درس فرائد الاصول - قطع و ظن (فشرده)

جلسه ۷: جلسه ۷

 

[المقام الثاني] : (١)

هل يكفي العلم الإجمالي في الامتثال

ولنقدّم الكلام في المقام الثاني (٢) ، وهو كفاية العلم الإجمالي في الامتثال ، فنقول :

الامتثال الإجمالي في العبادات

مقتضى القاعدة : جواز الاقتصار في الامتثال بالعلم (٣) الإجمالي بإتيان المكلّف به ؛ أمّا فيما لا يحتاج سقوط التكليف فيه إلى قصد الإطاعة ففي غاية الوضوح ، وأمّا فيما يحتاج إلى قصد الإطاعة ، فالظاهر أيضا تحقّق الإطاعة إذا قصد الإتيان بشيئين يقطع بكون أحدهما المأمور به.

ودعوى : أنّ العلم بكون المأتيّ به مقرّبا معتبر حين الإتيان به ولا يكفي العلم بعده بإتيانه ، ممنوعة ؛ إذ لا شاهد لها بعد تحقّق الإطاعة بغير ذلك أيضا.

فيجوز لمن تمكّن من تحصيل العلم التفصيلي بأداء العبادات العمل بالاحتياط وترك تحصيل العلم التفصيلي.

لكن الظاهر ـ كما هو المحكيّ عن بعض (٤) ـ : ثبوت الاتّفاق على

__________________

(١) العنوان منّا.

(٢) وسيأتي البحث في المقام الأوّل في الصفحة ٧٧.

(٣) في (ه) : «على العلم».

(٤) هو صاحب الحدائق ، كما سيشير إليه المصنّف ١ في مبحث الاشتغال ٢ : ٤٠٩ ـ ٤١٠ ، انظر الحدائق ٥ : ٤٠١.

لو توقّف الاحتياط على تكرار العبادة

عدم جواز الاكتفاء بالاحتياط إذا توقّف على تكرار العبادة ، بل ظاهر المحكيّ عن الحلّي (١) ـ في مسألة الصلاة في الثوبين ـ : عدم جواز التكرار للاحتياط حتّى مع عدم التمكّن من العلم التفصيلي ، وإن كان ما ذكره من التعميم (٢) ممنوعا ، وحينئذ (٣) فلا يجوز لمن تمكّن من تحصيل العلم بالماء المطلق ، أو بجهة القبلة ، أو في ثوب طاهر ، أن يتوضّأ وضوءين يقطع بوقوع أحدهما بالماء المطلق ، أو يصلّي إلى جهتين يقطع بكون أحدهما القبلة ، أو في ثوبين يقطع بطهارة أحدهما.

لكنّ الظاهر من صاحب المدارك قدس‌سره : التأمّل ـ بل ترجيح الجواز ـ في المسألة الأخيرة (٤) ، ولعلّه متأمّل في الكلّ ؛ إذ لا خصوصيّة للمسألة الأخيرة.

لو لم يتوقّف الاحتياط على التكرار

وأمّا إذا لم يتوقّف الاحتياط على التكرار ـ كما إذا أتى بالصلاة مع جميع ما يحتمل أن يكون جزءا ـ فالظاهر عدم ثبوت اتّفاق على المنع ووجوب تحصيل اليقين التفصيلي ، لكن لا يبعد ذهاب المشهور إلى ذلك ، بل ظاهر كلام السيّد الرضيّ رحمه‌الله ـ في مسألة الجاهل بوجوب القصر ـ وظاهر تقرير أخيه السيّد المرتضى (٥) رحمه‌الله له : ثبوت الإجماع

__________________

(١) انظر السرائر ١ : ١٨٥.

(٢) «من التعميم» من (ر) و (ص).

(٣) لم ترد عبارة «وإن كان ـ إلى ـ حينئذ» في (ظ) ، (ل) و (م).

(٤) المدارك ٢ : ٣٥٦.

(٥) لم نقف عليه ، وحكاه الشهيدان في الذكرى (الطبعة الحجريّة) : ٢٠٩ ، وروض الجنان : ٣٩٨ عن السيّد المرتضى ، نعم يوجد نظير هذا في أجوبة المسائل الرسيّة الثانية للسيّد المرتضى ، انظر رسائل الشريف المرتضى ٢ : ٣٨٣ ـ ٣٨٤.

على بطلان صلاة من لا يعلم أحكامها.

هذا كلّه في تقديم العلم التفصيلي على الإجمالي.

هل يقدّم الظنّ التفصيلي المعتبر على العلم الإجمالي؟

وهل يلحق بالعلم التفصيلي الظنّ التفصيلي المعتبر ، فيقدّم على العلم الإجمالي ، أم لا؟

لو كان الظنّ ممّا ثبت اعتباره بدليل الانسداد

التحقيق أن يقال : إنّ الظنّ المذكور إن كان ممّا لم يثبت اعتباره إلاّ من جهة دليل الانسداد ـ المعروف بين المتأخّرين لإثبات حجّية الظنّ المطلق ـ فلا إشكال في جواز ترك تحصيله والأخذ بالاحتياط إذا لم يتوقّف على التكرار.

والعجب ممّن (١) يعمل بالأمارات من باب الظنّ المطلق ، ثمّ يذهب إلى عدم صحّة عبادة تارك طريق الاجتهاد والتقليد والأخذ بالاحتياط ، ولعلّ الشبهة من جهة اعتبار قصد الوجه.

ولإبطال هذه الشبهة ، وإثبات صحّة عبادة المحتاط محلّ آخر (٢).

وأمّا لو توقّف الاحتياط على التكرار ، ففي جواز الأخذ به وترك تحصيل الظنّ بتعيين المكلّف به أو عدم الجواز ، وجهان :

من أنّ العمل بالظنّ المطلق لم يثبت إلاّ جوازه وعدم وجوب تقديم الاحتياط عليه ، أمّا تقديمه على الاحتياط فلم يدلّ عليه دليل. ومن أنّ الظاهر أنّ تكرار العبادة احتياطا في الشبهة الحكميّة مع ثبوت الطريق إلى الحكم الشرعي ـ ولو كان هو الظنّ المطلق ـ خلاف السيرة المستمرّة بين العلماء ، مع أنّ جواز العمل بالظنّ إجماعيّ ، فيكفي

__________________

(١) هو المحقّق القمي ، انظر القوانين ١ : ٤٤٠ ، و ٢ : ١٤٤.

(٢) الكلام في ذلك موكول إلى الفقه ، انظر كتاب الطهارة للمؤلف ٢ : ٣٥.

في عدم جواز الاحتياط بالتكرار احتمال عدم جوازه واعتبار الاعتقاد التفصيلي في الامتثال.

والحاصل : أنّ الأمر دائر بين تحصيل الاعتقاد التفصيلي ولو كان ظنّا ، وبين تحصيل العلم بتحقّق الإطاعة ولو إجمالا ، فمع قطع النظر عن الدليل الخارجي يكون الثاني مقدّما على الأوّل في مقام الإطاعة ؛ بحكم العقل والعقلاء ، لكن بعد العلم بجواز الأوّل والشكّ في جواز الثاني في الشرعيّات ـ من جهة منع جماعة من الأصحاب عن ذلك وإطلاقهم اعتبار نيّة الوجه (١) ـ فالأحوط ترك ذلك وإن لم يكن واجبا ؛ لأنّ نيّة الوجه لو قلنا باعتباره (٢) فلا نسلّمه إلاّ مع العلم بالوجه أو الظنّ الخاصّ ، لا الظنّ المطلق الذي لم يثبت القائل به جوازه إلاّ بعدم وجوب الاحتياط ، لا بعدم جوازه ، فكيف يعقل تقديمه على الاحتياط؟

لو كان الظنّ ممّا ثبت اعتباره بالخصوص

وأمّا لو كان الظنّ ممّا ثبت اعتباره بالخصوص ، فالظاهر أنّ تقديمه على الاحتياط إذا لم يتوقّف على التكرار مبنيّ على اعتبار قصد الوجه ، وحيث قد رجّحنا في مقامه (٣) عدم اعتبار نيّة الوجه ؛ فالأقوى جواز ترك تحصيل الظنّ والأخذ بالاحتياط. ومن هنا يترجّح القول بصحّة عبادة المقلّد إذا أخذ بالاحتياط وترك التقليد ، إلاّ أنّه خلاف

__________________

(١) كالسيّد ابن زهرة في الغنية : ٥٣ ، والحلّي في السرائر ١ : ٩٨ ، والمحقّق في الشرائع ١ : ٢٠ و ٧٨ ، والعلاّمة في نهاية الإحكام ١ : ٢٩ و ٤٤٧ ، والتذكرة ١ : ١٤٠ ، والمحقّق الثاني في جامع المقاصد ١ : ٢٠١ وغيرهم.

(٢) كذا في النسخ.

(٣) راجع كتاب الصلاة ١ : ٢٦٨ ـ ٢٧٠ ، وكتاب الطهارة ٢ : ٣٩ ـ ٤٥.