درس الروضة البهیة (فقه ۶) (اللقطة - الدیات)

جلسه ۱۶۰: کتاب الحدود ۳۴: حدّ الشرب ۱

 

 ﴿ الفصل الرابع ﴾
﴿ في الشُرب ﴾

أي شرب المسكر ولا يختصّ عندنا بالخمر، بل يحرم جنس كلّ مسكر. ولا يختصّ التحريم بالقدر المسكر منه ﴿ فما أسكر جنسه ﴾ أي كان الغالب فيه الإسكار وإن لم يُسكر بعضَ الناس لإدمانه أو قلّة ما تناول منه، أو خروج مزاجه عن حدّ الاعتدال ﴿ يحرم ﴾ تناول ﴿ القطرة منه ﴾ فما فوقها.

﴿ وكذا ﴾ يحرم ﴿ الفُقّاع ﴾ وإن لم يُسكر؛ لأنّه عندنا بمنزلة الخمر. وفي بعض الأخبار: « هو خمر مجهول » (١) وفي آخر: « هو خمر استصغره الناس » (٢).

ولا يختصّ التحريم بتناولهما صرفاً، بل يحرمان ﴿ ولو مُزِجا بغيرهما ﴾ وإن استهلكا بالمزج.

﴿ و ﴾ كذا يحرم عندنا ﴿ العصير ﴾ العنبيّ ﴿ إذا غلى ﴾ بأن صار أسفله أعلاه ﴿ واشتدّ ﴾ بأن أخذ في القوام وإن قلّ. ويتحقّق ذلك بمسمّى الغليان إذا كان بالنار.

__________________

(١) الوسائل ١٧: ٢٩٢، الباب ٢٨ من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث ٢.

(٢) نفس المصدر، الحديث الأوّل مع اختلاف يسير.

واعلم أنّ النصوص (١) وفتوى الأصحاب (٢) ومنهم المصنّف في غير هذه العبارة (٣) مصرّحة بأنّ تحريم العصير معلَّق على غليانه من غير اشتراط اشتداده. نعم، من حكم بنجاسته جعل النجاسة مشروطة بالأمرين.

والمصنّف هنا جعل التحريم مشروطاً بهما، ولعلّه بناه (٤) على ما ادّعاه في الذكرى من تلازم الوصفين (٥) وأنّ الاشتداد مسبَّب عن مسمّى الغليان، فيكون قيد الاشتداد هنا مؤكِّداً.

وفيه نظر. والحقّ أنّ تلازمهما مشروط بكون الغليان بالنار كما ذكرناه. أمّا لو غلى وانقلب بنفسه فاشتداده بذلك غير واضح.

وكيف كان، فلا وجه لاشتراط الاشتداد في التحريم، لما ذكرناه من إطلاق النصوص بتعليقه على الغليان. والاشتداد وإن سُلّم ملازمته لا دخل له في سببيّة التحريم.

ويمكن أن تكون النكتة في ذكر المصنّف له اتّفاق القائل بنجاسته على اشتراطه فيها، مع أنّه لا دليل ظاهراً على ذلك مطلقاً كما اعترف به المصنّف في غير هذا الكتاب (٦) إلّا أن يجعلوا الحكم بتحريمه دليلاً على نجاسته.

كما ينجس (٧) العصير لمّا صار خمراً وحرم. وحينئذٍ فتكون نجاسته مع الاشتداد

__________________

(١) الوسائل ١٧: ٢٢٩، الباب ٣ من أبواب الأشربة المحرّمة.

(٢) منهم الشيخ في النهاية: ٥٩١، وابن البرّاج في المهذّب ٢: ٤٣٣، والعلّامة في القواعد ٣: ٣٣١ و ٥٥٠.

(٣) راجع في كتاب الأطعمة والأشربة، الصفحة ١٢٩.

(٤) في ( ر ): بناءً.

(٥) الذكرى ١: ١١٥.

(٦) البيان: ٩١.

(١) في ( ع ) و ( ف ): نجس.

يقتضي الحكم بتحريمه معه؛ لأنّها مرتّبة عليه.

وحيث صرّحوا باعتبار الاشتداد في النجاسة (١) وأطلقوا القول بالتحريم بمجرّد الغليان (٢) لزم أحد الأمرين:

إمّا القول بعدم ترتّب النجاسة على التحريم، أو القول بتلازم الاشتداد والغليان. لكن لمّا لم يظهر للنجاسة دليل سوى التحريم الموجب لظنّ كونه كالخمر وغيره من الربوبات المسكرة لزم اشتراك التحريم والنجاسة في معنى واحد وهو الغليان مع الاشتداد. ولمّا كانا متلازمين ـ كما ادّعاه ـ لم ينافِ تعليق التحريم على الغليان تعليقَه على الاشتداد؛ للتلازم. لكن في التصريح بتعليقه عليهما تنبيه على مأخذ الحكم، وجمع بين ما أطلقوه في التحريم وقيّدوه في النجاسة.

وهذا حسن لو كان صالحاً لدليل النجاسة، إلّا أنّ عدم دلالته أظهر. ولكن المصنّف في البيان (٣) اعترف بأنّه لا دليل على نجاسته إلّا ما دلّ على نجاسة المسكر وإن لم يكن مسكراً، فرتّب بحثَه عليه.

﴿ و ﴾ إنّما يحرم العصير بالغليان إذا ﴿ لم يذهب ثلثاه ﴾ به ﴿ ولا انقلب خَلّاً ﴾ فمتى تحقّق أحدهما حلّ وتبعته الطهارة أيضاً.

أمّا الأوّل: فهو منطوق النصوص (٤).

وأمّا الثاني: فللانقلاب إلى حقيقة اُخرى وهي مُطهِّرة، كما لو انقلب الخمر

__________________

(١) كما صرّح به المحقّق في الشرائع ١: ٥٢، والمعتبر ١: ٤٢٤، والعلامة في القواعد ١: ١٩١، والإرشاد ١: ٢٣٩.

(٢) كالشيخ في النهاية: ٥٩١، والمحقّق في الشرائع ٣: ٢٢٥، والعلّامة في القواعد ٣: ٥٥٠.

(٣) البيان: ٩١.

(٤) الوسائل ١٧: ٢٢٣ ـ ٢٢٨، الباب ٢ من أبواب الأشربة المحرّمة.