٠٠ ، والعلّامة في الإرشاد ٢ : ٦٢ ، والتحرير ٤ : ١٣٥ ، الرقم ٥٥١٨. والقول بالثبوت للمفيد في المقنعة : ٥٤٢ ، والعلّامة في القواعد ٣ : ١٩١ ، وقوّاه ولده في الإيضاح ٣ : ٤٥٣.

والأقوى ثبوته فيهما؛ لما ذُكر ، ولرواية محمّد بن الفضيل (١) عن الكاظم عليه‌السلام : «أنّه سأله عن رجل لاعن امرأته وانتفى من ولدها ثمّ أكذب نفسه هل يردّ عليه ولدها (٢)؟ قال : إذا أكذب نفسه جُلد الحدّ ورُدّ عليه ابنه ، ولا ترجع إليه امرأته أبداً» (٣).

﴿ لكن ﴾ لو كان رجوعه بعد لعانهما ﴿ لا يعود الحِلّ ﴾ للرواية ، وللحكم بالتحريم شرعاً ، واعترافه لا يصلح لإزالته. ﴿ ولا يرث الولد ﴾ لما ذُكر ﴿ وإن ورثه الولد ﴾ لأنّ اعترافه إقرار في حقّ نفسه بإرثه منه ، ودعوى ولادته قد انتفت شرعاً ، فيثبت إقراره على نفسه ولا تثبت دعواه على غيره. وكذا لا يرث الولدُ أقرباءَ الأب ولا يرثونه إلّامع تصديقهم على نسبه في قول (٤) لأنّ الإقرار لا يتعدّى المقرّ.

﴿ ولو أكذبت ﴾ المرأة ﴿ نفسها بعد لعانها فكذلك ﴾ لا يعود الفراش ولا يزول التحريم ﴿ ولا حدّ عليها ﴾ بمجرّد إكذابها نفسها؛ لأنّه إقرار بالزنا وهو لا يثبت ﴿ إلّاأن تقرّ أربعاً ﴾ ـ كما سيأتي إن شاء اللّٰه تعالى ـ فإذا أقرّت أربعاً حُدّت ﴿ على خلاف ﴾ في ذلك ، منشؤه ما ذكرناه : من أنّ الإقرار بالزنا أربعاً من الكامل الحرّ المختار يثبت حدّه ، ومن سقوطه بلعانهما؛ لقوله تعالى : (وَيَدْرَؤُا عَنْهَا اَلْعَذٰابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهٰادٰاتٍ بِاللّٰهِ) الآية (٥) فلا يعود.

__________________

(١) في (ع) و (ف) : الفضل.

(٢) كذا في النسخ ، وفي الوسائل والتهذيبين : ولده.

(٣) الوسائل ١٥ : ٦٠١ ، الباب ٦ من أبواب اللعان ، الحديث ٦.

(٤) قال العلّامة في القواعد ٣ : ٣٨٢ : ولو قيل يرثهم إن اعترفوا به وكذّبوا الأب في اللعان ويرثونه كان وجهاً.

(٥) النور : ٨.