درس الروضة البهیة (فقه ۶) (اللقطة - الدیات)

جلسه ۲۳۷: کتاب الدیات ۲۳: تقدیرات ۹

 

 ﴿ الثاني: في العاقلة ﴾

التي تحمل دية الخطأ، سُمّيت بذلك إمّا من العقل وهو الشدّ، ومنه سُمّي الحبل عقالاً؛ لأنّها تعقل الإبل بفناء وليّ المقتول المستحقّ للدية. أو لتحمّلهم العقل وهو الدية، وسمّيت الدية بذلك؛ لأنّها تعقل لسان وليّ المقتول. أو من العقل وهو المنع؛ لأنّ العشيرة كانت تمنع القاتل بالسيف في الجاهليّة ثمّ منعت عنه في الإسلام بالمال.

﴿ وهم: من تقرّب ﴾ إلى القاتل ﴿ بالأب ﴾ كالإخوة والأعمام وأولادهما ﴿ وإن لم يكونوا وارثين في الحال ﴾.

وقيل: من يرث دية القاتل لو قُتل ولا يلزم من لا يرث شيئاً مطلقاً (١).

وقيل: هم المستحقّون لميراث القاتل من الرجال العقلاء من قبل أبيه واُمّه فإن تساوت القرابتان كإخوة الأب وإخوة الاُمّ كان على إخوة الأب الثلثان وعلى إخوة الاُمّ الثلث (٢).

وما اختاره المصنّف هو الأشهر بين المتأخّرين. ومستند الأقوال غير نقيّ.

﴿ ولا تعقل المرأة والصبيّ والمجنون والفقير عند ﴾ استحقاق ﴿ المطالبة ﴾ وهو حلول أجل الدية وإن كان غنيّاً أو عاقلاً وقت الجناية، وإن ورثوا جميعاً من الدية.

﴿ ويدخل ﴾ في العقل ﴿ العمودان ﴾: الآباء والأولاد وإن علوا أو سفلوا؛ لأنّهم أخصّ القوم وأقربهم، ولرواية سلمة بن كهيل عن أمير المؤمنين عليه‌السلام في

__________________

(١) ولو كان من الرجال وممّن تقرّب بالأب. قاله الشيخ في النهاية: ٧٣٧.

(٢) حكاه العلّامة عن ابن الجنيد في المختلف ٩: ٢٩٠.

القاتل الموصلي حيث كتب إلى عامله يسأل عن قرابة فلان من المسلمين « فإن كان ثَمَّ رجل يرثه بسهم في الكتاب لا يحجبه عن ميراثه أحد من قرابته فألزمه الدية في ثلاث سنين... الحديث » (١) وفي « سلمة » ضعف (٢) والأولويّة هنا ممنوعة؛ لأنّه حكم مخالف للأصل. والمشهور عدم دخولهم فيه؛ لأصالة البراءة، وقد روي أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فرض دية امرأة قتلتها اُخرى على عاقلتها وبرّأ الزوج والولد (٣).

﴿ ومع عدم القرابة ﴾ الذي يُحكم بدخوله ﴿ فالمعتق ﴾ للجاني، فإن لم يكن فعصابته (٤) ثمّ معتق المعتق ثمّ عصابته (٥) ثمّ معتق أبي المعتق ثمّ عصابته (٦) كترتيب الميراث. ولا يدخل ابن المعتق وأبوه وإن علا أو سفل على الخلاف (٧) ولو تعدّد المعتق اشتركوا في العقل كالإرث.

﴿ ثمّ ﴾ مع عدمهم أجمع فعلى ﴿ ضامن الجريرة ﴾ إن كان هناك ضامن ﴿ ثمّ ﴾ مع عدمه أو فقره فالضامن ﴿ الإمام ﴾ من بيت المال.

﴿ ولا تعقل العاقلة عمداً ﴾ محضاً ولا شبيهاً به، وإنّما تعقل الخطأ المحض.

﴿ و ﴾ كذا ﴿ لا ﴾ تعقل ﴿ بهيمة ﴾ إذا جنت على إنسان (٨) وإن كانت جنايتها مضمونة على المالك على تقدير تفريطه.

وكذا لا تعقل العصبة قتل البهيمة، بل هي كسائر ما يتلفه من الأموال.

﴿ ولا جناية العبد ﴾ بمعنى أنّ العبد لو قتل إنساناً خطأً أو جنى عليه

__________________

(١) الوسائل ١٩: ٣٠٠ ـ ٣٠١، الباب ٢ من أبواب العاقلة، الحديث الأوّل.

(٢) فإنّ سلمة بن كهيل بتريّ مذموم، راجع المسالك ١٥: ٥١٠.

(٣) المستدرك ١٨: ٤١٩، الباب ١٠ من أبواب العاقلة، الحديث ٤.

(٤) في سوى ( ع ): عصباته.

(٥) في سوى ( ع ): عصباته.

(٦) في سوى ( ع ): عصباته.

(٧) الخلاف المتقدّم في العمودين.

(٨) في ( ع ): الإنسان.

لا تعقل عاقلته جنايته، بل تتعلّق برقبته كما سلف (١).

﴿ وتعقل الجناية عليه ﴾ أي تعقل عاقلةُ الحرّ الجاني على العبد خطأً جنايتَه عليه. كما تعقل جنايتَه على الحرّ؛ لعموم ضمان العاقلة الجناية على الآدمي.

وقيل: لا تضمن العاقلة الجناية عليه أيضاً، بل إنّما تعقل الديات والمأخوذ عن العبد قيمة لا دية كسائر قِيَم الأموال المتلفة (٢) وبه قطع في التحرير في باب العاقلة (٣) وجعله تفسيراً لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله: « لا تعقل العاقلة عبداً » (٤) والأجود الأوّل وعليه نُزّل الحديث وبه جزم في أوّل الديات منه (٥) أيضاً كغيره من كتبه (٦).

وبالجملة، فإنّما تعقل العاقلة إتلاف الحرّ الآدمي مطلقاً إن كان المتلِف صغيراً أو مجنوناً، أو خطأً إن كان مكلّفاً، لا غيره من الأموال وإن كان حيواناً.

وشمل إطلاق المصنّف ضمانَ العاقلة ديةَ الموضحة فما فوقها وما دونها.

وهو في الأوّل محلّ وفاق، وفي الثاني خلاف، منشؤه: عمومُ الأدلّة على تحمّلها للدية من غير تفصيل (٧) وخصوصُ قول الباقر عليه‌السلام في موثَّقة أبي مريم الأنصاري قال: « قضى أمير المؤمنين عليه‌السلام: أنّه لا يحمل على العاقلة إلّا الموضحة

__________________

(١) في كتاب القصاص في الصفحة ٤١٥.

(٢) حكاه العلّامة عن ابن الجنيد في المختلف ٩: ٤٤١ وحسّنه.

(٣) التحرير ٥: ٦٤١ ـ ٦٤٢.

(٤) المستدرك ١٨: ٤١٦، الباب ٣ من أبواب العاقلة، الحديث ٦، وسنن أبي داود ٨: ٤٥٧٥ ـ ٤٥٧٦.

(٥) التحرير ٥: ٥٦٩.

(٦) القواعد ٣: ٧١١.

(٧) المستدرك ١٨: ٤١٩، الباب ١٠ من أبواب العاقلة، الحديث ٣.

فصاعداً » (١) مؤيَّداً بأصالة البراءة من الحكم المخالف للأصل. وهذا هو الأشهر.

﴿ وعاقلة الذمّي نفسه ﴾ دون عصبته وإن كانوا كفّاراً ﴿ ومع عجزه ﴾ عن الدية ﴿ فالإمام ﴾ عاقلته؛ لأنّه يؤدّي الجزية إليه كما يؤدّي المملوك الضريبة إلى مولاه، فكان بمنزلته وإن خالفه في كون مولى العبد لا يعقل جنايته؛ لأنّه ليس مملوكاً محضاً، كذا علّلوه (٢) وفيه نظر.

﴿ وتُقسَّط ﴾ الدية على العاقلة ﴿ بحسب ما يراه الإمام ﴾ من حالتهم في الغنا والفقر؛ لعدم ثبوت تقديره شرعاً فيرجع إلى نظره.

﴿ وقيل ﴾ والقائل الشيخ في أحد قوليه (٣) وجماعة (٤): ﴿ على الغنيّ نصف دينار، وعلى الفقير ربعه ﴾ لأصالة براءة الذمّة من الزائد على ذلك.

والمرجع فيهما إلى العرف؛ لعدم تحديدهما شرعاً. والأوّل أجود.

﴿ والأقرب الترتيب في التوزيع ﴾ فيأخذ من أقرب الطبقات أوّلاً، فإن لم يحتمل تخطّى إلى البعيدة، ثمّ الأبعد، وهكذا ينتقل مع الحاجة إلى المولى، ثمّ إلى عصبته، ثمّ إلى مولى المولى، ثمّ إلى الإمام.

__________________

(١) الوسائل ١٩: ٣٠٣ ـ ٣٠٤، الباب ٥ من أبواب العاقلة، الحديث الأوّل.

(٢) القواعد ٣: ٧٠٨، والتحرير ٥: ٦٤١.

(٣) قاله الشيخ في المبسوط ٧: ١٧٤ و ١٧٨، وعبّر عن الفقير هنا بالمتجمّل ( والمتجمّل: الذي صبر على الدهر ولم يظهر على نفسه الذُلّ، أو لزم الحياء ولم يجزع جزعاً قبيحاً ) وفي الخلاف ٥: ٢٨٢، المسألة ١٠٥، عبّر عنه بالمتوسّط والمراد بهما الفقير، راجع غاية المراد ٤: ٤٨٨.

(٤) منهم القاضي في المهذّب ٢: ٥٠٤، وعبّر بدل الفقير: إن لم يكن موسراً، والعلّامة في القواعد ٣: ٧١١، والإرشاد ٢: ٢٣٠.