درس الروضة البهیة (فقه ۶) (اللقطة - الدیات)

جلسه ۳: کتاب اللقطة ۳: لقیط ۳

 

لم يأتمنه على ماله، فعلى الطفل وماله أولى بالمنع، ولأنّ الالتقاط ائتمان شرعيّ والشرع لم يأتمنه (١).

وفيه نظر؛ لأنّ الشارع إنّما لم يأتمنه على المال، لا على غيره، بل جوّز تصرّفه في غيره مطلقاً وعلى تقدير أن يوجد معه مال يمكن الجمع بين القاعدتين الشرعيّتين، وهما: عدم استئمان المبذّر على المال، وتأهيله لغيره من التصرّفات التي من جملتها الالتقاط والحضانة، فيؤخذ المال منه خاصّة.

نعم، لو قيل: إنّ صحّة التقاطه يستلزم وجوب إنفاقه، وهو ممتنع من المبذّر؛ لاستلزامه التصرّف المالي، وجعل التصرّف فيه لآخر يستدعي الضرر على الطفل بتوزيع اُموره، أمكن إن تحقّق الضرر بذلك، وإلّا فالقول بالجواز أجود.

﴿ وحرّيّته ﴾ فلا عبرة بالتقاط العبد ﴿ إلّا بإذن السيّد ﴾ لأنّ منافعه له، وحقّه مضيّق، فلا يتفرّغ للحضانة. أمّا لو أذن له فيه ابتداءً أو أقرّه عليه بعد وضع يده جاز، وكان السيّد في الحقيقة هو الملتقط والعبد نائبه، ثمّ لا يجوز للسيّد الرجوع فيه.

ولا فرق بين القِنّ والمكاتب والمدبّر ومن تحرّر بعضه واُمّ الولد، لعدم جواز تبرّع واحد منهم بماله ولا منافعه إلّا بإذن السيّد. ولا يدفع ذلك مهاياة المبعَّض وإن وفى زمانُه المختصّ بالحضانة؛ لعدم لزومها، فجاز تطرّق المانع كلَّ وقت.

نعم، لو لم يوجد للقيط كافل غير العبد وخيف عليه التلف بالإبقاء فقد قال المصنّف في الدروس: إنّه يجب حينئذٍ على العبد التقاطه بدون إذن المولى (٢) وهذا في الحقيقة لا يوجب إلحاق حكم اللقطة، وإنّما دلّت الضرورة على الوجوب من

__________________

(١) الدروس ٣: ٧٦.

(٢) الدروس ٣: ٧٥.

حيث إنقاذ النفس المحترمة من الهلاك، فإذا وُجِدَ من له أهليّة الالتقاط وجب عليه انتزاعه منه وسيّده من الجملة؛ لانتفاء أهليّة العبد له.

﴿ وإسلامه إن كان اللقيط محكوماً بإسلامه ﴾ لانتفاء السبيل للكافر على المسلم، ولأنّه لا يؤمن أن يفتنه عن دينه، فإن التقطه الكافر لم يُقرَّ في يده. ولو كان اللقيط محكوماً بكفره جاز التقاطه للمسلم وللكافر؛ لقوله تعالى: (وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ) (١).

﴿ قيل ﴾ والقائل الشيخ (٢) والعلّامة في غير التحرير (٣): ﴿ وعدالته ﴾ لافتقار الالتقاط إلى الحضانة وهي استئمان لا يليق بالفاسق، ولأنّه لا يؤمن أن يسترقّه ويأخذ ماله.

والأكثر على العدم (٤) للأصل، ولأنّ المسلم محلّ الأمانة، مع أنّه ليس استئماناً حقيقيّاً، ولانتقاضه بالتقاط الكافر مثلَه؛ لجوازه بغير خلاف.

وهذا هو الأقوى، وإن كان اعتبارها أحوط. نعم لو كان له مال فقد قيل باشتراطها؛ لأنّ الخيانة في المال أمر راجح الوقوع (٥).

ويشكل بإمكان الجمع بانتزاع الحاكم [ماله] (٦) منه كالمبذّر. وأولى

__________________

(١) الأنفال: ٧٣.

(٢) المبسوط ٣: ٣٤٠.

(٣) القواعد ٢: ٢٠١، والإرشاد ١: ٤٤٠.

(٤) منهم المحقّق في الشرائع ٣: ٢٨٤، وتلميذه في كشف الرموز ونفى عنه الخلاف، واستقربه الشهيد في الدروس ٣: ٧٥ ـ ٧٦.

(٥) قوّاه المحقّق الثاني في جامع المقاصد ٦: ١٠٨.

(٦) في المخطوطات: له.

بالجواز التقاط المستور (١) والحكم بوجوب نصب الحاكم (٢) مراقباً عليه لا يعلم به إلى أن تحصل الثقة به أو ضدّها فينتزع منه، بعيد.

﴿ وقيل ﴾: يعتبر أيضاً ﴿ حضره (٣) فينتزع من البدوي ومن مريد السفر به ﴾ لأداء التقاطهما له إلى ضياع نسبه بانتقالهما عن محلّ ضياعه الذي هو مظنّة ظهوره.

ويضعَّف بعدم لزوم ذلك مطلقاً، بل جاز العكس، وأصالة عدم الاشتراط تدفعه، فالقول بعدمه أوضح.

وحكايته اشتراط هذين قولاً يدلّ على تمريضه، وقد حكم في الدروس بعدمه (٤) ولو لم يوجد غيرهما لم ينتزع قطعاً، وكذا لو وُجد مثلهما.

والواجب على الملتقط حضانته بالمعروف، وهو تعهّده والقيام بضرورة تربيته بنفسه أو بغيره ولا يجب عليه الإنفاق عليه من ماله ابتداءً، بل من مال اللقيط الذي وجد تحت يده، أو الموقوف على أمثاله، أو الموصى به لهم بإذن الحاكم مع إمكانه، وإلّا أنفق بنفسه ولا ضمان.

﴿ و ﴾ مع تعذّره ﴿ ينفق عليه من بيت المال ﴾ برفع الأمر إلى الإمام؛ لأنّه معدّ للمصالح وهو من جملتها ﴿ أو الزكاة ﴾ من سهم الفقراء والمساكين، أو سهم سبيل اللّٰه إن اعتبرنا البسط، وإلّا فمنها مطلقاً. ولا يترتّب أحدهما على الآخر.

__________________

(١) من لا يُعلم عدالته ولا فسقه.

(٢) هذا الحكم اختاره العلّامة في التذكرة [ ٢: ٢٧٠ الحجريّة ] مع اشتراط العدالة، ويضعّف بأنّ تمكّنه من المال مع عدم الشرط غير جائز. ( منه رحمه‌الله ).

(٣) قاله الشيخ في المبسوط ٣: ٣٤٠ ـ ٣٤١.

(٤) الدروس ٣: ٧٦.