درس الروضة البهیة (فقه ۶) (اللقطة - الدیات)

جلسه ۱۸۹: کتاب القصاص ۱: قصاص النفس ۱

 

﴿ كتاب القصاص ﴾

بالكسر، وهو اسم لاستيفاء مثل الجناية: من قتل أو قطع أو ضرب أو جرح. وأصله اقتفاء الأثر، يقال: قصَّ أثرَه إذا تبعه، فكأنّ المقتصّ يتبع أثر الجاني فيفعل مثل فعله.

﴿ وفيه فصول ﴾:

﴿ الأوّل ﴾
﴿
في قصاص النفس ﴾

﴿ وموجبه: إزهاق النفس ﴾ أي إخراجها. قال الجوهري: زهقت نفسه زهوقاً: أي خرجت (١) وهو هنا مجاز في إخراجها عن التعلّق بالبدن؛ إذ ليست داخلة فيه حقيقة كما حقّق في محلّه (٢) ﴿ المعصومة ﴾ التي لا يجوز إتلافها (٣)

__________________

(١) الصحاح ٤: ١٤٩٣، ( زهق ).

(٢) راجع شرحي الإشارات، النمط السابع ٢: ٥٦ ـ ٥٧.

(٣) في ( ع ) و ( ف ): إتلافه.

مأخوذ من العَصْم وهو المنع ﴿ المكافئة ﴾ لنفس المزهق لها في الإسلام والحرّيّة، وغيرهما من الاعتبارات الآتية ﴿ عمداً ﴾ قيد في الإزهاق أي إزهاقها في حالة العمد، وسيأتي تفسيره ﴿ عدواناً ﴾ احترز به عن نحو المقتول قصاصاً، فإنّه يصدق عليه التعريف. لكن لا عدوان فيه، فخرج به. ويمكن إخراجه بقيد « المعصومة » فإنّ غير المعصوم أعمّ من كونه بالأصل كالحربي، والعارض كالقاتل على وجهٍ يوجب القصاص.

ولكنّه أراد بـ « المعصومة »: ما لا يباح إزهاقها للكلّ، وبالقيد الأخير إخراج ما يباح قتله بالنسبة إلى شخص دون آخر، فإنّ القاتل معصوم بالنسبة إلى غير وليّ القصاص.

ويمكن أن يريد بالعدوان: إخراج فعل الصبيّ والمجنون، فإنّ قتلهما للنفس المعصومة المكافئة لا يوجب عليهما القصاص؛ لأنّه لا يُعدّ عدواناً، لعدم التكليف وإن استحقّا التأديب حسماً للجرأة، فإنّ العدوان هنا بمعنى الظلم المحرَّم وهو منفيّ عنهما.

ومن لاحظ في العدوان المعنى السابق احتاج في إخراجهما إلى قيد آخر فقال: هو إزهاق البالغ العاقل النفس المعصومة....

ويمكن إخراجهما بقيد العمد، لما سيأتي من تفسيره بأنّه قصد البالغ... وهو أوفق بالعبارة.

﴿ فلا قَوَد بقتل المرتدّ ﴾ ونحوه من الكفّار الذين لا عصمة لنفوسهم.

والقود ـ بفتح الواو ـ: القصاص سُمّي قوداً؛ لأنّهم يقودون الجاني بحبل وغيره، قاله الأزهري (١) ﴿ ولا بقتل غير المكافئ ﴾ كالعبد بالنسبة إلى الحرّ.

__________________

(١) تهذيب اللغة ٩: ٢٤٧، وفيه: القود: الحبل الذي تقاد به الدابّة.

وإزهاق نفس الدابّة المحترمة بغير إذن المالك وإن كان محرَّماً، إلّا أنّه يمكن إخراجه بالمعصومة حيث يراد بها: ما لا يجوز إتلافه مطلقاً، ولو اُريد بها: ما لا يجوز إتلافه لشخص دون آخر ـ كما تقدّم ـ خرجت بالمكافئة.

وخرج بقيد « العمد » القتل خطأً وشبهه فإنّه لا قصاص فيهما.

﴿ والعمد يحصل بقصد البالغ إلى القتل بما يقتل غالباً ﴾ وينبغي قيد « العاقل » أيضاً؛ لأنّ عمد المجنون خطأ كالصبيّ، بل هو أولى بعدم القصد من الصبي المميّز. وبعض الأصحاب جعل العمد هو القصد إلى القتل... (١) من غير اعتبار القيدين نظراً إلى إمكان قصدهما الفعل، فاحتاج إلى تقييد ما يوجب القصاص بإزهاق البالغ العاقل، كما مرّ.

﴿ قيل: أو ﴾ يقتل ﴿ نادراً ﴾ (٢) إذا اتّفق به القتل، نظراً إلى أنّ العمد يتحقّق بقصد القتل من غير نظر إلى الآلة، فيدخل في عموم أدلّة العمد (٣) وهذا أقوى.

﴿ وإذا لم يقصد القتل بالنادر ﴾ أي بما يقع القتل به نادراً ﴿ فلا قَوَد وإن اتّفق الموت كالضرب بالعود الخفيف أو العصا ﴾ الخفيفة في غير مقتل بغير قصد القتل؛ لانتفاء القصد إلى القتل وانتفاء القتل بذلك عادة، فيكون القتل شبيه الخطأ.

__________________

(١) هو المحقّق في المختصر النافع: ٢٩٢.

(٢) قاله المحقّق في الشرائع ٤: ١٩٥، والعلّامة في القواعد ٣: ٥٨٢.

(٣) مثل الآية الشريفة: ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ) النساء: ٩٣، وما في الوسائل ١٩: ٢٣ ـ ٢٨، الباب ١١ من أبواب القصاص في النفس.