درس الروضة البهیة (فقه ۶) (اللقطة - الدیات)

جلسه ۱۶۸: کتاب الحدود ۴۲: حدّ السرقة ۴

 

﴿ ولا من سرق من مال ولده ﴾ وإن نزل.

﴿ وبالعكس ﴾ وهو ما لو سرق الولد من مال والده وإن علا ﴿ أو سرقت الاُمّ ﴾ مال ولدها ﴿ يُقطع ﴾ كلّ منهما؛ لعموم الآية، خرج منه الوالد فيبقى الباقي.

وقال أبو الصلاح رحمه‌الله: لا تُقطع الاُمّ بسرقة مال ولدها كالأب؛ لأنّها أحد الوالدين، ولاشتراكهما في وجوب الإعظام. ونفى عنه في المختلف البأس (١). والأصحّ المشهور.

والجدّ للاُمّ كالاُمّ.

﴿ وكذا ﴾ لا يقطع ﴿ من سرق المأكول المذكور ﴾ في عام المجاعة ﴿ وإن استوفى ﴾ باقي ﴿ الشرائط ﴾ لقول الصادق عليه‌السلام: « لا يُقطع السارق في عام سَنتٍ » (٢) يعني في عام مجاعة. وفي خبر آخر: « كان أمير المؤمنين عليه‌السلام لا يقطع السارق في أيّام المجاعة » (٣) وعن الصادق عليه‌السلام قال: « لا يُقطع السارق في سنة المَحْل (٤) في شيء يُؤكل مثل الخبز واللحم وأشباهه » (٥).

والمطلق في الأوّلين مقيّد بهذا الخبر، وفي الطريق ضعف وإرسال (٦)

__________________

(١) الكافي: ٤١١، والمختلف ٩: ٢٣٣.

(٢) الوسائل ١٨: ٥٢٠، الباب ٢٥ من أبواب حدّ السرقة، الحديث ٢.

(٣) المصدر المتقدّم: الحديث ٣.

(٤) المَحْل: الجَدْب، وهو انقطاع المطر ويبس الأرض.

(٥) المصدر المتقدّم: الحديث الأوّل مع اختلاف يسير.

(٦) قال في المسالك ( ١٤: ٥٠١ ): وفي الروايتين الأخيرتين إرسال مع اشتراك الجميع في الضعف.

لكنّ العمل به مشهور لا رادّ له.

وأطلق المصنّف وغيره (١) الحكم كذلك من غير تقييد بكون السارق مضطرّاً إليه وعدمه، تبعاً لإطلاق النصّ. وربما قيّده بعضهم بكونه مضطرّاً وإلّا قُطع (٢) إذ لا دخل للمجاعة مع غناء السارق. ولا بأس به. نعم لو اشتبه حاله اتّجه عدم القطع أيضاً، عملاً بالعموم. وبهذا يندفع ما قيل: إنّ المضطرّ يجوز له أخذه قهراً في عام المجاعة وغيره (٣) لأنّ المشتبه حاله لا يدخل في الحكم (٤) مع أنّا نمنع من جواز أخذ المضطرّ له قهراً مطلقاً، بل مع عدم إمكان إرضاء مالكه بعوضه كما سبق (٥). وهنا الثابت الحكم بكونه لا يقطع إذا كان مضطرّاً مطلقاً وإن حرم عليه أخذه. فالفرق واضح.

والمراد بالمأكول [ هنا مطلق المأكول ](٦) قوّة أو فعلاً كما ينبّه عليه المثال في الخبر.

﴿ وكذا ﴾ لا يقطع ﴿ العبد ﴾ لو سرق مال سيّده وإن انتفت عنه الشبهة، بل يؤدّب. أمّا لو سرق مال غيره فكالحرّ ﴿ ولو كان العبد من الغنيمة فسرق منها لم يُقطع ﴾ لأنّ فيه زيادة إضرار. نعم، يؤدّب بما يحسم جرأته.

__________________

(١) كالقاضي في المهذّب ٢: ٥٤٥، والمحقّق في الشرائع ٤: ١٧٥، والعلّامة في القواعد ٣: ٥٦١.

(٢) منهم الشيخ في المبسوط ٨: ٣٣ ـ ٣٤.

(٣) لم نعثر عليه.

(٤) يعني المشتبه حالُه في غير عام المجاعة لا يدخل في حكم الاستثناء من عموم ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا... ).

(٥) في الصفحة ١٤٥، كتاب الأطعمة والأشربة.

(٦) لم يرد في المخطوطات.

﴿ وهنا مسائل ﴾

﴿ الاولى ﴾:

﴿ لا فرق بين إخراج ﴾ السارق ﴿ المتاع بنفسه أو بسببه، مثل أن يشدّه بحبل ﴾ ثمّ يجرّ به من خارج الحرز ﴿ أو يضعه على دابّة ﴾ في الحرز ويخرجها به ﴿ أو يأمر غير مميّز ﴾ من صبيّ أو مجنون ﴿ بإخراجه ﴾ فإنّ القطع يتوجّه على الآمر، لا على الصبيّ والمجنون لضعف المباشر في جنب السبب؛ لأنّهما كالآلة (١).

﴿ الثانية ﴾:

﴿ يُقطع الضيف والأجير ﴾ إذا سرقا مال المُضيف أو المستأجر ﴿ مع الإحراز من دونه ﴾ أي دون كلّ منهما على الأشهر.

وقيل: لا يقطعان مطلقاً (٢) استناداً إلى أخبار (٣) ظاهرة في كون المال غير محرز عنهما. فالتفصيل حسن.

نعم، لو أضاف الضيف ضيفاً بغير إذن صاحب المنزل فسرق الثاني قُطِع؛ لأنّه بمنزلة الخارج.

__________________

(١) في ( ر ) زيادة: له.

(٢) قاله الشيخ والصدوق وابن الجنيد على ما نقل عنهم العلّامة، راجع المختلف ٩: ٢٠٥، والمقنع: ٤٤٧، والنهاية: ٧١٧، والفقيه ٤: ٥٦، ذيل الحديث ٥١١٧.

(٣) راجع الوسائل ١٨: ٥٠٥ ـ ٥٠٦، الباب ١٤ من أبواب حدّ السرقة.

﴿ وكذا ﴾ يُقطع ﴿ الزوجان ﴾ أي كلّ منهما بِسرقة مال الآخر مع الإحراز عنه، وإلّا فلا.

﴿ ولو ادّعى السارق الهبة أو الإذن ﴾ له من المالك في الأخذ ﴿ أو الملك حلف المالك ولا قطع ﴾ لتحقّق الشبهة بذلك على الحاكم وإن انتفت عن السارق في نفس الأمر.

﴿ الثالثة ﴾:

﴿ الحرز ﴾ لا تحديد له شرعاً، فيرجع فيه إلى العرف. وضابطه: ﴿ ما كان ممنوعاً بغَلَق أو قُفل ﴾ وما في معناه ﴿ أو دفن في العمران أو كان مراعى ﴾ بالنظر ﴿ على قول (١) ﴾ لقضاء العادة بإحراز كثير من الأموال بذلك. وحكايته قولاً يشعر بتمريضه، كما ذهب إليه جماعة (٢) لقول عليّ عليه‌السلام: « لا يُقطع إلّا من نقب نقباً، أو كسر قفلاً » (٣) وفي طريقه ضعف (٤).

ويمكن أن يقال: لا يتحقّق الحرز بالمراعاة إلّا مع النظر إليه ومع ذلك لا تتحقّق السرقة؛ لما تقدّم (٥) من أنّها لا تكون إلّا سرّاً، ومع غفلته عنه

__________________

(١) وهو قول الشيخ في المبسوط ٨: ٢٤ و ٣٦، وفخر المحقّقين في الإيضاح ٤: ٥٢٩ ونسبه إلى الإسكافي في المختلف ٩: ٢٠١.

(٢) منهم ابن إدريس في السرائر ٣: ٤٨٣، والمحقّق في المختصر: ٢٢٤، والعلّامة في المختلف ٩: ٢٠١.

(٣) الوسائل ١٨: ٥٠٩، الباب ١٨ من أبواب حدّ السرقة، الحديث ٣. وفيه: من نقب بيتاً.

(٤) طريقه عليّ بن إبراهيم عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني. وضعفه بالسكوني، راجع فهارس المسالك ١٦: ٣٠١.

(٥) تقدّم في الصفحة ٣٤١.