درس الروضة البهیة (فقه ۶) (اللقطة - الدیات)

جلسه ۲۸: کتاب احیاء الموات ۸: فی المشترکات ۱

 

 ﴿ القول في المشتركات ﴾

بين الناس في الجملة وإن كان بعضها مختصّاً بفريق خاصّ.

وهي أنواع ترجع اُصولها إلى ثلاثة: الماء، والمعدن، والمنافع. والمنافع ستّة منافع: المساجد، والمشاهد، والمدارس، والرُبُط، والطُرُق، ومقاعد الأسواق. وقد أشار إليها المصنّف في خمسة أقسام.

﴿ فمنها: المسجد ﴾ وفي معناه المشهد.

﴿ فمن سبق إلى مكان ﴾ منه ﴿ فهو أولى به ﴾ ما دام باقياً فيه ﴿ فلو فارق ﴾ ولو لحاجة كتجديد طهارة وإزالة نجاسة ﴿ بطل حقّه ﴾ وإن كان ناوياً للعود ﴿ إلّا أن يكون رحله ﴾ وهو شيء من أمتعته ولو سُبحته وما يشدّ به وسطه وخفّه ﴿ باقياً ﴾ في الموضع ﴿ و ﴾ مع ذلك ﴿ ينوي العود ﴾ فلو فارق لا بنيّته سقط حقّه وإن كان رحله باقياً.

وهذا الشرط لم يذكره كثير. وهو حسن؛ لأنّ الجلوس يفيد أولويّة، فإذا فارق بنيّة رفع الأولويّة سقط حقّه منها. والرحل لا مدخل له في الاستحقاق بمجرّده. مع احتماله؛ لإطلاق النصّ (١) والفتوى (٢) وإنّما تظهر الفائدة على الأوّل (٣)

__________________

(١) اُنظر الوسائل ٣: ٢٤٢، الباب ٥٦ من أبواب أحكام المساجد، وورد عن طُرق العامّة بلفظ « إذا قام الرجل من مجلسه ثمّ عاد إليه فهو أحقّ به»، اُنظر سنن البيهقي ٦: ١٥١.

(٢) كما في المبسوط ٣: ٢٧٦، والإرشاد ١: ٣٥٠، والدروس ٣: ٦٩.

(٣) أي على اعتبار نيّة العود مع بقاء الرحل. ( هامش ر ).

لو كان رحله لا يشغل من المسجد مقدارَ حاجته في الجلوس والصلاة؛ لأنّ ذلك هو المستثنى على تقدير الأولويّة، فلو كان كبيراً يسع ذلك، فالحقّ باقٍ من حيث عدم جواز رفعه بغير إذن مالكه، وكونه في موضع مشترك كالمباح. مع احتمال سقوط حقّه مطلقاً على ذلك التقدير، فيصحّ رفعه لأجل غيره، حذراً من تعطيل بعض المسجد ممّن لا حقّ له.

ثمّ على تقدير الجواز هل يضمن الرحلَ رافعُه ؟ يحتمله؛ لصدق التصرّف وعدم المنافاة بين جواز رفعه والضمان، جمعاً بين الحقّين، ولعموم « على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي » (١) وعدمه؛ لأنّه لا حقّ له، فيكون تفريغه منه بمنزلة رفعه من ملكه. ولم أجد في هذه الوجوه كلاماً يعتدّ به.

وعلى تقدير بقاء الحقّ لبقائه أو بقاء رحله فأزعجه مزعج، فلا شبهة في إثمه. وهل يصير أولى منه بعد ذلك ؟ يحتمله؛ لسقوط حقّ الأوّل بالمفارقة، وعدمه؛ للنهي، فلا يترتّب عليه حقّ.

والوجهان آتيان في رفع كلّ أولويّة، وقد ذكر جماعة من الأصحاب:

أنّ حقّ أولويّة التحجير لا يسقط بتغلّب غيره (٢) ويتفرّع على ذلك صحّة صلاة الثاني وعدمها.

واشترط المصنّف في الذكرى في بقاء حقّه مع بقاء الرحل أن لا يطول المكث (٣) وفي التذكرة استقرب بقاء الحقّ مع المفارقة لعذر، كإجابة داعٍ

__________________

(١) المستدرك ١٧: ٨٨، الباب الأوّل من كتاب الغصب، الحديث ٣.

(٢) منهم الشيخ في المبسوط ٣: ٢٧٣، والقاضي في المهذّب ٢: ٣٢، والمحقّق في الشرائع ٣: ٢٧٥، والعلّامة في القواعد ٢: ٢٦٩، والتحرير ٤: ٤٨٦، ذيل الرقم ٦٠٩٧.

(٣) الذكرى ٤: ١٥٥.

وتجديد وضوء وقضاء حاجة وإن لم يكن له رحل (١).

﴿ ولو استبق اثنان ﴾ دفعةً إلى مكان واحد ﴿ ولم يمكن الجمع ﴾ بينهما ﴿ اُقرع ﴾ لانحصار الأولويّة فيهما وعدم إمكان الجمع فهو لأحدهما؛ إذ منعهما معاً باطل، والقرعة لكلّ أمر مشكل. مع احتمال العدم؛ لأنّ القرعة لتبيين المجهول عندنا المعيّن في نفس الأمر، وليس كذلك هنا.

وقد تقدّم (٢) أنّ الحكم بالقرعة غير منحصر في ما ذكر، وعموم الخبر يدفعه، والرجوع إليها هنا هو الوجه.

ولا فرق في ذلك كلّه بين المعتاد لبقعة معيّنة وغيره وإن كان اعتياده لدرس وإمامة. ولا بين المفارق في أثناء الصلاة وغيره؛ للعموم.

واستقرب المصنّف في الدروس بقاء أولويّة المفارق في أثنائها اضطراراً، إلّا أن يجد مكاناً مساوياً للأوّل أو أولى منه، محتجّاً بأنّها صلاة واحدة فلا يمنع من إتمامها (٣). ولا يخفى ما فيه.

﴿ ومنها: المدرسة والرباط ﴾.

﴿ فمن سكن بيتاً ﴾ منهما أو أقام بمكان مخصوص ﴿ ممّن له السكنى ﴾ بأن يكون متّصفاً بالوصف المعتبر في الاستحقاق، إمّا في أصله بأن يكون مشتغلاً بالعلم في المدرسة، أو بحسب الشرط بأن تكون موقوفة على قبيلة مخصوصة أو نوع من العلم أو المذاهب، ويتّصف الساكن به ﴿ فهو أحقّ به وإن تطاولت

__________________

(١) التذكرة ( الحجريّة ) ٢: ٤٠٥.

(٢) تقدّم في الجزء الثالث: ٤٨٣.

(٣) الدروس ٣: ٦٩.