درس فرائد الاصول - قطع و ظن (فشرده)

جلسه ۲: جلسه ۲

 

أمثلة للقطع الموضوعي بالنسبة إلى حكم غير القاطع

وأمثلة ذلك بالنسبة إلى حكم (١) غير القاطع كثيرة (٢) ، كحكم الشارع على المقلّد بوجوب الرجوع إلى الغير في الحكم الشرعي إذا علم به من الطرق الاجتهاديّة المعهودة ، لا من مثل الرمل والجفر ؛ فإنّ القطع الحاصل من هذه وإن وجب على القاطع الأخذ به في عمل نفسه ، إلاّ أنّه لا يجوز للغير تقليده في ذلك ، وكذلك العلم الحاصل للمجتهد الفاسق أو غير الإماميّ من الطرق الاجتهاديّة المتعارفة ، فإنّه لا يجوز للغير العمل بها (٣) ، وكحكم الشارع على الحاكم بوجوب قبول خبر العدل المعلوم له من الحسّ لا من الحدس ، إلى غير ذلك.

٢ ـ قيام الأمارات وبعض الأصول مقام القطع الموضوعي والطريقي

ثمّ من خواصّ القطع الذي هو طريق إلى الواقع : قيام الأمارات الشرعيّة وبعض (٤) الاصول العمليّة مقامه في العمل ، بخلاف المأخوذ في الحكم على وجه الموضوعيّة ؛ فإنّه تابع لدليل الحكم (٥).

فإن ظهر منه أو من دليل خارج (٦) اعتباره على وجه الطريقية للموضوع ـ كالامثلة المتقدّمة (٧) ـ قامت الأمارات وبعض (٨) الاصول مقامه.

__________________

(١) لم ترد «حكم» في (ت).

(٢) لم ترد عبارة «مثل ما ذهب ـ إلى ـ كثيرة» في (ظ) و (م).

(٣) كذا في النسخ ، والأنسب : «به» ؛ لرجوع الضمير إلى «العلم» لا «الطرق».

(٤) لم ترد «بعض» في (ر) ، (ل) و (م).

(٥) في «ص» : «ذلك الحكم».

(٦) لم ترد «أو من دليل خارج» في (ظ) ، (ل) و (م).

(٧) لم ترد «كالأمثلة المتقدّمة» في (ت) ، (ر) و (ه).

(٨) لم ترد «بعض» في (ر) ، (ص) ، (ظ) ، (ل) و (م).

عدم قيامها مقام القطع الموضوعي الصفتي

وإن ظهر من دليل الحكم (١) اعتبار القطع (٢) في الموضوع من حيث كونها صفة خاصّة قائمة بالشخص لم يقم مقامه غيره ، كما إذا فرضنا أنّ الشارع اعتبر صفة القطع على هذا الوجه في حفظ عدد الركعات الثنائيّة والثلاثيّة والاوليين من الرباعيّة (٣) ؛ فإنّ غيره ـ كالظنّ بأحد الطرفين أو أصالة عدم الزائد ـ لا يقوم مقامه إلاّ بدليل خاصّ خارجيّ غير أدلّة حجّية مطلق الظنّ في الصلاة وأصالة عدم الأكثر.

ومن هذا الباب : عدم جواز أداء الشهادة استنادا إلى البيّنة أو اليد ـ على قول ـ وإن جاز تعويل الشاهد في عمل نفسه بهما إجماعا ؛ لأنّ العلم بالمشهود به مأخوذ (٤) في مقام العمل على وجه الطريقيّة ، بخلاف مقام أداء الشهادة ، إلاّ أن يثبت من الخارج : أنّ كلّ ما يجوز العمل به من الطرق الشرعيّة يجوز الاستناد إليه في الشهادة ؛ كما يظهر من رواية حفص الواردة في جواز الاستناد إلى اليد (٥).

وممّا ذكرنا يظهر : أنّه لو نذر أحد أن يتصدّق كلّ يوم بدرهم ما دام متيقّنا بحياة ولده ، فإنّه لا يجب التصدّق عند الشكّ في الحياة لأجل استصحاب الحياة ، بخلاف ما لو علّق النذر بنفس الحياة ، فإنّه يكفي في الوجوب الاستصحاب.

__________________

(١) في (ر) : «وإن ظهر منه».

(٢) في (ر) و (ص) : «صفة القطع».

(٣) لم ترد «من الرباعيّة» في (ر) ، (ظ) ، (ل) و (م).

(٤) لم ترد «مأخوذ» في (ر) و (ه).

(٥) الوسائل ١٨ : ٢١٥ ، الباب ٢٥ من أبواب كيفية الحكم ، الحديث ٢.

انقسام الظن كالقطع إلى طريقي وموضوعي

ثمّ إنّ هذا الذي ذكرنا ـ من (١) كون القطع مأخوذا تارة على وجه الطريقيّة واخرى على وجه الموضوعيّة ـ جار في الظنّ أيضا ؛ فإنّه (٢) وإن فارق العلم في كيفيّة الطريقيّة ـ حيث إنّ العلم طريق بنفسه ، والظنّ المعتبر طريق بجعل الشارع ، بمعنى كونه وسطا في ترتّب أحكام متعلّقه ، كما أشرنا إليه سابقا ـ إلاّ أنّه (٣) أيضا : قد يؤخذ طريقا مجعولا إلى متعلّقه يقوم مقامه سائر الطرق الشرعيّة ، وقد يؤخذ موضوعا لحكم (٤).

فلا بدّ من ملاحظة دليل ذلك ، ثمّ الحكم بقيام غيره من الطرق المعتبرة مقامه ، لكن الغالب فيه الأوّل.

__________________

(١) كذا في (ر) و (ص) ، وفي غيرهما : «في».

(٢) لم ترد «فإنّه» في (ت) ، (ر) ، (ظ) ، (ل) و (م).

(٣) في (ص) ، (ظ) ، و (ه) بدل «إلاّ أنّه» : «لكن الظنّ».

(٤) وردت عبارة : «قد يؤخذ طريقا مجعولا ـ إلى ـ موضوعا لحكم» في (ت) ، (ر) ، (ه) ومصحّحة (ص) هكذا :

«قد يؤخذ طريقا مجعولا إلى متعلّقه (*) ، سواء كان موضوعا على وجه الطريقية لحكم متعلّقه أو لحكم آخر يقوم مقامه سائر الطرق الشرعيّة ، فيقال : إنّه حجّة.

وقد يؤخذ موضوعا لا على وجه الطريقيّة لحكم متعلّقه أو لحكم آخر ، ولا يطلق عليه الحجّة» ، وفي بعضها زيادة يسيرة.

__________________

(*) في طبعة جماعة المدرّسين ـ هنا ـ زيادة : «وقد يؤخذ موضوعا للحكم» ، لكنّها لم ترد في ما بأيدينا من النسخ.

وينبغي التنبيه على امور :

الأوّل

الكلام في التجرّي وأنّه حرام أم لا؟

أنّه قد عرفت (١) : أنّ القاطع لا يحتاج في العمل بقطعه إلى أزيد من الأدلّة المثبتة لأحكام مقطوعه ، فيجعل ذلك كبرى لصغرى قطع بها ، فيقطع بالنتيجة ، فإذا قطع بكون شيء خمرا ، وقام الدليل على كون حكم الخمر في نفسها هي الحرمة ، فيقطع بحرمة ذلك الشيء.

هل القطع حجّة مطلقا أو في خصوص صورة مصادفته للواقع؟

لكنّ الكلام في أنّ قطعه هذا هل هو حجّة عليه من الشارع وإن كان مخالفا للواقع في علم الله ، فيعاقب على مخالفته ، أو أنّه حجّة عليه إذا صادف الواقع؟ بمعنى أنّه لو شرب الخمر الواقعيّ عالما عوقب عليه في مقابل من شربها جاهلا ، لا أنّه يعاقب على شرب ما قطع بكونه خمرا وإن لم يكن خمرا في الواقع.

الاستدلال على حرمة التجرّي بالإجماع

ظاهر كلماتهم في بعض المقامات : الاتّفاق على الأوّل ؛ كما يظهر من دعوى جماعة (٢) الإجماع على أنّ ظانّ ضيق الوقت إذا أخّر الصلاة عصى وإن انكشف بقاء الوقت ؛ فإنّ تعبيرهم بظنّ الضيق لبيان أدنى

__________________

(١) في الصفحة ٢٩ ـ ٣٠.

(٢) منهم : العلاّمة في المنتهى ٤ : ١٠٧ ، والفاضل الهندي في كشف اللثام ٣ : ١٠٩ ، والسيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٢ : ٦١.

فردي الرجحان ، فيشمل القطع بالضيق.

نعم ، حكي عن النهاية (١) وشيخنا البهائي (٢) التوقّف في العصيان ، بل في التذكرة : لو ظنّ ضيق الوقت عصى لو أخّر إن استمرّ الظنّ ، وإن انكشف خلافه (٣) فالوجه عدم العصيان (٤) ، انتهى (٥). واستقرب العدم سيّد مشايخنا في المفاتيح (٦).

وكذا لا خلاف بينهم ـ ظاهرا ـ في أنّ سلوك الطريق المظنون الخطر أو مقطوعه معصية يجب إتمام الصلاة فيه ولو بعد انكشاف عدم الضرر فيه (٧).

تأييد الحرمة ببناء العقلاء

ويؤيّده : بناء العقلاء على الاستحقاق ، وحكم العقل بقبح التجرّي.

الاستدلال على الحرمة بالدليل العقلي

وقد يقرّر دلالة العقل على ذلك (٨) : بأنّا إذا فرضنا شخصين قاطعين ، بأن قطع أحدهما بكون مائع معيّن خمرا ، وقطع الآخر بكون

__________________

(١) و (٢) حكى السيّد المجاهد في مفاتيح الاصول عن الزبدة : التوقّف ، وعن النهاية قولين في موضعين ، انظر مفاتيح الاصول : ٣٠٨ ، والزبدة : ٤١ ، ونهاية الوصول (مخطوط) : ١١ و ٩٤.

(٣) في (ظ) ، (ل) والمصدر : بطلانه.

(٤) التذكرة ٢ : ٣٩١.

(٥) لم ترد عبارة «بل في التذكرة ـ إلى : ـ انتهى» في (م) ، وكتب عليها في (ص) : أنّها زائدة ، إلاّ أنّه اضيف فيهما تصحيحا بعد قوله : «في المفاتيح» ما يلي : «تبعا للعلاّمة في التذكرة».

(٦) مفاتيح الاصول : ٣٠٨.

(٧) في (ر) زيادة : «فتأمّل».

(٨) المقرّر هو المحقّق السبزواري في الذخيرة.

مائع (١) آخر خمرا ، فشرباهما ، فاتّفق مصادفة أحدهما للواقع ومخالفة الآخر : فإمّا أن يستحقّا العقاب ، أو لا يستحقّه أحدهما ، أو يستحقّه من صادف قطعه الواقع دون الآخر ، أو العكس.

لا سبيل إلى الثاني والرابع ، والثالث مستلزم لإناطة استحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار ، وهو مناف لما يقتضيه العدل ، فتعيّن الأوّل (٢).

ويمكن الخدشة في الكلّ :

المناقشة في الإجماع

أمّا الإجماع ، فالمحصّل منه غير حاصل ، والمسألة عقليّة ، خصوصا مع مخالفة غير واحد ، كما عرفت من النهاية (٣) وستعرف من قواعد الشهيد قدس‌سره (٤) ، والمنقول منه ليس حجّة في المقام.

المناقشة في بناء العقلاء

وأمّا بناء العقلاء ، فلو سلّم فإنّما هو على مذمّة الشخص من حيث إنّ هذا الفعل يكشف عن وجود صفة الشقاوة فيه ، لا على نفس فعله ، كمن انكشف لهم من حاله أنّه بحيث لو قدر على قتل سيّده لقتله ؛ فإنّ المذمّة على المنكشف ، لا الكاشف.

ومن هنا يظهر الجواب عن قبح التجرّي ؛ فإنّه لكشف ما تجرّى به عن خبث الفاعل (٥) ، لا عن كون الفعل مبغوضا للمولى.

والحاصل : أنّ الكلام في كون هذا الفعل ـ الغير المنهيّ عنه واقعا ـ مبغوضا للمولى من حيث تعلّق اعتقاد المكلّف بكونه مبغوضا ، لا في أنّ

__________________

(١) في (ت) ونسخة بدل (ه) زيادة : «معيّن».

(٢) انظر ذخيرة المعاد : ٢٠٩ و ٢١٠.

(٣) راجع الصفحة السابقة.

(٤) انظر الصفحة ٤٩ ـ ٥٠.

(٥) في (ر) و (ص) زيادة : «لكونه جريئا عازما على العصيان والتمرّد».