درس الروضة البهیة (فقه ۶) (اللقطة - الدیات)

جلسه ۲۰۹: کتاب القصاص ۲۱: قصاص الطرف ۲

 

وقيل: لا يجوز؛ لجواز السراية الموجبة للدخول (١)

﴿ ولا قصاص إلّا بالحديد ﴾ لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله: « لا قَوَد إلّا بحديد » (٢) ﴿ فيقاس الجرح ﴾ طولاً وعرضاً بخيط وشبهه ﴿ ويعلَّم طرفاه ﴾ في موضع الاقتصاص ﴿ ثمّ يشقّ من إحدى العلامتين إلى الاُخرى ﴾ ولا تجوز الزيادة، فإن اتّفقت عمداً اقتصّ من المستوفي، أو خطأً فالدية ويرجع إلى قوله فيهما بيمينه، أو لاضطراب المستوفى منه فلا شيء؛ لاستنادها إلى تفريطه. وينبغي ربطه على خشبة ونحوها لئلّا يضطرب حالة الاستيفاء.

﴿ ويؤخَّر قصاص الطرف ﴾ من الحرّ والبرد ﴿ إلى اعتدال النهار ﴾ حذراً من السراية.

﴿ ويثبت القصاص في العين ﴾ للآية ﴿ ولو كان الجاني بعين واحدة ﴾ والمجنيّ عليه باثنتين قلعت عين الجاني وإن استلزم عماه، فإنّ الحقّ أعماه (٣) ولإطلاق قوله تعالى: ( وَالعَيْنَ بِالعَيْنِ )(٤) ولا ردّ.

﴿ ولو ﴾ انعكس بأن ﴿ قلع عينه ﴾ أي عين ذي العين الواحدة ﴿ صحيحُ العينين ﴾ فأذهب بصره ﴿ اقتصّ له بعين واحدة ﴾ لأنّ ذلك هو المماثل للجناية.

__________________

(١) قاله الشيخ في المبسوط ٧: ٧٥.

(٢) كنز العمّال ١٥: ١١، الحديث ٣٩٧٤٦، وسنن البيهقي ٨: ٦٢، وفيهما: « لا قود إلّا بحديدة ».

(٣) هذا لفظ الحديث عن الباقر عليه‌السلام قال محمدّ بن قيس قلت له: أعور فقأ عينَ صحيح متعمّداً فقال: تفقأ عينه. قلت: فيكون أعمى. قال: الحقّ أعماه [ الوسائل ١٩: ١٣٤، الباب ١٥ من أبواب قصاص الطرف، الحديث الأوّل ]. ( منه رحمه‌الله ).

(٤) المائدة: ٤٥.

﴿ قيل ﴾ والقائل ابن الجنيد (١) والشيخ في أحد قوليه (٢) وجماعة (٣): ﴿ وله مع القصاص ﴾ على ذي العينين ﴿ نصف الدية ﴾ لأنّه أذهب بصره أجمع وفيه الدية، وقد استوفى منه ما فيه نصف الدية وهو العين الواحدة فيبقى له النصف، ولرواية محمّد بن قيس عن الباقر عليه‌السلام قال: « قضى أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام في رجل أعور اُصيبت عينه الصحيحة ففُقئت: أن تُفقأ إحدى عيني صاحبه ويعقل له نصف الدية، وإن شاء أخذ دية كاملة ويعفو عن عين صاحبه » (٤) ومثلها رواية عبد الله بن الحكم عن الصادق عليه‌السلام (٥).

ونسبة المصنّف الحكم إلى القيل مشعرة بردّه أو توقّفه. ومنشؤه قوله تعالى: ( وَالعَيْنَ بِالعَيْنِ ) فلو وجب معها شيء آخر لم يتحقّق ذلك، خصوصاً على القول بأنّ الزيادة على النصّ نسخ (٦) وأصالة البراءة من الزائد.

وإليه (٧) ذهب جماعة من الأصحاب، منهم المحقّق في الشرائع (٨) والعلّامة

__________________

(١) نقله عنه في المختلف ٩: ٣٦٢، ولكن فيه: كانت له الدية كاملة؛ لأنّ الجاني أذهب جميع بصره.

(٢) المبسوط ٧: ١٤٦، والنهاية: ٧٦٥ ـ ٧٦٦، وقوله الآخر هو الذي اختاره المصنّف هنا. راجع الخلاف ٥: ٢٥١، المسألة ٥٧.

(٣) منهم ابن حمزة في الوسيلة: ٤٤٦ ـ ٤٤٧، وسلّار في المراسم: ٢٤٦، والعلّامة في المختلف ٩: ٣٦٤ ـ ٣٦٥.

(٤) الوسائل ١٩: ٢٥٢، الباب ٢٧ من أبواب ديات الأعضاء، الحديث ٢، وفيه: « ويعفى عن عين صاحبه ».

(٥) نفس المصدر، الحديث ٤.

(٦) اُنظر عدّة الاُصول ٢: ٥٢٧.

(٧) يعني عدم الردّ وأصالة البراءة.

(٨) الشرائع ٤: ٢٣٦.

في التحرير (١) مع موافقته في المختلف (٢) للأوّل (٣) وتردّده في باقي كتبه (٤).

وللتوقّف وجه وإن كان الأوّل (٥) لا يخلو من قوّة، وهو اختيار المصنّف في الشرح (٦).

واُجيب عن الآية بأنّ « العين » مفرد محلّى فلا يعمّ، والأصل يُعدل عنه للدليل.

وما قيل: من أنّ الآية حكاية عن التوراة فلا يلزمنا (٧) مندفع بإقرارها في شرعنا؛ لرواية زرارة عن أحدهما عليهما‌السلام: « إنّها محكمة » (٨) ولقوله تعالى بعدها: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنزَلَ اللهُ فَاوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )(٩) و « مَن » للعموم، والظلم حرام، فتركه واجب، وهو لا يتمّ إلّا بالحكم بها.

وقد ينقدح (١٠) الشكّ في الثاني باحتمال كونه معطوفاً على اسم « أنّ » (١١)

__________________

(١) التحرير ٥: ٥١١.

(٢) المختلف ٩: ٣٦٥.

(٣) يعني ما ذهب إليه ابن الجنيد وجماعة، والمناسب: « للثاني » ولعلّ التعبير بالأوّل نسبيّ بملاحظة ما ذكره أخيراً في توجيه منشأ توقّف المصنّف.

(٤) القواعد ٣: ٦٣٩، والإرشاد ٢: ٢٠٧.

(٥) يعني ما اختاره المصنّف من عدم وجوب ردّ شيء.

(٦) غاية المراد ٤: ٣٧٤.

(٧) اُنظر كنز العرفان ٢: ٣٥٥.

(٨) التهذيب ١٠: ١٨٣ ـ ١٨٤، الحديث ٧١٨.

(٩) المائدة: ٤٥.

(١٠) في ( ع ): يقدح.

(١١) الواقع في صدر الآية: ( وكتبنا عليهم فيها أنّ النفس بالنفس.... ) فيكون معنى ذيل الآية: وكتبنا عليهم فيها أنّ من لم يحكم بما أنزل الله...

فلا يدلّ على بقائه عندنا لولا النصّ على كونها مُحكَمَة.

﴿ ولو ذهب ضوء العين مع سلامة الحدقة، قيل (١) ﴾ في طريق الاقتصاص منه بإذهاب بصرها مع بقاء حدقته: ﴿ طُرح على الأجفان ﴾ أي أجفان الجاني ﴿ قطن مبلول وتُقابل بمرآة محماة مواجهة الشمس * ﴾ بأن يفتح عينه، ويُكلَّف النظر إليها ﴿ حتّى يذهب الضوء ﴾ من عينه ﴿ وتبقى الحدقة ﴾.

والقول باستيفائه على هذا الوجه هو المشهور بين الأصحاب ومستنده رواية رفاعة عن أبي عبد الله عليه‌السلام: « أنّ عليّاً عليه‌السلام فعل ذلك في من لطم عين غيره فأنزل فيها الماء وأذهب بصرها » (٢) وإنّما حكاه قولاً؛ للتنبيه على عدم دليل يفيد انحصار الاستيفاء فيه، بل يجوز بما يحصل [ به ](٣) الغرض من إذهاب البصر وإبقاء الحدقة بأيّ وجه اتّفق (٤) مع أنّ في طريق الرواية ضعفاً وجهالة (٥) يمنع من تعيين ما دلّت عليه وإن كان جائزاً.

﴿ ويثبت ﴾ القصاص ﴿ في الشَعر إن أمكن ﴾ الاستيفاء المماثل للجناية

__________________

(١) القائل هو العلّامة في القواعد ٣: ٦٣٩، والتحرير ٥: ٥١١ و ٥١٢، وتلخيص المرام: ٣٤٦.

(*) في ( ق ) ونسخة ( ر ) من الشرح: للشمس.

(٢) الوسائل ١٩: ١٢٩، الباب ١١ من أبواب قصاص الطرف، وفيه حديث واحد نقل هنا بمضمونه.

(٣) لم يرد في المخطوطات.

(٤) قيل: منه وضع الكافور في العين. ( منه رحمه‌الله ).

(٥) في طريقها ابن فضّال، عن سليمان الدهّان، والأوّل فطحي ( المسالك ١٠: ٢٨٣ ) والثاني مجهول.