درس الروضة البهیة (فقه ۵) (الطلاق - الغصب)

جلسه ۶۳: کتاب الاقرار ۹: تعقیب اقرار بما ینافیه ۱

 

﴿ الفصل * الثاني ﴾

﴿ في تعقيب الإقرار بما ينافيه ﴾

وهو قسمان : مقبول ومردود ﴿ والمقبول منه الاستثناء إذا لم يستوعب ﴾ المستثنى منه ، سواء بقي أقلّ ممّا اُخرج أم أكثر أم مساوٍ؛ لأنّ المستثنى والمستثنى منه كالشيء الواحد فلا يتفاوت الحال بكثرته وقلّته ، ولوقوعه في القرآن (١) وغيره من اللفظ الفصيح العربي.

﴿ و ﴾ إنّما يصحّ الاستثناء إذا ﴿ اتّصل ﴾ بالمستثنى منه ﴿ بما جرت به العادة ﴾ فيغتفر التنفّس بينهما والسعال وغيرهما ممّا لا يعدّ منفصلاً عرفاً.

ولمّا كان الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل في اللفظ كان المستثنى والمستثنى منه متناقضين ﴿ فمن الإثبات نفي ، ومن النفي إثبات ﴾ أمّا الأوّل : فعليه إجماع العلماء (٢) وأمّا الثاني : فلأنّه لولاه لم يكن «لا إله إلّااللّٰه» يتمّ به

__________________

(*) لم يرد في (ق) ، وهكذا في (ع) و (ف) من الشرح.

(١) كما في الآية ٤٢ من سورة الحجر (إِنَّ عِبٰادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطٰانٌ إِلاّٰ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ اَلْغٰاوِينَ).

(٢) اُنظر الإحكام في اُصول الأحكام للآمدي ٢ : ٥١٢ ـ ٥١٣ ، والتذكرة (الحجريّة) ٢ : ١٦٣ ، وجامع المقاصد ٩ : ٢٩٦.

التوحيد؛ لأنّه لا يتمّ إلّابإثبات الإلهيّة [للّٰه‌تعالى] (١) ونفيها عمّا عداه تعالى ، والنفي هنا حاصل ، فلو لم يحصل الإثبات لم يتمّ التوحيد.

وعلى ما ذكر من القواعد ﴿ فلو قال : له عليّ مئة إلّاتسعين فهو إقرار بعشرة ﴾ لأنّ المستثنى منه إثبات للمئة ، والمستثنى نفي للتسعين منها ، فبقي عشرة.

﴿ ولو قال : إلّاتسعون ﴾ بالرفع ﴿ فهو إقرار بمئة ﴾ لأنّه لم يستثن منها شيئاً؛ لأنّ الاستثناء من الموجب التامّ لا يكون إلّامنصوباً ، فلمّا رفعه لم يكن استثناءً وإنّما «إلّا» فيه بمنزلة «غير» يوصف بها وبتاليها ما قبلها ، ولمّا كانت المئة مرفوعة بالابتداء كانت التسعون مرفوعة صفة للمرفوع ، والمعنى : له [عليّ] (٢) مئة موصوفة بأنّها غير تسعين ، فقد وصف المُقَرّ به ولم يستثن منه شيئاً ، وهذه الصفة مؤكّدة صالحة للإسقاط؛ إذ كلّ مئة فهي موصوفة بذلك ، مثلها في «نفخة واحدة».

واعلم أنّ المشهور بين النحاة في «إلّاالوصفيّة» كونها وصفاً لجمع منكّر كقوله تعالى : (لَوْ كٰانَ فِيهِمٰا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللّٰهُ لَفَسَدَتٰا) (٣) والمئة ليست من هذا الباب. لكن الذي اختاره جماعة من المتأخّرين عدم اشتراط ذلك (٤) ونقل في المغني عن سيبويه جواز «لو كان معنا رجل إلّازيد لغلبنا» (٥) أي غير زيد.

﴿ ولو قال : ليس له عليَّ مئة إلّاتسعون فهو إقرار بتسعين ﴾ لأنّ

__________________

(١) و (٢) لم يرد في المخطوطات.

(٣) الأنبياء : ٢٢.

(٤) مثل المحقّق الثاني في جامع المقاصد ٩ : ٣١٠.

(٥) مغني اللبيب ١ : ١٠٠.

المستثنى من المنفيّ (١) التامّ يكون مرفوعاً ، فلمّا رفع التسعين عُلم أنّه استثناء من المنفيّ (٢) فيكون إثباتاً للتسعين بعد نفي المئة ﴿ ولو قال : إلّاتسعين ﴾ بالياء ﴿ فليس مقرّاً ﴾ لأنّ نصب المستثنى دليل على كون المستثنى منه موجباً ، ولمّا كان ظاهره النفي حمل على أنّ حرف النفي داخل على الجملة المثبتة المشتملة على الاستثناء أعني مجموع المستثنى والمستثنى منه وهي (٣) «له [عليّ] (٤) مئة إلّاتسعين» فكأنّه قال : «المقدار الذي هو مئة إلّاتسعين ليس له عليّ» أعني (٥) العشرة الباقية بعد الاستثناء. كذا قرّره المصنّف في شرح الإرشاد على نظير العبارة (٦) وغيرُه (٧).

وفيه نظر؛ لأنّ ذلك لا يتمّ إلّامع امتناع النصب على تقدير كون المستثنى منه منفيّاً تامّاً ، لكن النصب جائز حينئذٍ اتّفاقاً وإن لم يبلغ رتبة الرفع. قال ابن هشام : النصب عربيّ جيّد (٨) وقد قُرئ به في السبع (٩) (مٰا فَعَلُوهُ إِلاّٰ قَلِيلٌ) (١٠)

__________________

(١) و (٢) في (ف) و (ش) : النفي.

(٣) في (ع) : وهو.

(٤) لم يرد في المخطوطات.

(٥) في (ر) : يعني.

(٦) غاية المراد ٢ : ٢٧٦.

(٧) مثل الصيمري في غاية المرام ٣ : ٤٣٧ ، والمحقّق الثاني في جامع المقاصد ٩ : ٣١٠.

(٨) لم نعثر على العبارة بعينها. نعم ، يوجد فيه ما يفيد هذا المعنى. اُنظر مغني اللبيب ١ : ١٠٠ ـ ١٠١ و ٢١٠ و ٢ : ٧١٥.

(٩) أي القراءات السبع.

(١٠) النساء : ٦٦.

(وَلاٰ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ) (١).

فالأولى في توجيه عدم لزوم شيء في المسألة أن يقال على تقدير النصب : يُحتمل كونُه على الاستثناء من المنفيّ ، فيكون إقراراً بتسعين. وكونُه من المثبت ، والنفي موجَّه إلى مجموع الجملة ، فلا يكون إقراراً بشيء فلا يلزمه شيء؛ لقيام الاحتمال واشتراك مدلول اللفظ لغة. مع أنّ حمله على المعنى الثاني مع جواز الأوّل خلاف الظاهر ، والمتبادر من صيغ الاستثناء هو الأوّل وخلافه يحتاج إلى تكلّف لا يتبادر من الإطلاق ، وهو قرينة ترجيح أحد المعنيين المشتركين ، إلّا أنّ فتواهم المنضمّ إلى أصالة البراءة وقيام الاحتمال في الجملة يعيّن المصير إلى ما قالوه.

﴿ ولو تعدّد الاستثناء وكان بعاطف ﴾ كقوله : «له عليَّ عشرة إلّاأربعة وإلّا ثلاثة» ﴿ أو كان ﴾ الاستثناء ﴿ الثاني أزيد من الأوّل ﴾ كقوله : «له عليَّ عشرة إلّا أربعة إلّاخمسة» ﴿ أو مساوياً له ﴾ كقوله في المثال : «إلّاأربعة إلّاأربعة» ﴿ رجعا جميعاً إلى المستثنى منه ﴾.

أمّا مع العطف : فلوجوب اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم ، فهما كالجملة الواحدة ، ولا فرق بين تكرّر حرف الاستثناء وعدمه ، ولا بين زيادة الثاني على الأوّل ومساواته له ونقصانه عنه.

وأمّا مع زيادة الثاني على الأوّل أو (٢) مساواته : فلاستلزام عوده إلى الأقرب الاستغراق وهو باطل ، فيصان كلامه عن الهذر بعودهما معاً إلى المستثنى منه.

__________________

(١) هود : ٨١.

(٢) في مصحّحة (ع) : و.