درس فرائد الاصول - قطع و ظن (فشرده)

جلسه ۵: جلسه ۵

 

كلام السيد الصدر في المسألة

إنّ المعلوم هو أنّه يجب فعل شيء أو تركه (١) أو لا يجب إذا حصل الظنّ أو القطع بوجوبه أو حرمته أو غيرهما من جهة نقل قول المعصوم عليه‌السلام أو فعله أو تقريره ، لا أنّه يجب فعله أو تركه أو لا يجب مع حصولهما من أيّ طريق كان (٢) ، انتهى موضع الحاجة.

قلت :

أوّلا : نمنع مدخليّة توسّط تبليغ الحجّة في وجوب إطاعة حكم الله سبحانه ؛ كيف! والعقل بعد ما عرف أنّ الله تعالى لا يرضى بترك الشيء الفلاني ، وعلم بوجوب إطاعة الله ، لم يحتج ذلك إلى توسّط مبلّغ.

تفسير الأخبار الدالّة على مدخليّة تبليغ الحجّة

ودعوى : استفادة ذلك من الأخبار ، ممنوعة ؛ فإنّ المقصود من أمثال الخبر المذكور عدم جواز الاستبداد في الأحكام (٣) الشرعيّة بالعقول الناقصة الظنيّة ـ على ما كان متعارفا في ذلك الزمان من العمل بالأقيسة والاستحسانات ـ من غير مراجعة حجج الله ، بل في مقابلهم عليهم‌السلام (٤) ؛ وإلاّ فإدراك العقل القطعي للحكم المخالف للدليل النقلي على وجه لا يمكن الجمع بينهما (٥) في غاية الندرة ، بل لا نعرف وجوده ، فلا ينبغي

__________________

(١) لم ترد «أو تركه» في (ل) ، (م) والمصدر.

(٢) شرح الوافية (مخطوط) : ٢١٥.

(٣) كذا في (ت) ، (م) و (ه) ، وفي غيرها : «بالأحكام».

(٤) لم ترد عبارة «من غير مراجعة حجج الله ، بل في مقابلهم عليهم‌السلام» في (ظ) ، (ل) و (م).

(٥) ورد في (ظ) ، (ل) و (م) بدل عبارة «القطعي ـ إلى ـ بينهما» العبارة التالية : «البديهي لحكم شرعيّ نظري».

الاهتمام به في هذه الأخبار الكثيرة ، مع أنّ ظاهرها ينفي حكومة العقل ولو مع عدم المعارض (١). وعلى ما ذكرنا يحمل ما ورد من : «أنّ دين الله لا يصاب بالعقول» (٢).

وأمّا نفي الثواب على التصدّق مع عدم كون العمل (٣) بدلالة وليّ الله ، فلو ابقي على ظاهره دلّ على عدم الاعتبار بالعقل الفطري الخالي عن شوائب الأوهام ، مع اعترافه بأنّه حجّة من حجج الملك العلاّم ، فلا بدّ من حمله على التصدّقات الغير المقبولة ، مثل التصدّق على المخالفين لأجل تديّنهم بذلك الدين الفاسد ـ كما هو الغالب في تصدّق المخالف على المخالف ، كما في تصدّقنا على فقراء الشيعة ؛ لأجل محبّتهم لأمير المؤمنين عليه‌السلام وبغضهم لأعدائه ـ ، أو على أنّ المراد حبط ثواب التصدّق ؛ من أجل عدم المعرفة لوليّ الله ، أو على غير ذلك.

وثانيا : سلّمنا مدخليّة تبليغ الحجّة في وجوب الإطاعة ، لكنّا إذا علمنا إجمالا بأنّ حكم الواقعة الفلانية لعموم الابتلاء بها قد صدر يقينا من الحجّة ـ مضافا إلى ما ورد من قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله في خطبة حجّة الوداع (٤) : «معاشر الناس ما من شيء يقرّبكم إلى الجنّة ويباعدكم عن النار إلاّ أمرتكم به ، وما من شيء يقرّبكم إلى النار ويباعدكم عن الجنّة إلاّ وقد

__________________

(١) لم ترد عبارة «مع أنّ ظاهرها ـ إلى ـ المعارض» في (ظ) ، (ل) و (م).

(٢) كمال الدين : ٣٢٤ ، الحديث ٩ ، وعنه في البحار ٢ : ٣٠٣ ، الحديث ٤١ ، وفيه : «بالعقول الناقصة».

(٣) في غير (م) : «العمل به».

(٤) لم ترد عبارة «في خطبة حجّة الوداع» في (ظ) و (م).

نهيتكم عنه» (١) ـ ثمّ أدركنا ذلك الحكم إمّا بالعقل المستقلّ وإمّا بواسطة مقدّمة عقليّة ، نجزم من ذلك بأنّ ما استكشفناه بعقولنا صادر عن الحجّة صلوات الله عليه ، فيكون الإطاعة بواسطة الحجّة.

إلاّ أن يدّعى : أنّ الأخبار المتقدّمة وأدلّة وجوب الرجوع إلى الأئمة صلوات الله عليهم أجمعين تدلّ على مدخليّة تبليغ الحجّة وبيانه في طريق الحكم ، وأنّ كلّ حكم لم يعلم من طريق السماع عنهم عليهم‌السلام ولو بالواسطة فهو غير واجب الإطاعة ، وحينئذ فلا يجدي مطابقة الحكم المدرك لما صدر عن الحجّة عليه‌السلام.

لكن قد عرفت عدم دلالة الأخبار (٢) ، ومع تسليم ظهورها فهو أيضا من باب تعارض النقل الظنّي مع العقل القطعي ؛ ولذلك لا فائدة مهمّة في هذه المسألة ؛ إذ بعد ما قطع العقل بحكم وقطع بعدم رضا الله جلّ ذكره بمخالفته ، فلا يعقل ترك العمل بذلك ما دام هذا القطع باقيا ، فكلّ ما دلّ على خلاف ذلك فمؤوّل أو مطروح.

عدم جواز الركون إلى العقل فيما يتعلّق بمناطات الأحكام

نعم ، الإنصاف أنّ الركون إلى العقل فيما يتعلّق بإدراك مناطات الأحكام لينتقل منها إلى إدراك نفس الأحكام ، موجب للوقوع في الخطأ كثيرا في نفس الأمر ، وإن لم يحتمل ذلك عند المدرك ، كما يدلّ عليه الأخبار الكثيرة الواردة بمضمون : «أنّ دين الله لا يصاب بالعقول» (٣) ، و «أنّه لا شيء أبعد عن دين الله من عقول

__________________

(١) الوسائل ١٢ : ٢٧ ، الباب ١٢ من أبواب مقدّمات التجارة ، الحديث ٢.

(٢) راجع الصفحة ٦٠.

(٣) تقدّم الحديث في الصفحة السابقة.

الناس» (١).

وأوضح من ذلك كلّه : رواية أبان بن تغلب عن الصادق عليه‌السلام : «قال : قلت : رجل قطع إصبعا من أصابع المرأة ، كم فيها من الدية؟ قال : عشر من الإبل. قال : قلت : قطع إصبعين؟ قال : عشرون. قلت : قطع ثلاثا؟ قال : ثلاثون. قلت : قطع أربعا؟ قال : عشرون. قلت : سبحان الله! يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون ، ويقطع أربعا فيكون عليه عشرون؟! كان يبلغنا هذا ونحن بالعراق ، فقلنا : إنّ الذي جاء به شيطان! قال عليه‌السلام : مهلا يا أبان ، هذا حكم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية ، فإذا بلغت الثلث رجعت (٢) إلى النصف ، يا أبان ، إنّك أخذتني بالقياس ، والسنّة إذا قيست محق الدين» (٣).

وهي وإن كانت ظاهرة في توبيخ أبان على ردّ الرواية الظنّية ـ التي سمعها في العراق ـ بمجرّد استقلال عقله بخلافه ، أو على تعجّبه ممّا حكم به الإمام عليه‌السلام ؛ من جهة مخالفته لمقتضى القياس (٤) ، إلاّ أنّ مرجع الكلّ إلى التوبيخ على مراجعة العقل في استنباط الأحكام ، فهو توبيخ على المقدّمات المفضية إلى مخالفة الواقع.

__________________

(١) لم نعثر على هذا المضمون في المجاميع الحديثية ، نعم ورد في الوسائل ما يقرب منه ، انظر الوسائل ١٨ : ١٤٩ ، الباب ١٣ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٦٩ و ٧٣.

(٢) كذا في المصادر الحديثية ، وفي النسخ : «بلغ الثلث رجع».

(٣) الوسائل ١٩ : ٢٦٨ ، الباب ٤٤ من أبواب ديات الأعضاء ، الحديث الأوّل.

(٤) في (ظ) و (م) بدل «لمقتضى القياس» : «للقياس».

وقد أشرنا هنا وفي أوّل المسألة (١) إلى : عدم جواز الخوض لاستكشاف الأحكام الدينيّة ، في المطالب العقليّة ، والاستعانة بها في تحصيل مناط الحكم والانتقال منه إليه على طريق اللّم ؛ لأنّ انس الذهن بها يوجب عدم حصول الوثوق بما يصل إليه من الأحكام التوقيفيّة ، فقد يصير منشأ لطرح الأمارات النقليّة الظنّية ؛ لعدم حصول الظنّ له منها بالحكم.

ترك الخوض في المطالب العقليّة فيما يتعلّق باصول الدين

وأوجب من ذلك : ترك الخوض في المطالب العقليّة النظريّة لإدراك ما يتعلّق باصول الدين ؛ فإنّه تعريض للهلاك الدائم والعذاب الخالد ، وقد اشير إلى ذلك عند النهي عن الخوض في مسألة القضاء والقدر ، وعند نهي بعض أصحابهم صلوات الله عليهم عن المجادلة في المسائل الكلاميّة (٢).

لكنّ (٣) الظاهر من بعض تلك الأخبار : أنّ الوجه في النهي عن الأخير عدم الاطمئنان بمهارة الشخص المنهيّ في المجادلة ، فيصير مفحما عند المخالفين ، ويوجب ذلك وهن المطالب الحقّة في نظر أهل الخلاف (٤).

__________________

(١) انظر الصفحة ٥١.

(٢) انظر التوحيد ؛ للشيخ الصدوق : ٣٦٥ ، الباب ٦٠ (باب القضاء والقدر والفتنة) ، الحديث ٣ ، والصفحة : ٤٥٤ ، الباب ٦٧ (باب النهي عن الكلام والجدال والمراء في الله عزّ وجلّ) ، وانظر البحار ٥ : ١١٠ ، الحديث ٣٥ ، و ٣ : ٢٥٧ ، باب النهي عن التفكّر في ذات الله والخوض في مسائل التوحيد.

(٣) في (ت) و (ه) : «ولكنّ».

(٤) انظر البحار ٢ : ١٢٥ ، الحديث ٢.

الثالث

المشهور عدم اعتبار قطع القطّاع

قد اشتهر في ألسنة المعاصرين : أنّ قطع القطّاع لا اعتبار به.

ولعلّ الأصل في ذلك ما صرّح به كاشف الغطاء قدس‌سره ـ بعد الحكم بأنّ كثير الشكّ لا اعتبار بشكّه ـ قال :

كلام كاشف الغطاء في المسألة

وكذا من خرج عن العادة في قطعه أو (١) في ظنّه ، فيلغو اعتبارهما في حقّه (٢) ، انتهى.

مناقشة ما أفاده كاشف الغطاء

أقول : أمّا عدم اعتبار ظنّ من خرج عن العادة في ظنّه ؛ فلأنّ أدلّة اعتبار الظنّ ـ في مقام يعتبر فيه ـ مختصّة بالظنّ الحاصل من الأسباب التي يتعارف حصول الظنّ منها لمتعارف الناس لو وجدت تلك الأسباب عندهم على النحو الذي وجد عند هذا الشخص ، فالحاصل من غيرها يساوي الشكّ في الحكم.

وأمّا قطع من خرج قطعه عن العادة : فإن اريد بعدم اعتباره عدم اعتباره في الأحكام التي يكون القطع موضوعا لها ـ كقبول شهادته

__________________

(١) في (ت) والمصدر : «وفي».

(٢) كشف الغطاء : ٦٤.

وفتواه ونحو ذلك ـ فهو حقّ ؛ لأنّ أدلّة اعتبار العلم في هذه المقامات لا تشمل هذا قطعا ، لكن ظاهر كلام من ذكره في سياق كثير الشكّ إرادة غير هذا القسم.

وإن اريد (١) عدم اعتباره في مقامات يعتبر القطع فيها من حيث الكاشفيّة والطريقيّة إلى الواقع :

فإن اريد بذلك أنّه حين قطعه كالشاكّ ، فلا شكّ في أنّ أحكام الشاكّ وغير العالم لا تجري في حقّه ؛ وكيف يحكم على القاطع بالتكليف بالرجوع إلى ما دلّ على عدم الوجوب عند عدم العلم ، والقاطع بأنّه صلّى ثلاثا بالبناء على أنّه صلّى أربعا ، ونحو ذلك.

وإن اريد بذلك وجوب ردعه عن قطعه وتنزيله (٢) إلى الشكّ ، أو تنبيهه على مرضه ليرتدع بنفسه ، ولو بأن يقال له : إنّ الله سبحانه لا يريد منك الواقع ـ لو فرض عدم تفطّنه لقطعه بأنّ الله يريد الواقع منه ومن كلّ أحد ـ فهو حقّ ، لكنّه يدخل في باب الإرشاد ، ولا يختصّ بالقطّاع ، بل بكلّ من قطع بما يقطع بخطئه فيه من الأحكام الشرعيّة والموضوعات الخارجيّة المتعلّقة بحفظ النفوس والأعراض ، بل الأموال في الجملة ، وأمّا في ما عدا ذلك ممّا يتعلّق بحقوق الله سبحانه ، فلا دليل على وجوب الردع في القطّاع ، كما لا دليل عليه في غيره.

ولو بني على وجوب ذلك في حقوق الله سبحانه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ كما هو ظاهر بعض النصوص والفتاوى ـ

__________________

(١) في (ر) زيادة : «به».

(٢) في (ت) و (ه) : «بتنزيله» ، وفي (ل) : «وتنزّله».

لم يفرّق أيضا بين القطّاع وغيره.

وإن اريد بذلك أنّه بعد انكشاف الواقع لا يجزي ما أتى به على طبق قطعه ، فهو أيضا حقّ في الجملة ؛ لأنّ المكلّف إن كان تكليفه حين العمل مجرّد الواقع من دون مدخليّة للاعتقاد ، فالمأتيّ به المخالف للواقع لا يجزي عن الواقع ، سواء القطّاع وغيره. وإن كان للاعتقاد مدخل فيه ـ كما في أمر الشارع بالصلاة إلى ما يعتقد كونها قبلة ـ فإنّ قضيّة هذا كفاية القطع المتعارف ، لا قطع القطّاع ، فيجب عليه الإعادة وإن لم تجب على غيره.

توجيه الحكم بعدم اعتبار قطع القطّاع

ثمّ إنّ بعض المعاصرين (١) وجّه الحكم بعدم اعتبار قطع القطّاع ـ بعد تقييده بما إذا علم القطّاع أو احتمل أن يكون حجيّة قطعه مشروطة بعدم كونه قطّاعا ـ : بأنّه يشترط في حجّية القطع عدم منع الشارع عنه وإن كان العقل أيضا قد يقطع بعدم المنع ، إلاّ أنّه إذا احتمل المنع يحكم بحجّية القطع ظاهرا ما لم يثبت المنع.

مناقشة التوجيه المذكور

وأنت خبير بأنّه يكفي في فساد ذلك عدم تصوّر القطع بشيء وعدم ترتيب آثار ذلك الشيء عليه مع فرض كون الآثار آثارا له.

والعجب أنّ المعاصر مثّل لذلك بما إذا قال المولى لعبده : لا تعتمد في معرفة أوامري على ما تقطع به من قبل عقلك ، أو يؤدّي إليه حدسك ، بل اقتصر على ما يصل إليك منّي بطريق المشافهة أو المراسلة (٢). وفساده يظهر ممّا سبق من أوّل المسألة إلى هنا.

__________________

(١) هو صاحب الفصول في الفصول : ٣٤٣.

(٢) كذا في (م) ، وفي غيرها : «والمراسلة».