درس فرائد الاصول - قطع و ظن (فشرده)

جلسه ۴: جلسه ۴

 

دلالة الأخبار الكثيرة على العفو عن التجرّي بمجرّد القصد إلى المعصية

نعم ، لو كان (١) التجرّي على المعصية بالقصد (٢) إلى المعصية فالمصرّح به في الأخبار الكثيرة العفو عنه (٣) ، وإن كان يظهر من أخبار أخر العقاب على القصد أيضا (٤) ، مثل :

قوله صلوات الله عليه : «نيّة الكافر شرّ من عمله» (٥).

وقوله : «إنّما يحشر الناس على نيّاتهم» (٦).

دلالة بعض الأخبار على العقاب في القصد

وما ورد من تعليل خلود أهل النار في النار ، وخلود أهل الجنّة في الجنّة ؛ بعزم كلّ من الطائفتين على الثبات على ما كان عليه من المعصية والطاعة لو خلّدوا في الدنيا (٧).

وما ورد من أنّه : «إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار ، قيل : يا رسول الله ، هذا القاتل ، فما بال المقتول؟! قال : لأنّه أراد قتل صاحبه» (٨).

__________________

(١) في (ت) ، (ص) و (ه) بدل «نعم لو كان» : «وأمّا».

(٢) في (ص) و (ه) بدل «بالقصد» : «بسبب القصد».

(٣) انظر الوسائل ١ : ٣٦ ـ ٤٠ ، الباب ٦ من أبواب مقدمة العبادات ، الحديث ٦ ، ٧ ، ٨ ، ١٠ ، ٢٠ و ٢١.

(٤) لم ترد «أيضا» في (ظ) و (م).

(٥) الوسائل ١ : ٣٥ ، الباب ٦ من أبواب مقدّمات العبادات ، الحديث ٣.

(٦) الوسائل ١ : ٣٤ ، الباب ٥ من أبواب مقدّمات العبادات ، الحديث ٥ ، إلاّ أنّ فيه : «إنّ الله يحشر ...».

(٧) الوسائل ١ : ٣٦ ، الباب ٦ من أبواب مقدّمات العبادات ، الحديث ٤.

(٨) الوسائل ١١ : ١١٣ ، الباب ٦٧ من أبواب جهاد العدوّ ، الحديث ١ ، إلاّ فيه بعد قوله «بسيفهما» : «على غير سنّة».

وما ورد في العقاب على فعل بعض المقدّمات بقصد ترتّب الحرام ، كغارس الخمر (١) والماشي لسعاية مؤمن (٢).

وفحوى ما دلّ على أنّ الرضا بفعل كفعله (٣) ، مثل ما عن أمير المؤمنين عليه‌السلام : أنّ (٤) «الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم ، وعلى الداخل إثمان : إثم الرضا ، وإثم الدخول (٥)» (٦).

وما ورد في تفسير قوله تعالى : ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾(٧) : من أنّ نسبة القتل إلى المخاطبين مع تأخّرهم عن القاتلين بكثير ؛ لرضاهم (٨) بفعلهم (٩).

ويؤيّده : قوله تعالى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾(١٠) ، وقوله تعالى : ﴿إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ

__________________

(١) الوسائل ١٢ : ١٦٥ ، الباب ٥٥ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٤ و ٥.

(٢) انظر الوسائل ١٩ : ٩ ، الباب ٢ من أبواب القصاص في النفس ، الحديث ٣ و ٥.

(٣) في (ظ) ، (ل) ، (م) ونسخة بدل (ه) : «كالفعل».

(٤) في (ل) و (م) : «مثل قوله عليه‌السلام : الراضي ...».

(٥) لم ترد عبارة «وعلى الداخل ـ إلى ـ الدخول» في (م).

(٦) نهج البلاغة : الحكمة ١٥٤ ، مع اختلاف ، والوسائل ١١ : ٤١١ ، الباب ٥ من أبواب الأمر والنهي ، الحديث ١٢.

(٧) آل عمران : ١٨٣.

(٨) في (ت) ، (ر) و (ظ) : «رضاهم» ، وفي (ه) : «برضاهم».

(٩) الكافي ٢ : ٤٠٩ ، الحديث ١ ، والوسائل ١١ : ٥٠٩ ، الباب ٣٩ من أبواب الأمر والنهي ، الحديث ٦.

(١٠) النور : ١٩.

تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾(١) ، وما ورد من أنّ : «من رضي بفعل فقد لزمه وإن لم يفعل» (٢) ، وقوله تعالى : ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً﴾(٣).

الجمع بين أخبار العفو والعقاب

ويمكن حمل الأخبار الأول على من ارتدع عن قصده بنفسه ، وحمل الأخبار الأخيرة على من بقي على قصده حتّى عجز عن الفعل لا باختياره.

أو يحمل الأول على من اكتفى بمجرّد القصد ، والثانية على من اشتغل بعد القصد ببعض المقدّمات ؛ كما يشهد له حرمة الإعانة على المحرّم ، حيث عمّمه بعض الأساطين (٤) لإعانة نفسه على الحرام ؛ ولعلّه لتنقيح المناط ، لا بالدلالة اللفظية.

أقسام التجرّي

ثمّ اعلم : أنّ (٥) التجرّي على أقسام ، يجمعها عدم المبالاة بالمعصية أو قلّتها (٦).

أحدها : مجرّد القصد إلى المعصية.

ثانيها : القصد مع الاشتغال بمقدّماته.

وثالثها : القصد مع التلبّس بما يعتقد كونه معصية.

__________________

(١) البقرة : ٢٨٤.

(٢) لم نعثر عليه بلفظه ، ويدلّ عليه ما تقدّم آنفا ، وما في الوسائل ١١ : ٤١٠ ، الباب ٥ من أبواب الأمر والنهي ، الحديثان ٤ و ٥.

(٣) القصص : ٨٣.

(٤) هو كاشف الغطاء في شرحه على القواعد (مخطوط) : الورقة ١٦.

(٥) كذا في (ت) و (ه) ، وفي (ظ) ، (ل) ، (م) ونسخة بدل (ص) : «وقد علم ممّا ذكرنا أنّ» ، وفي (ص) و (ر) : «ثمّ إنّ».

(٦) لم ترد عبارة «يجمعها عدم المبالاة بالمعصية أو قلّتها» في (ظ) و (م).

ورابعها : التلبّس بما يحتمل كونه معصية رجاء لتحقّق المعصية به.

وخامسها : التلبّس به لعدم المبالاة بمصادفة الحرام.

وسادسها (١) : التلبّس برجاء (٢) أن لا يكون معصية ، وخوف أن يكون معصية.

ويشترط في صدق التجرّي في الثلاثة الأخيرة : عدم كون الجهل عذرا عقليّا أو شرعيّا ـ كما في الشبهة المحصورة الوجوبيّة أو التحريميّة ـ ؛ وإلاّ لم يتحقّق احتمال المعصية وإن تحقّق احتمال المخالفة للحكم الواقعي ، كما في موارد أصالة البراءة واستصحابها.

ثمّ إنّ الأقسام الستّة كلّها مشتركة في استحقاق الفاعل للمذمّة من حيث خبث ذاته وجرأته (٣) وسوء سريرته ، وإنّما الكلام في تحقّق العصيان بالفعل المتحقّق في ضمنه التجرّي. وعليك بالتأمّل في كلّ من الأقسام.

ما أفاده الشهيد حول بعض الأقسام المذكورة

قال الشهيد قدس‌سره في القواعد :

لا يؤثّر نيّة المعصية عقابا ولا ذمّا ما لم يتلبّس بها ، وهو (٤) ما (٥) ثبت في الأخبار العفو عنه (٦).

ولو نوى المعصية وتلبّس بما يراه معصية ، فظهر خلافها ، ففي

__________________

(١) كذا في (ظ) ، وفي غيرها : «والثاني ، والثالث ، والرابع ، والخامس ، والسادس».

(٢) في (ه) ومصحّحة (ت) بدل «التلبّس برجاء» : «التلبّس به رجاء».

(٣) لم ترد «وجرأته» في (ظ) ، (ل) و (م).

(٤) كذا في (ر) ، (ص) ، (ظ) ، (ل) ، (م) والمصدر ، وفي (ت) و (ه) : «وهي».

(٥) كذا في (ظ) والمصدر ، وفي غيرهما : «ممّا».

(٦) الوسائل ١ : ٣٥ ، الباب ٦ من أبواب مقدّمة العبادات ، الأحاديث ٦ ، ٨ ، ١٠ ، ٢٠ و ٢١.

تأثير هذه النيّة نظر :

من أنّها لمّا لم تصادف المعصية صارت كنيّة مجرّدة ، وهو (١) غير مؤاخذ بها.

ومن دلالتها على انتهاك الحرمة وجرأته على المعاصي. وقد ذكر بعض الأصحاب (٢) : أنّه لو شرب المباح تشبّها بشرب المسكر فعل حراما ، ولعلّه ليس لمجرّد النيّة ، بل بانضمام فعل الجوارح.

ويتصوّر محلّ النظر في صور :

منها : ما لو وجد امرأة في منزل غيره ، فظنّها أجنبيّة فأصابها ، فبان أنّها زوجته أو أمته.

ومنها : ما لو وطئ زوجته بظنّ أنّها حائض ، فبانت طاهرة.

ومنها : ما (٣) لو هجم على طعام بيد غيره فأكله ، فتبيّن أنّه ملكه.

ومنها : ما (٤) لو ذبح شاة بظنّها للغير بقصد العدوان ، فظهرت ملكه.

ومنها : ما إذا قتل نفسا بظنّ أنّها معصومة ، فبانت مهدورة.

وقد قال بعض العامّة : نحكم بفسق المتعاطي ذلك ؛ لدلالته على عدم المبالاة بالمعاصي ، ويعاقب في الآخرة ـ ما لم يتب ـ عقابا متوسّطا بين الصغيرة والكبيرة. وكلاهما تحكّم وتخرّص على الغيب (٥) ، انتهى.

__________________

(١) كذا في (ر) ، (ص) ، (ظ) ، (ل) ، (م) والمصدر ، وفي (ت) و (ه) : «وهي».

(٢) هو أبو الصلاح الحلبي في كتابه (الكافي في الفقه) : ٢٧٩.

(٣) لم ترد «ما» في (ر) ، (ظ) ، (ل) ، (م) والمصدر.

(٤) لم ترد «ما» في (ر) ، (ظ) ، (م) والمصدر.

(٥) القواعد والفوائد ١ : ١٠٧ ـ ١٠٨.

الثاني

عدم حجّية القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة عند الأخباريّين

أنّك قد عرفت (١) : أنّه لا فرق فيما يكون العلم فيه كاشفا محضا بين أسباب العلم ، وينسب إلى غير واحد من أصحابنا الأخباريّين (٢) عدم الاعتماد على القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة القطعيّة (٣) الغير الضروريّة ؛ لكثرة وقوع الاشتباه والغلط فيها ، فلا يمكن الركون إلى شيء منها.

مناقشة الأخباريّين

فإن أرادوا عدم جواز الركون بعد حصول القطع ، فلا يعقل ذلك في مقام اعتبار العلم من حيث الكشف ؛ ولو أمكن الحكم بعدم اعتباره لجرى مثله في القطع الحاصل من المقدّمات الشرعيّة طابق النعل بالنعل.

وإن أرادوا عدم جواز الخوض في المطالب العقليّة لتحصيل المطالب الشرعيّة ؛ لكثرة وقوع الغلط والاشتباه فيها ، فلو سلّم ذلك واغمض عن المعارضة بكثرة ما يحصل من الخطأ في فهم المطالب من الأدلّة الشرعيّة ، فله وجه ، وحينئذ : فلو خاض فيها وحصل القطع بما

__________________

(١) راجع الصفحة ٣١.

(٢) كالأمين الأسترابادي ، والمحدّث الجزائري ، والمحدّث البحراني ، كما سيأتي.

(٣) لم ترد «القطعيّة» في (ظ) ، (ل) و (م).

لا يوافق الحكم الواقعي لم يعذر في ذلك ؛ لتقصيره في مقدّمات التحصيل. إلاّ أنّ الشأن في ثبوت كثرة الخطأ أزيد ممّا يقع في فهم المطالب من الأدلّة الشرعيّة.

وقد عثرت ـ بعد ما ذكرت هذا ـ على كلام يحكى عن المحدّث الأسترابادي في فوائده المدنيّة ، قال ـ في عداد ما استدلّ به على انحصار الدليل في غير الضروريّات الدينيّة في السماع عن الصادقين عليهم‌السلام ـ (١) :

كلام المحدّث الأسترابادي في المسألة

الدليل التاسع مبنيّ على مقدّمة دقيقة شريفة تفطّنت لها بتوفيق الله تعالى ، وهي :

أنّ العلوم النظرية قسمان :

قسم ينتهي إلى مادّة هي قريبة من الإحساس ، ومن هذا القسم علم الهندسة والحساب وأكثر أبواب المنطق ، وهذا القسم لا يقع فيه الخلاف بين العلماء والخطأ في نتائج الأفكار ؛ والسبب في ذلك أنّ الخطأ في الفكر إمّا من جهة الصورة أو من جهة المادّة ، والخطأ من جهة الصورة لا يقع من العلماء ؛ لأنّ معرفة الصورة من الامور الواضحة عند الأذهان المستقيمة ، والخطأ من جهة المادّة لا يتصوّر في هذه العلوم ؛ لقرب الموادّ فيها إلى الإحساس.

وقسم ينتهي إلى مادّة هي بعيدة عن الإحساس ، ومن هذا القسم الحكمة الإلهيّة والطبيعية وعلم الكلام وعلم اصول الفقه والمسائل النظرية الفقهيّة وبعض القواعد المذكورة في كتب المنطق ؛ ومن ثمّ وقع الاختلافات والمشاجرات بين الفلاسفة في الحكمة الإلهيّة والطبيعيّة ، وبين

__________________

(١) في (ر) ، (ص) ، (ل) و (م) زيادة : «قال».

علماء الإسلام في اصول الفقه والمسائل الفقهيّة وعلم الكلام ، وغير ذلك.

والسبب في ذلك : أنّ القواعد المنطقيّة إنّما هي عاصمة من الخطأ من جهة الصورة ، لا من جهة المادّة (١) ، وليست في المنطق قاعدة بها يعلم أنّ كلّ مادّة مخصوصة داخلة في أيّ قسم من الأقسام ، ومن المعلوم امتناع وضع قاعدة تكفل بذلك.

ثمّ استظهر ببعض الوجوه تأييدا لما ذكره ، وقال بعد ذلك :

فإن قلت : لا فرق في ذلك بين العقليّات والشرعيّات ؛ والشاهد على ذلك ما نشاهد من كثرة الاختلافات الواقعة بين أهل الشرع في اصول الدين وفي الفروع الفقهيّة.

قلت : إنّما نشأ ذلك من ضمّ مقدّمة عقليّة باطلة بالمقدّمة النقليّة الظنيّة أو القطعيّة.

ومن الموضحات لما ذكرناه ـ من أنّه ليس في المنطق قانون يعصم عن الخطأ في مادّة الفكر ـ : أنّ المشّائيين ادّعوا البداهة في أنّ تفريق ماء كوز إلى كوزين إعدام لشخصه وإحداث لشخصين آخرين ، وعلى هذه المقدّمة بنوا إثبات الهيولى ، والإشراقيين ادّعوا البداهة في أنّه ليس إعداما للشخص الأوّل (٢) وإنّما انعدمت صفة من صفاته ، وهو الاتصال.

ثمّ قال :

إذا عرفت ما مهّدناه من (٣) الدقيقة الشريفة ، فنقول :

__________________

(١) في (ر) والمصدر ونسخة بدل (ص) زيادة ما يلي : «إذ أقصى ما يستفاد من المنطق في باب موادّ الأقيسة تقسيم الموادّ على وجه كلّي إلى أقسام».

(٢) في (ص) والمصدر زيادة : «وفي أنّ الشخص الأوّل باق».

(٣) في (ن) ، (ر) ، (ص) و (ه) زيادة : «المقدّمة».

إن تمسّكنا بكلامهم عليهم‌السلام فقد عصمنا من الخطأ ، وإن تمسّكنا بغيرهم لم نعصم عنه (١) ، انتهى كلامه.

والمستفاد من كلامه : عدم حجّية إدراكات العقل في غير المحسوسات وما تكون مبادئه قريبة من الإحساس.

وقد استحسن ما ذكره ـ إذا لم يتوافق عليه العقول (٢) ـ غير واحد ممّن تأخّر عنه ، منهم السيّد المحدّث الجزائري قدس‌سره في أوائل شرح التهذيب على ما حكي عنه. قال بعد ذكر كلام المحدّث المتقدّم بطوله :

كلام المحدث الجزائري في المسألة

وتحقيق المقام يقتضي ما ذهب إليه. فإن قلت : قد عزلت العقل عن الحكم في الاصول والفروع ، فهل يبقى له حكم في مسألة من المسائل؟

قلت : أمّا البديهيّات فهي له وحده ، وهو الحاكم فيها. وأمّا النظريات : فإن وافقه النقل وحكم بحكمه قدّم حكمه على النقل وحده ، وأمّا لو تعارض هو والنقلي (٣) فلا شكّ عندنا في ترجيح النقل وعدم ، الالتفات إلى ما حكم به العقل.

قال :

وهذا أصل يبتنى عليه مسائل كثيرة ، ثمّ ذكر جملة من المسائل

__________________

(١) الفوائد المدنيّة : ١٢٩ ـ ١٣١.

(٢) كذا في (ص) ، (ل) و (م) ، ولم ترد عبارة «إذا لم يتوافق عليه العقول» في (ه) ، وشطب عليها في (ت) ، ووردت في (ر) قبل قوله : «وقد استحسن» ، وفي نسخة بدل (ص) بدل «العقول» : «النقل».

(٣) كذا في (ت) ، (ر) ، (ظ) ونسخة بدل (ص) ، وفي (ص) ، (ه) و (م) : «تعارضا».

المتفرّعة (١).

مناقشة ما أفاده المحدث الجزائري

أقول : لا يحضرني شرح التهذيب حتّى الاحظ ما فرّع على ذلك ، فليت شعري! إذا فرض حكم العقل على وجه القطع بشيء ، كيف يجوز حصول القطع أو الظنّ من الدليل النقلي على خلافه؟ وكذا لو فرض حصول القطع من الدليل النقلي ، كيف يجوز حكم العقل بخلافه على وجه القطع؟

كلام المحدث البحراني في المسألة

وممّن وافقهما على ذلك في الجملة : المحدّث البحراني في مقدّمات الحدائق ، حيث نقل كلاما للسيّد المتقدّم في هذا المقام واستحسنه ، إلاّ أنّه صرّح بحجّية العقل الفطري الصحيح ، وحكم بمطابقته للشرع ومطابقة الشرع له. ثمّ قال :

لا مدخل للعقل في شيء من الأحكام الفقهيّة من عبادات وغيرها ، ولا سبيل إليها إلاّ السماع عن المعصوم عليه‌السلام ؛ لقصور العقل المذكور عن الاطّلاع عليها. ثمّ قال :

نعم ، يبقى الكلام بالنسبة إلى ما لا يتوقّف (٢) على التوقيف ، فنقول :

إن كان الدليل العقلي المتعلّق بذلك بديهيّا ظاهر البداهة ـ مثل : الواحد نصف الاثنين ـ فلا ريب في صحّة العمل به ، وإلاّ :

فإن لم يعارضه دليل عقليّ ولا نقليّ فكذلك.

وإن عارضه دليل عقليّ آخر : فإن تأيّد أحدهما بنقلي كان

__________________

(١) شرح التهذيب (مخطوط) : ٤٧.

(٢) في (ص) والمصدر : «يتوقّف» ، وما أثبتناه مطابق لسائر النسخ والدرر النجفية لصاحب الحدائق ، انظر الدرر النجفية : ١٤٧ ـ ١٤٨.

الترجيح له (١) ، وإلاّ فإشكال.

وإن عارضه دليل نقليّ : فإن تأيّد ذلك العقلي بدليل نقلي كان الترجيح للعقلي ـ إلاّ أنّ هذا في الحقيقة تعارض في النقليّات ـ وإلاّ فالترجيح للنقلي ، وفاقا للسيّد المحدّث المتقدّم ذكره ، وخلافا للأكثر.

هذا بالنسبة إلى العقلي بقول مطلق ، أمّا لو اريد به المعنى الأخصّ ، وهو الفطريّ الخالي عن شوائب الأوهام الذي هو حجّة من حجج الملك العلاّم ـ وإن شذّ وجوده في الأنام ـ ففي ترجيح النقليّ عليه إشكال (٢) ، انتهى.

مناقشة ما أفاده المحدث البحراني

ولا أدري كيف جعل الدليل النقلي في الأحكام النظريّة مقدّما على ما هو في البداهة من قبيل «الواحد نصف الاثنين» ؛ مع أنّ ضروريّات الدين والمذهب لم يزد في البداهة على ذلك؟! (٣)

والعجب ممّا ذكره في الترجيح عند تعارض العقل والنقل ، كيف يتصوّر الترجيح في القطعيّين ، وأيّ دليل على الترجيح المذكور؟!

وأعجب من ذلك : الاستشكال في تعارض العقليّين من دون

__________________

(١) كذا في (ل) ، (م) و (ه) ، وفي (ر) و (ص) بدل «له» : «للمتأيّد بالدليل النقلي» ، وفي (ت) هكذا : «له ، للتأييد النقلي» ، وفي نسخة بدل (ه) زيادة : «للتأيّد بالدليل النقلي».

(٢) الحدائق ١ : ١٢٦ ـ ١٣٣.

(٣) لم ترد عبارة «ولا أدري ـ إلى ـ على ذلك» في (ه) و (ت) ، وكتب عليها في (ص) : «زائد».

ترجيح ؛ مع أنّه لا إشكال في تساقطهما (١) ، و (٢) في تقديم العقلي الفطري الخالي عن شوائب الأوهام على الدليل النقلي (٣) ؛ مع أنّ العلم بوجود (٤) الصانع جلّ ذكره إمّا أن يحصل من هذا العقل الفطري ، أو ممّا دونه من العقليّات البديهية ، بل النظريات المنتهية إلى البداهة.

نظرية المصنف في المسألة

والذي يقتضيه النظر ـ وفاقا لأكثر أهل النظر ـ أنّه :

كلّما حصل القطع من دليل عقلي فلا يجوز أن يعارضه دليل نقلي ، وإن وجد ما ظاهره المعارضة فلا بدّ من تأويله إن لم يمكن طرحه.

وكلّما حصل القطع من دليل نقلي ـ مثل القطع الحاصل من إجماع جميع الشرائع على حدوث العالم زمانا ـ فلا يجوز أن يحصل القطع على خلافه من دليل عقلي ، مثل استحالة تخلّف الأثر عن المؤثّر ، ولو حصل منه صورة برهان كانت شبهة في مقابلة البديهة ، لكن هذا لا يتأتّى في العقل (٥) البديهي من قبيل : «الواحد نصف الاثنين» ، ولا في (٦) الفطري (٧)

__________________

(١) لم ترد عبارة «في تعارض ـ إلى ـ تساقطهما و» في (ظ) و (م).

(٢) في (ت) و (ه) زيادة : «كذا الاستشكال».

(٣) وردت في (ت) ، (ر) و (ه) بدل عبارة «في تقديم العقلي ـ إلى ـ النقلي» عبارة : «في تقديم النقلي على العقلي الفطري الخالي عن شوائب الأوهام».

(٤) في (ل) بدل «بوجود» : «بصفات».

(٥) في (ت) و (ص) : «العقلي».

(٦) لم ترد عبارة «البديهي ـ إلى ـ ولا في» في (ه).

(٧) ورد في (ت) بدل عبارة «العقل البديهي ـ إلى ـ الفطري» عبارة : «العقلي البديهي أو العقل الفطري».

الخالي عن شوائب الأوهام ، فلا بدّ في مواردهما (١) من التزام عدم حصول القطع من النقل على خلافه ؛ لأنّ الأدلّة القطعيّة النظريّة في النقليّات مضبوطة محصورة ليس فيها شيء يصادم العقل (٢) البديهي أو الفطري.

فإن قلت : لعلّ نظر هؤلاء في ذلك (٣) إلى ما يستفاد من الأخبار ـ مثل قولهم عليهم‌السلام : «حرام عليكم أن تقولوا بشيء ما لم تسمعوه منّا» (٤) ، وقولهم عليهم‌السلام : «لو أنّ رجلا قام ليله ، وصام نهاره ، وحجّ دهره ، وتصدّق بجميع ماله ، ولم يعرف ولاية وليّ الله ؛ فيكون أعماله بدلالته فيواليه ، ما كان له على الله ثواب» (٥) ، وقولهم عليهم‌السلام : «من دان الله بغير سماع من صادق فهو كذا وكذا ...» (٦) ، إلى غير ذلك ـ : من أنّ الواجب علينا هو امتثال أحكام الله تعالى التي بلّغها حججه عليهم‌السلام ، فكلّ حكم لم يكن الحجّة واسطة في تبليغه لم يجب امتثاله ، بل يكون من قبيل : «اسكتوا عمّا سكت الله عنه (٧)» (٨) ؛ فإنّ معنى سكوته عنه

__________________

(١) في (ظ) ، (ل) و (م) : «مواردها» وفي (ه) : «موارده».

(٢) في (ص) : «العقلي».

(٣) لم ترد «في ذلك» في (ظ) ، (ل) و (م).

(٤) الوسائل ١٨ : ٤٧ ، الباب ٧ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٢٥ ، وفيه : «شرّ» بدل «حرام».

(٥) الوسائل ١ : ٩١ ، الباب ٢٩ من أبواب مقدّمة العبادات ، الحديث ٢.

(٦) الوسائل ١٨ : ٥١ ، الباب ٧ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٣٧.

(٧) لم ترد «عنه» في (ت) ، (ل) و (ه).

(٨) لم نعثر عليه بعينه ، نعم جاء في نهج البلاغة هكذا : «وسكت عن أشياء ولم يدعها نسيانا فلا تتكلّفوها» ، نهج البلاغة ، الحكمة : ١٠٥.

عدم أمر أوليائه بتبليغه ، وحينئذ فالحكم المستكشف (١) بغير واسطة الحجّة ملغى (٢) في نظر الشارع وإن كان مطابقا للواقع ؛ كما يشهد به تصريح الإمام عليه‌السلام بنفي الثواب على التصدّق بجميع المال ، مع القطع بكونه محبوبا ومرضيّا عند الله.

ووجه الاستشكال في تقديم النقلي على العقلي (٣) الفطري السليم (٤) : ما ورد من النقل المتواتر على حجّية العقل ، وأنّه حجّة باطنة (٥) ، وأنّه ممّا (٦) يعبد به الرحمن ويكتسب به الجنان (٧) ، ونحوها ممّا يستفاد منه كون العقل السليم أيضا حجّة من الحجج ، فالحكم المستكشف به حكم بلّغه الرسول الباطني ، الذي هو شرع من داخل ، كما أنّ الشرع عقل من خارج (٨).

وممّا يشير إلى ما ذكرنا من قبل هؤلاء : ما ذكره السيّد الصدر رحمه‌الله في شرح الوافية ـ في جملة كلام له في حكم ما يستقلّ به العقل ـ ما لفظه :

__________________

(١) كذا في (م) ، وفي غيرها : «المنكشف».

(٢) في (ت) ، (ظ) و (م) : «يلغى».

(٣) في (ر) و (ه) : «العقل».

(٤) ورد في (ظ) ، (ل) و (م) بدل عبارة «النقلي على العقلي الفطري السليم» عبارة : «العقل الفطري السليم على الدليل النقلي».

(٥) كذا في (ر) ومصحّحة (م) ، وفي غيرهما : «باطنيّة».

(٦) في (ل) : «ما».

(٧) انظر الكافي ١ : ١٦ و ١١ ، الحديث ١٢ و ٣ من كتاب العقل والجهل.

(٨) الكافي ١ : ١٦ ، الحديث ١٢ ، والبحار ١ : ١٣٧ ، الحديث ٤.