درس الروضة البهیة (فقه ۶) (اللقطة - الدیات)

جلسه ۱۹۹: کتاب القصاص ۱۱: قصاص النفس ۱۱

 

وهل لبعضهم المطالبة بالدية، ولبعضٍ القصاص ؟ وجهان: من ظاهر الخبر، وتعدّد المستحقّ. وكذا في جواز قتله بواحد ـ إمّا الأوّل أو بالقرعة أو تخييراً ـ وأخذ الدية من ماله للباقين. نعم، لو بدر واحد منهم فقتله عن حقّه استوفاه، وكان للباقين الدية؛ لفوات محلّ القصاص إن قلنا بوجوبها حيث يفوت وسيأتي (١) وظاهر العبارة منع ذلك كلّه، لتخصيصه حقَّهم بقتله.

﴿ ولو قطع ﴾ الحرّ ﴿ يمين اثنين ﴾ حرّين ﴿ قطعت يمينه بالأوّل ويسراه * بالثاني ﴾ لتساوي اليدين في الحقيقة وإن تغايرا من وجهٍ يغتفر عند تعذّر المماثلة من كلّ وجه، ولصحيحة حبيب السجستاني عن أبي جعفر عليه‌السلام في رجل قطع يدين لرجلين اليمينين، فقال عليه‌السلام: « يقطع يمينه للرجل الذي قطع يمينه أوّلاً ويقطع يساره للرجل الذي قطع يمينه أخيراً؛ لأنّه إنّما قطع يد الرجل الأخير ويمينه قصاص للرجل الأوّل » (٢).

ولو قطع يد ثالثٍ قيل: قطعت رجله (٣) لقوله عليه‌السلام في هذه الرواية: « والرجل باليد إذا لم يكن للقاطع يدان » فقلت له: أما توجب له الدية وتترك رجله ؟ فقال: « إنّما توجب عليه الدية إذا قطع يد رجل وليس للقاطع يدان ولا رجلان، فثَمَّ توجب عليه الدية؛ لأنّه ليس له جارحة فيقاصّ منها » ولأنّ المساواة الحقيقيّة لو اعتبرت لم يجز التخطّي من اليمنى إلى اليسرى.

__________________

(١) يأتي في الصفحة ٤٥٣.

(*) في ( ق ) و ( س ): يساره.

(٢) الوسائل ١٩: ١٣١، الباب ١٢ من أبواب قصاص الطرف، الحديث ٢.

(٣) قاله الشيخ في الخلاف ٥: ١٩٣، المسألة ٥٩، والنهاية: ٧٧١، وهو مذهب ابن الجنيد وابن البرّاج في الكامل، كما نقل عنهما في المختلف ٩: ٣٩٤.

وقيل: ينتقل هنا إلى الدية (١) لفقد المماثل الذي يدلّ قوله تعالى: ( أنَ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ... )(٢) عليه. والخبر يدفع فقد التماثل (٣) ويدلّ على مماثلة الرِجل لليد شرعاً وإن انتفت لغةً وعرفاً. نعم، يبقى الكلام في صحّته، فإنّ الأصحاب وصفوه بالصحّة (٤) مع أنّهم لم ينصّوا على توثيق « حبيب ». ولعلّهم أرادوا بصحّته فيما عداه، فإنّهم كثيراً ما يطلقون ذلك. وحينئذٍ فوجوب الدية للرجل أجود.

وأولى منه لو قطع يد رابع وبعدها فالدية قطعاً.

﴿ ولو قتل العبد حرّين فهو لأولياء الثاني إن كان القتل ﴾ أي قتله للثاني ﴿ بعد الحكم به للأوّل ﴾ بأن اختار الأوّل استرقاقه قبل جنايته على الثاني (٥) وإن لم يحكم به حاكمٌ لبراءته من الجناية الاُولى باسترقاقه لها ﴿ وإلّا ﴾ تكن جنايته على الثاني بعد الحكم به للأوّل ﴿ فهو بينهما ﴾ لتعلّق حقّهما معاً به وهو على ملك مالكه، ولصحيحة زرارة عن الباقر عليه‌السلام « في عبد جرح رجلين، قال: هو بينهما إن كانت الجناية محيطة بقيمته. قيل له: فإن جرح رجلاً في أوّل النهار وجرح آخر في آخر النهار، قال: هو بينهما ما لم يحكم الوالي في المجروح الأوّل، قال: فإن جنى بعد ذلك جناية فإنّ جنايته على الأخير» (٦).

__________________

(١) قاله ابن إدريس في السرائر ٣: ٣٩٧، واستوجهه الشارح في المسالك ١٥: ١٢٧.

(٢) المائدة: ٤٥.

(٣) في سوى ( ع ): المماثل.

(٤) كالعلّامة في المختلف ٩: ٣٩٥، والفخر في الإيضاح ٤: ٥٧٣، وابن فهد الحلّي في المهذّب البارع ٥: ١٧٣.

(٥) في ( ع ): للثاني.

(٦) الوسائل ١٩: ٧٧، الباب ٤٥ من أبواب القصاص في النفس، الحديث الأوّل.

وقيل: يكون للثاني (١) لصيرورته لأولياء الأوّل بالجناية الاُولى، فإذا قتل الثاني انتقل إلى أوليائه، ولرواية عليّ بن عقبة عن الصادق عليه‌السلام « في عبد قتل أربعة أحرار واحداً بعد واحد، قال: هو لأهل الأخير من القتلى، إن شاؤوا قتلوه وإن شاؤوا استرقّوه؛ لأنّه إذا قتل الأوّل استحقّه أولياؤه، فإذا قتل الثاني استحقّ من أولياء الأوّل فصار لأولياء الثاني » وهكذا... (٢) وهذا الخبر مع ضعف سنده (٣) يمكن حمله على ما لو اختار أولياء السابق استرقاقه قبل جنايته على اللاحق، جمعاً بينه وبين ما سبق. وكذا الحكم لو تعدّد مقتوله.

﴿ وكذا لو قتل عبدين ﴾ لمالكين يستوعب كلٌّ منهما قيمتَه ﴿ أو ﴾ قتل ﴿ حرّاً وعبداً ﴾ كذلك، فإنّ موليي العبدين يشتركان فيه ما لم يسبق مولى الأوّل إلى استرقاقه قبل جنايته على الثاني، فيكون لمولى الثاني، وكذا وليّ الحرّ ومولى العبد. ولو اختار الأوّل المال ورضي به المولى تعلّق حقّ الثاني برقبته.

وقيل: يقدّم الأوّل (٤) لأنّ حقّه أسبق، ويسقط الثاني؛ لفوات محلّ استحقاقه. والأوّل أقوى.

﴿ ومنها: التساوي في الدين ﴾:

﴿ فلا يقتل مسلم بكافر ﴾ حربيّاً كان الكافر أم ذمّيّاً، ومعاهداً كان الحربي أم لا ﴿ ولكن يعزَّر ﴾ القاتل ﴿ بقتل الذمّي والمعاهد ﴾ لتحريم قتلهما ﴿ ويغرم

__________________

(١) قاله الشيخ في النهاية: ٧٥٢.

(٢) للخبر تتمّة، راجع الوسائل ١٩: ٧٧، الباب ٤٥ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ٣.

(٣) ولعلّ الضعف بابن فضّال الواقع في سنده. اُنظر المسالك ١٣: ٣٩٩ ـ ٤٠٠ وكذا الحسن بن أحمد بن سلمة فإنّه مجهول.

(٤) قاله الشيخ في المبسوط ٧: ٨.