درس الروضة البهیة (فقه ۶) (اللقطة - الدیات)

جلسه ۱۹۰: کتاب القصاص ۲: قصاص النفس ۲

 

وإزهاق نفس الدابّة المحترمة بغير إذن المالك وإن كان محرَّماً، إلّا أنّه يمكن إخراجه بالمعصومة حيث يراد بها: ما لا يجوز إتلافه مطلقاً، ولو اُريد بها: ما لا يجوز إتلافه لشخص دون آخر ـ كما تقدّم ـ خرجت بالمكافئة.

وخرج بقيد « العمد » القتل خطأً وشبهه فإنّه لا قصاص فيهما.

﴿ والعمد يحصل بقصد البالغ إلى القتل بما يقتل غالباً ﴾ وينبغي قيد « العاقل » أيضاً؛ لأنّ عمد المجنون خطأ كالصبيّ، بل هو أولى بعدم القصد من الصبي المميّز. وبعض الأصحاب جعل العمد هو القصد إلى القتل... (١) من غير اعتبار القيدين نظراً إلى إمكان قصدهما الفعل، فاحتاج إلى تقييد ما يوجب القصاص بإزهاق البالغ العاقل، كما مرّ.

﴿ قيل: أو ﴾ يقتل ﴿ نادراً ﴾ (٢) إذا اتّفق به القتل، نظراً إلى أنّ العمد يتحقّق بقصد القتل من غير نظر إلى الآلة، فيدخل في عموم أدلّة العمد (٣) وهذا أقوى.

﴿ وإذا لم يقصد القتل بالنادر ﴾ أي بما يقع القتل به نادراً ﴿ فلا قَوَد وإن اتّفق الموت كالضرب بالعود الخفيف أو العصا ﴾ الخفيفة في غير مقتل بغير قصد القتل؛ لانتفاء القصد إلى القتل وانتفاء القتل بذلك عادة، فيكون القتل شبيه الخطأ.

__________________

(١) هو المحقّق في المختصر النافع: ٢٩٢.

(٢) قاله المحقّق في الشرائع ٤: ١٩٥، والعلّامة في القواعد ٣: ٥٨٢.

(٣) مثل الآية الشريفة: ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ) النساء: ٩٣، وما في الوسائل ١٩: ٢٣ ـ ٢٨، الباب ١١ من أبواب القصاص في النفس.

وللشيخ قول بأنّه هنا عمدٌ (١) استناداً إلى روايات ضعيفة أو مرسلة (٢) لا تُعتَمد في الدماء المعصومة.

﴿ أمّا لو كرّر ضربه بما لا يحتمله * مثله بالنسبة إلى بدنه ﴾ لصغره أو مرضه ﴿ وزمانه ﴾ لشدّة الحرّ أو البرد ﴿ فهو عمد ﴾ لأنّه حينئذٍ يكون الضرب بحسب العوارض بما يقتل غالباً.

﴿ وكذا لو ضربه دون ذلك ﴾ من غير أن يقصد قتله ﴿ فأعقبه مرضاً ومات ﴾ لأنّ الضرب مع المرض ممّا يحصل معه التلف، والمرض مسبَّب عنه وإن كان لا يوجبه منفرداً.

ويشكل بتخلّف الأمرين معاً، وهما: القصد إلى القتل وكون الفعل ممّا يَقتُل غالباً، والسببيّة غير كافية في العمديّة، كما إذا اتّفق الموت بالضرب بالعود الخفيف. ولو اعتبر هنا القصد لم يشترط أن يتعقّبه المرض.

﴿ أو رماه بسهم أو بحجر غامز ﴾ أي كابس (٣) على البدن لثقله ﴿ أو خنقه بحبل ولم يُرخِ عنه حتّى مات، أو بقي المخنوق ضَمِناً ﴾ بفتح الضاد وكسر الميم، أي مزمناً ﴿ ومات ﴾ بذلك ﴿ أو طرحه في النار ﴾ فمات منها ﴿ إلّا أن يُعلم قدرته على الخروج ﴾ لقلّتها، أو كونه في طرفها يمكنه الخروج بأدنى حركة

__________________

(١) المبسوط ٧: ١٦.

(٢) راجع الوسائل ١٩: ٢٤ ـ ٢٦، الباب ١١ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ٣ و ٦ و ٨. قال الشهيد الثاني: وفي الرواية الاُولى ضعف بعليّ بن حمزة، وفي الثانية إرسال، وفي الثالثة في طريقها محمّد بن عيسى عن يونس، وهو ضعيف. المسالك ١٥: ٦٨.

(*) في ( ق ): لا يحتمل، وكذا في ( ر ) من الشرح.

(٣) كبس على الشيء: شدّ وضغط.

فيترك؛ لأنّه حينئذٍ قاتل نفسه.

﴿ أو ﴾ طرحه ﴿ في اللُجّة ﴾ فمات منها ولم يقدر على الخروج أيضاً....

وربما فُرّق بينهما واُوجب ضمان الدية في الأوّل دون الثاني (١) لأنّ الماء لا يحدث به ضرر بمجرّد دخوله، بخلاف النار. ويتّجه وجوبها مع عدم العلم باستناد الترك إلى تقصيره؛ لأنّ النار قد تدهشه وتُشنّج أعضاءه بالملاقاة فلا يظفر بوجه المخلص.

ولو لم يمكنه الخروج من الماء إلّا إلى مغرق آخر فكعدمه، وكذا من أحدهما (٢) إلى الآخر أو ما في حكمه. ويرجع في القدرة وعدمها إلى إقراره بها، أو قرائن الأحوال.

﴿ أو جرحه عمداً فسرى ﴾ الجرح عليه ﴿ ومات ﴾ وإن أمكنه المداواة؛ لأنّ السراية مع تركها من الجرح المضمون، بخلاف المُلقى في النار مع القدرة على الخروج فتَرَكه تخاذلاً؛ لأنّ التلف حينئذٍ مستند إلى الاحتراق المتجدّد، ولولا المكث لما حصل.

وأولى منه ما لو غرق بالماء. ومثله ما لو فصده فترك المفصودُ شدَّه؛ لأنّ خروج الدم هو المهلك والفاصد سببه (٣) ويحتمل كونه كالنار؛ لأنّ التلف مستند إلى خروج الدم المتجدّد الممكن قطعه بالشدّ.

﴿ أو ألقى نفسه من علوٍ على إنسان ﴾ فقتله قصداً، أو كان مثله يَقتُل

__________________

(١) كما فرّق بينهما العلّامة في القواعد ٣: ٥٨٥.

(٢) الماء والنار.

(٣) في ( ش ): سببيّته.