درس فرائد الاصول - قطع و ظن (فشرده)

جلسه ۱: جلسه ۱

 

بسم الله الرحمن الرحيم

المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعيّ

اعلم (١) : أنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعيّ ، فإمّا أن يحصل له (٢) الشكّ فيه ، أو القطع ، أو الظنّ.

فإن حصل له (٣) الشكّ ، فالمرجع فيه هي القواعد الشرعيّة الثابتة للشاكّ في مقام العمل ، وتسمّى ب «الاصول العمليّة» ، وهي منحصرة في أربعة ؛ لأنّ الشكّ :

الاصول العمليّة الأربعة ومجاريها

إمّا أن يلاحظ فيه الحالة السابقة أم لا.

وعلى الثاني : فإمّا أن يمكن الاحتياط أم لا.

وعلى الأوّل : فإمّا أن يكون الشكّ في التكليف أو في المكلّف به.

فالأوّل مجرى الاستصحاب ، والثاني (٤) مجرى التخيير ، والثالث

__________________

(١) كذا في (ت) ، (ص) و (ل) ، وفي غيرها : «فاعلم».

(٢) العبارة في (ه) هكذا : «فيحصل له إمّا الشكّ ...».

(٣) لم ترد «له» في (ل) و (م).

(٤) في نسخة بدل (ص) : «والثاني مجرى أصالة البراءة ، والثالث مجرى قاعدة الاحتياط ، والرابع مجرى قاعدة التخيير».

مجرى أصالة البراءة ، والرابع مجرى قاعدة الاحتياط.

تقرير آخر لمجاري الاصول العمليّة

وبعبارة اخرى : الشكّ إمّا أن يلاحظ فيه الحالة السابقة أو لا (١) ، فالأوّل مجرى الاستصحاب ، والثاني : إمّا أن يكون الشكّ فيه في التكليف أو لا ، فالأوّل مجرى أصالة البراءة ، والثاني : إمّا أن يمكن الاحتياط فيه أو لا ، فالأوّل مجرى قاعدة الاحتياط ، والثاني مجرى قاعدة التخيير (٢).

وما ذكرنا هو المختار في مجاري الاصول الأربعة ، وقد وقع الخلاف فيها ، وتمام الكلام في كلّ واحد موكول إلى محلّه.

مقاصد الكتاب

فالكلام يقع في مقاصد ثلاثة :

الأوّل : في القطع.

والثاني : في الظنّ.

والثالث : في الشكّ (٣).

__________________

(١) لم ترد عبارة «وعلى الثاني ـ إلى ـ السابقة أو لا» في (ه).

(٢) عبارة «وبعبارة اخرى ـ إلى ـ قاعدة التخيير» من (ر) ونسخة بدل (ص).

ووردت في (ه) أيضا مع اختلاف يسير ، ولم ترد فيها : «وبعبارة اخرى».

(٣) كذا في (ل) و (م) ، وفي (ت) ، (ر) ، (ص) ، و (ه) : «والثالث في الاصول العملية المذكورة التي هي المرجع عند الشكّ».

المقصد الأوّل

في القطع

المقصد الأوّل في القطع (١)

وجوب متابعة القطع

فنقول : لا إشكال في وجوب متابعة القطع والعمل عليه ما دام موجودا ؛ لأنّه بنفسه طريق إلى الواقع ، وليس طريقيّته قابلة لجعل الشارع إثباتا أو نفيا (٢).

إطلاق الحجّة على القطع والمراد منه

ومن هنا يعلم : أنّ إطلاق «الحجّة» عليه ليس كإطلاق «الحجّة» على الأمارات المعتبرة شرعا ؛ لأنّ الحجّة عبارة عن : الوسط الذي به يحتجّ على ثبوت الأكبر للأصغر ، ويصير واسطة للقطع بثبوته له ، كالتغيّر لإثبات حدوث العالم ، فقولنا : الظنّ حجّة ، أو البيّنة حجّة ، أو فتوى المفتي حجّة ، يراد به كون هذه الامور أوساطا لإثبات أحكام متعلّقاتها ، فيقال : هذا مظنون الخمريّة ، وكلّ مظنون الخمريّة يجب الاجتناب عنه. وكذلك قولنا : هذا الفعل ممّا أفتى المفتي بتحريمه ، أو قامت البيّنة على كونه محرّما ، وكلّ ما كان كذلك فهو حرام.

وهذا بخلاف القطع ؛ لأنّه إذا قطع بوجوب شيء ، فيقال : هذا

__________________

(١) كذا في (ل) و (م) ، وفي غيرهما : «أمّا الكلام في المقصد الأوّل».

(٢) في (ص) : «ونفيا».

واجب ، وكلّ واجب يحرم ضدّه أو يجب مقدّمته.

وكذلك العلم بالموضوعات ، فإذا قطع بخمرية شيء ، فيقال : هذا خمر ، وكلّ خمر يجب الاجتناب عنه ، ولا يقال : إنّ هذا معلوم الخمريّة ، وكلّ معلوم الخمريّة حكمه كذا ؛ لأنّ أحكام الخمر إنّما تثبت للخمر ، لا لما علم أنّه خمر.

والحاصل : أنّ كون القطع حجّة غير معقول ؛ لأنّ الحجّة ما يوجب القطع بالمطلوب ، فلا يطلق على نفس القطع.

انقسام القطع إلى طريقي وموضوعي

هذا كلّه بالنسبة إلى حكم متعلّق القطع وهو الأمر المقطوع به ، وأمّا بالنسبة إلى حكم آخر ، فيجوز أن يكون القطع مأخوذا في موضوعه ، فيقال : إنّ الشيء المعلوم بوصف كونه معلوما حكمه كذا ، وحينئذ فالعلم يكون وسطا لثبوت ذلك الحكم (١) وإن لم يطلق عليه الحجّة ؛ إذ المراد ب «الحجّة» في باب الأدلّة : ما كان وسطا لثبوت أحكام (٢) متعلّقه شرعا ، لا لحكم آخر (٣) ، كما إذا رتّب الشارع الحرمة على الخمر المعلوم كونها خمرا ، لا على نفس الخمر ، وكترتّب وجوب الإطاعة عقلا (٤) على معلوم الوجوب ، لا الواجب الواقعي (٥).

وبالجملة : فالقطع قد يكون طريقا للحكم ، وقد يكون مأخوذا في

__________________

(١) في (ظ) ، (ل) و (م) زيادة : «لمتعلّقه».

(٢) في نسخة بدل (ص) : «حكم».

(٣) لم ترد عبارة «وإن لم يطلق ـ إلى ـ لا لحكم آخر» في (ظ) ، (ل) و (م).

(٤) لم ترد «عقلا» في (ر) و (ص).

(٥) لم ترد عبارة «وكترتّب ـ إلى ـ الواقعي» في (ظ) ، (ل) و (م).

موضوع الحكم.

خواص القسمين

ثمّ ما كان منه طريقا لا يفرّق فيه بين خصوصيّاته ، من حيث القاطع والمقطوع به وأسباب القطع وأزمانه ؛ إذ المفروض كونه طريقا إلى متعلّقه ، فيترتّب عليه أحكام متعلّقه ، ولا يجوز للشارع أن ينهى عن العمل به ؛ لأنّه مستلزم للتناقض.

١ ـ عدم جواز النهي عن العمل في الطريقي وجوازه في الموضوعي

فإذا قطع بكون (١) مائع بولا ـ من أيّ سبب كان ـ فلا يجوز للشارع أن يحكم بعدم نجاسته أو عدم وجوب الاجتناب عنه ؛ لأنّ المفروض أنّه بمجرّد القطع يحصل له صغرى وكبرى ، أعني قوله : «هذا بول ، وكلّ بول يجب الاجتناب عنه ، فهذا يجب الاجتناب عنه» فحكم الشارع بأنّه لا يجب الاجتناب عنه مناقض له ، إلاّ إذا فرض عدم كون النجاسة ووجوب الاجتناب من أحكام نفس البول ، بل من أحكام ما علم بوليّته على وجه خاصّ من حيث السبب أو الشخص أو غيرهما ، فيخرج العلم عن (٢) كونه طريقا (٣) ، ويكون مأخوذا (٤) في الموضوع ، وحكمه أنّه يتّبع في اعتباره ـ مطلقا أو على وجه خاصّ ـ دليل ذلك الحكم الثابت الذي اخذ العلم في موضوعه.

القطع الموضوعي تابع في اعتباره مطلقا او على وجه خاص لدليل الحكم

فقد يدلّ على ثبوت الحكم لشيء بشرط العلم به ، بمعنى انكشافه للمكلّف من غير خصوصيّة للانكشاف ، كما في حكم العقل بحسن إتيان

__________________

(١) كذا في (ص) ، وفي غيرها : «كون».

(٢) كذا في (ت) ، وفي (ل) و (م) : «فخرج عن».

(٣) لم ترد عبارة «فيخرج العلم عن كونه طريقا» في (ر) ، (ص) و (ه).

(٤) في (ص) و (ه) : «فيكون العلم مأخوذا» ، وفي (ر) : «فيكون مأخوذا».

أمثلة للقطع الموضوعي المعتبر مطلقاً

ما قطع العبد بكونه مطلوبا لمولاه ، وقبح ما يقطع بكونه مبغوضا ؛ فإنّ مدخليّة القطع بالمطلوبيّة أو المبغوضيّة في صيرورة الفعل حسنا أو قبيحا عند العقل لا يختصّ ببعض أفراده. وكما في حكم الشارع (١) بحرمة ما علم أنّه خمر أو نجاسته بقول مطلق (٢) ، بناء على أنّ الحرمة والنجاسة الواقعيّتين إنّما تعرضان مواردهما بشرط العلم ـ لا في نفس الأمر ـ كما هو قول بعض (٣).

أمثلة للقطع الموضوعي المعتبر على وجه خاص

وقد يدلّ دليل ذلك الحكم على ثبوته لشيء بشرط حصول القطع به من سبب خاصّ أو شخص خاصّ ، مثل ما ذهب إليه بعض الأخباريين (٤) : من عدم جواز العمل في الشرعيات بالعلم الغير (٥) الحاصل من الكتاب والسنّة ـ كما سيجيء ـ ، وما ذهب إليه بعض : من منع عمل القاضي بعلمه في حقوق الله تعالى (٦).

__________________

(١) كذا في (ت) و (ه) ، وفي غيرهما : «الشرع».

(٢) لم ترد «بقول مطلق» في (ظ) ، (ل) ، (م) و (ه).

(٣) كالمحدّث البحراني في الحدائق ٥ : ٢٤٩.

(٤) كالأمين الأسترابادي والسيّد المحدّث الجزائري وغيرهما ، وسيجيء كلامهم في الصفحة : ٥٢ ـ ٥٥.

(٥) في (ر) : «غير».

(٦) ذهب إليه ابن حمزة في الوسيلة : ٢١٨ ، ونسبه في المسالك والرياض إلى الحلّي أيضا ، ولكن لم نعثر عليه في السرائر ، بل ذهب فيه إلى الجواز في جميع الأشياء ، انظر المسالك (الطبعة الحجريّة) ٢ : ٢٨٩ ، والرياض (الطبعة الحجريّة) ٢ : ٣٩٠ ، والسرائر ٢ : ١٧٩.

أمثلة للقطع الموضوعي بالنسبة إلى حكم غير القاطع

وأمثلة ذلك بالنسبة إلى حكم (١) غير القاطع كثيرة (٢) ، كحكم الشارع على المقلّد بوجوب الرجوع إلى الغير في الحكم الشرعي إذا علم به من الطرق الاجتهاديّة المعهودة ، لا من مثل الرمل والجفر ؛ فإنّ القطع الحاصل من هذه وإن وجب على القاطع الأخذ به في عمل نفسه ، إلاّ أنّه لا يجوز للغير تقليده في ذلك ، وكذلك العلم الحاصل للمجتهد الفاسق أو غير الإماميّ من الطرق الاجتهاديّة المتعارفة ، فإنّه لا يجوز للغير العمل بها (٣) ، وكحكم الشارع على الحاكم بوجوب قبول خبر العدل المعلوم له من الحسّ لا من الحدس ، إلى غير ذلك.

٢ ـ قيام الأمارات وبعض الأصول مقام القطع الموضوعي والطريقي

ثمّ من خواصّ القطع الذي هو طريق إلى الواقع : قيام الأمارات الشرعيّة وبعض (٤) الاصول العمليّة مقامه في العمل ، بخلاف المأخوذ في الحكم على وجه الموضوعيّة ؛ فإنّه تابع لدليل الحكم (٥).

فإن ظهر منه أو من دليل خارج (٦) اعتباره على وجه الطريقية للموضوع ـ كالامثلة المتقدّمة (٧) ـ قامت الأمارات وبعض (٨) الاصول مقامه.

__________________

(١) لم ترد «حكم» في (ت).

(٢) لم ترد عبارة «مثل ما ذهب ـ إلى ـ كثيرة» في (ظ) و (م).

(٣) كذا في النسخ ، والأنسب : «به» ؛ لرجوع الضمير إلى «العلم» لا «الطرق».

(٤) لم ترد «بعض» في (ر) ، (ل) و (م).

(٥) في «ص» : «ذلك الحكم».

(٦) لم ترد «أو من دليل خارج» في (ظ) ، (ل) و (م).

(٧) لم ترد «كالأمثلة المتقدّمة» في (ت) ، (ر) و (ه).

(٨) لم ترد «بعض» في (ر) ، (ص) ، (ظ) ، (ل) و (م).