درس فرائد الاصول - قطع و ظن (فشرده)

جلسه ۱۵: جلسه ۱۵

 

وعلى الثاني : فإن ثبت جواز الاستدلال بكلّ قراءة ـ كما ثبت بالإجماع جواز القراءة بكلّ قراءة ـ كان الحكم كما تقدّم ، وإلاّ فلا بدّ من التوقّف في محلّ التعارض والرجوع إلى القواعد مع عدم المرجّح ، أو مطلقا بناء على عدم ثبوت الترجيح هنا (١) ، فيحكم باستصحاب الحرمة قبل الاغتسال ؛ إذ لم يثبت تواتر التخفيف ، أو بالجواز بناء على عموم قوله تعالى : ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾(٢) من حيث الزمان خرج منه أيّام الحيض على الوجهين في كون المقام من استصحاب حكم المخصّص أو العمل بالعموم الزمانيّ.

الثالث :

وقوع التحريف في القرآن لا يمنع من التمسّك بالظواهر

أنّ وقوع التحريف في القرآن ـ على القول به ـ لا يمنع من التمسّك بالظواهر ؛ لعدم العلم الإجماليّ باختلال الظواهر بذلك. مع أنّه لو علم لكان من قبيل الشبهة الغير المحصورة. مع أنّه لو كان من قبيل الشبهة المحصورة أمكن القول بعدم قدحه ؛ لاحتمال كون الظاهر المصروف عن ظاهره من الظواهر الغير المتعلّقة بالأحكام الشرعيّة العمليّة التي امرنا بالرجوع فيها إلى ظاهر الكتاب ، فافهم.

الرابع :

توهّم ودفع

قد يتوهّم (٣) : أنّ وجوب العمل بظواهر الكتاب بالإجماع مستلزم لعدم جواز العمل بظواهره (٤) ؛ لأنّ من تلك الظواهر ظاهر الآيات

__________________

(١) في (ص) و (ه) زيادة : «كما هو الظاهر».

(٢) البقرة : ٢٢٣.

(٣) ذكره المحقّق القمّي في القوانين ٢ : ١٠٩.

(٤) كذا في (ظ) ، (ل) و (م) ، وفي غيرها : «بظاهره».

الناهية عن العمل بالظنّ مطلقا حتّى ظواهر الكتاب.

وفيه : أنّ فرض وجود الدليل على حجّية الظواهر موجب لعدم ظهور الآيات الناهية في حرمة العمل بالظواهر.

مع أنّ ظواهر الآيات الناهية لو نهضت للمنع عن ظواهر الكتاب لمنعت عن حجّية أنفسها ، إلاّ أن يقال : إنّها لا تشمل أنفسها ، فتأمّل.

وبإزاء هذا التوهّم توهّم : أنّ خروج ظواهر الكتاب عن الآيات الناهية ليس من باب التخصيص ، بل من باب التخصّص ؛ لأنّ وجود القاطع على حجّيتها يخرجها عن غير العلم إلى العلم.

وفيه ما لا يخفى.

[حجّية الظواهر بالنسبة إلى من لم يقصد إفهامه](١)

تفصيل صاحب القوانين بين من قصد إفهامه وغيره

وأمّا التفصيل الآخر :

فهو الذي يظهر من صاحب القوانين ـ في آخر مسألة حجّية الكتاب (٢) ، وفي أوّل مسألة الاجتهاد والتقليد (٣) ـ وهو : الفرق بين من قصد إفهامه بالكلام ، فالظواهر حجّة بالنسبة إليه من باب الظنّ الخاصّ ـ سواء كان مخاطبا كما في الخطابات الشفاهيّة ، أم لا كما في الناظر في الكتب المصنّفة لرجوع كلّ من ينظر إليها ـ وبين من لم يقصد إفهامه بالخطاب ، كأمثالنا بالنسبة إلى أخبار الأئمّة عليهم‌السلام الصادرة عنهم في مقام الجواب عن سؤال السائلين ، وبالنسبة إلى الكتاب العزيز بناء على عدم كون خطاباته موجّهة إلينا وعدم كونه من باب تأليف المصنّفين ، فالظهور اللفظيّ ليس حجّة حينئذ لنا ، إلاّ من باب الظنّ المطلق الثابت حجّيته عند انسداد باب العلم.

توجيه هذا التفصيل :

ويمكن توجيه هذا التفصيل : بأنّ الظهور اللفظيّ ليس حجّة إلاّ من باب الظنّ النوعيّ ، وهو كون اللفظ بنفسه ـ لو خلّي وطبعه ـ مفيدا للظنّ بالمراد ، فإذا (٤) كان مقصود المتكلّم من الكلام إفهام من يقصد

__________________

(١) العنوان منّا.

(٢) القوانين ١ : ٣٩٨ ـ ٤٠٣.

(٣) القوانين ٢ : ١٠٣.

(٤) في (ت) ، (ر) ، (ص) و (ل) : «فإن».

إفهامه ، فيجب عليه إلقاء الكلام على وجه لا يقع معه الملقى إليه في خلاف المراد (١) ، بحيث لو فرض وقوعه في خلاف المقصود كان إمّا لغفلة منه في الالتفات إلى ما اكتنف به الكلام الملقى إليه (٢) ، وإمّا لغفلة من المتكلّم في إلقاء الكلام على وجه يفي بالمراد ، ومعلوم أنّ احتمال الغفلة من المتكلّم أو (٣) السامع احتمال مرجوح في نفسه ، مع انعقاد الإجماع من العقلاء والعلماء على عدم الاعتناء باحتمال الغفلة في جميع امور العقلاء ، أقوالهم وأفعالهم.

وأمّا إذا لم يكن الشخص مقصودا بالإفهام ، فوقوعه في خلاف المقصود لا ينحصر سببه في الغفلة ؛ فإنّا إذا لم نجد في آية أو رواية ما يكون صارفا عن ظاهرها ، واحتملنا أن يكون المخاطب قد فهم المراد بقرينة قد اختفت (٤) علينا ، فلا يكون هذا الاحتمال لأجل غفلة من المتكلّم أو منّا ؛ إذ لا يجب على المتكلّم إلاّ نصب القرينة لمن يقصد إفهامه.

مع أنّ عدم تحقّق الغفلة من المتكلّم في محلّ الكلام مفروض ؛ لكونه معصوما ، وليس اختفاء القرينة علينا مسبّبا عن غفلتنا عنها ، بل لدواعي الاختفاء الخارجة عن مدخليّة المتكلّم ومن القي إليه الكلام.

__________________

(١) كذا في (م) ، وفي (ر) ، (ص) و (ل) : «على وجه لا يقع المخاطب معه في خلاف المراد» ، وفي (ه) : «على وجه لا يقع المخاطب الملقى إليه معه في خلاف المراد» ، وفي (ت) و (ظ) : «على وجه لا يقع الملقى إليه في خلاف المراد».

(٢) لم ترد «الملقى إليه» في (ظ) ، (ل) و (م) ، وكتب عليها في (ت) : «زائد».

(٣) في (ت) ، (ل) و (ه) : «و».

(٤) في (ر) ، (ص) و (ل) : «اخفيت».

فليس هنا شيء يوجب بنفسه الظنّ بالمراد حتّى لو فرضنا الفحص ، فاحتمال وجود القرينة حين الخطاب واختفائه علينا ، ليس هنا ما يوجب مرجوحيّته حتّى لو تفحّصنا عنها ولم نجدها ؛ إذ لا يحكم العادة ـ ولو ظنّا ـ بأنّها لو كانت لظفرنا بها ؛ إذ كثير (١) من الامور قد اختفت علينا ، بل لا يبعد دعوى العلم بأنّ ما اختفى علينا من الأخبار والقرائن أكثر ممّا ظفرنا بها.

مع أنّا لو سلّمنا حصول الظنّ بانتفاء القرائن المتّصلة ، لكنّ القرائن الحاليّة وما اعتمد عليه المتكلّم من الامور العقليّة أو النقليّة الكليّة أو الجزئيّة المعلومة عند المخاطب الصارفة لظاهر الكلام ، ليست ممّا يحصل الظنّ بانتفائها بعد البحث والفحص.

ولو فرض حصول الظنّ من الخارج بإرادة الظاهر من الكلام لم يكن ذلك ظنّا مستندا إلى الكلام ، كما نبّهنا عليه في أوّل المبحث (٢).

وبالجملة : فظواهر الألفاظ حجّة ـ بمعنى عدم الاعتناء باحتمال إرادة خلافها ـ إذا كان منشأ ذلك الاحتمال غفلة المتكلّم في كيفيّة الإفادة أو المخاطب في كيفيّة الاستفادة ؛ لأنّ احتمال الغفلة ممّا هو مرجوح في نفسه ومتّفق على عدم الاعتناء به في جميع الامور ، دون ما إذا (٣) كان الاحتمال مسبّبا عن اختفاء امور لم تجر العادة القطعيّة أو الظنّية بأنّها لو كانت لوصلت إلينا.

__________________

(١) في (ظ) ، (ل) و (م) : «كثيرا».

(٢) راجع الصفحة ١٦١.

(٣) لم ترد «إذا» في (ت) ، (ر) و (ل).

ومن هنا ظهر : أنّ ما ذكرنا سابقا (١) ـ من اتّفاق العقلاء والعلماء على العمل بظواهر الكلام في الدعاوى ، والأقارير ، والشهادات ، والوصايا ، والمكاتبات ـ لا ينفع في ردّ هذا التفصيل ، إلاّ أن يثبت كون أصالة عدم القرينة حجّة من باب التعبّد ، ودون إثباتها خرط القتاد.

ودعوى : أنّ الغالب اتّصال القرائن ، فاحتمال اعتماد المتكلّم على القرينة المنفصلة مرجوح لندرته.

مردودة : بأنّ من المشاهد المحسوس تطرّق التقييد والتخصيص إلى أكثر العمومات والإطلاقات مع عدم وجوده في الكلام ، وليس إلاّ لكون الاعتماد في ذلك كلّه على القرائن المنفصلة ، سواء كانت منفصلة عند الاعتماد كالقرائن العقليّة والنقليّة الخارجيّة ، أم كانت مقاليّة متّصلة لكن عرض لها الانفصال بعد ذلك ؛ لعروض التقطيع للأخبار ، أو (٢) حصول التفاوت من جهة النقل بالمعنى ، أو غير ذلك ، فجميع ذلك ممّا لا يحصل الظنّ بأنّها لو كانت لوصلت إلينا.

مع إمكان أن يقال : إنّه لو حصل الظنّ لم يكن على اعتباره دليل خاصّ. نعم ، الظنّ الحاصل في مقابل احتمال الغفلة الحاصلة للمخاطب أو المتكلّم ممّا أطبق عليه العقلاء في جميع أقوالهم وأفعالهم.

هذا غاية ما يمكن من التوجيه لهذا التفصيل.

المناقشة في التفصيل المذكور

ولكنّ الإنصاف : أنّه لا فرق في العمل بالظهور اللفظيّ وأصالة عدم الصارف عن الظاهر بين من قصد إفهامه ومن لم يقصد ؛ فإنّ جميع

__________________

(١) راجع الصفحة ١٦١.

(٢) في (ه) : «و».

ما دلّ من إجماع العلماء وأهل اللسان على حجّية الظاهر بالنسبة إلى من قصد إفهامه جار في من لم يقصد ؛ لأنّ أهل اللسان إذا نظروا إلى كلام صادر من متكلّم إلى مخاطب ، يحكمون بإرادة ظاهره منه إذا لم يجدوا قرينة صارفة بعد الفحص في مظانّ وجودها ، ولا يفرّقون في استخراج مرادات المتكلّمين بين كونهم مقصودين بالخطاب وعدمه ، فإذا وقع المكتوب الموجّه من شخص إلى شخص بيد ثالث ، فلا يتأمّل في استخراج مرادات المتكلّم من الخطاب الموجّه (١) إلى المكتوب إليه ، فإذا فرضنا اشتراك هذا الثالث مع المكتوب إليه فيما أراد المولى منه (٢) ، فلا يجوز له الاعتذار في ترك الامتثال بعدم الاطّلاع على مراد المولى ، وهذا واضح لمن راجع الأمثلة العرفيّة.

هذا حال أهل اللسان في الكلمات الواردة إليهم ، وأمّا العلماء فلا خلاف بينهم في الرجوع إلى أصالة الحقيقة في الألفاظ المجرّدة عن القرائن الموجّهة من متكلّم إلى مخاطب ، سواء كان ذلك في الأحكام الجزئيّة ، كالوصايا الصادرة عن الموصي المعيّن إلى شخص معيّن ، ثمّ مسّت الحاجة إلى العمل بها مع فقد الموصى إليه ؛ فإنّ العلماء لا يتأمّلون في الإفتاء بوجوب العمل بظاهر ذلك الكلام الموجّه إلى الموصى إليه المفقود (٣). وكذا في الأقارير.

أم كان في الأحكام الكلّيّة ، كالأخبار الصادرة عن الأئمّة عليهم‌السلام

__________________

(١) في (ت) ، (ر) و (ص) : «المتوجّه».

(٢) في غير (ت) و (ه) : «منهم».

(٣) كذا في (ص) ، (ظ) ، (م) ونسخة بدل (ر) ، وفي غيرها : «المقصود».

مع كون المقصود منها تفهيم مخاطبيهم (١) لا غير ؛ فإنّه لم (٢) يتأمّل أحد من العلماء في استفادة الأحكام من ظواهرها معتذرا بعدم الدليل على حجّية أصالة عدم القرينة بالنسبة إلى غير المخاطب ومن قصد إفهامه.

ودعوى : كون ذلك منهم للبناء على كون الأخبار الصادرة عنهم عليهم‌السلام من قبيل تأليف المصنّفين ، واضحة الفساد.

مع أنّها لو صحّت لجرت في الكتاب العزيز ؛ فإنّه أولى بأن يكون من هذا القبيل ، فترتفع ثمرة التفصيل المذكور ؛ لأنّ المفصّل معترف (٣) بأنّ ظاهر الكلام الذي هو من قبيل تأليف المؤلّفين حجّة بالخصوص ، لا لدخوله في مطلق الظنّ ، وإنّما كلامه في اعتبار ظهور الكلام الموجّه إلى مخاطب خاصّ بالنسبة إلى غيره.

والحاصل : أنّ القطع حاصل لكلّ متتبّع في طريقة فقهاء المسلمين ، بأنّهم يعملون بظواهر الأخبار من دون ابتناء ذلك على حجّية الظنّ المطلق الثابتة بدليل الانسداد ، بل يعمل بها من يدّعي الانفتاح وينكر العمل بأخبار الآحاد ؛ مدّعيا كون معظم الفقه معلوما بالإجماع والأخبار المتواترة.

ويدلّ على ذلك أيضا : سيرة أصحاب الأئمّة عليهم‌السلام ؛ فإنّهم كانوا يعملون بظواهر الأخبار الواردة إليهم من الأئمّة الماضين عليهم‌السلام (٤) ،

__________________

(١) كذا في (ت) و (ه) ، وفي غيرهما : «مخاطبهم».

(٢) في (ر) ، (ص) و (ل) : «لا».

(٣) في (ر) ، (ص) وظاهر (ل) : «اعترف».

(٤) لم ترد عبارة «من الأئمّة الماضين عليهم‌السلام» في (ر) ، (م) ، (ص) و (ظ) ، ولم ترد «الماضين» في (ت).

كما (١) يعملون بظواهر الأقوال التي يسمعونها (٢) من أئمّتهم عليهم‌السلام ، لا يفرّقون بينهما إلاّ بالفحص وعدمه ، كما سيأتي (٣).

والحاصل : أنّ الفرق في حجّية أصالة الحقيقة وعدم القرينة بين المخاطب وغيره مخالف للسيرة القطعيّة من العلماء وأصحاب الأئمّة عليهم‌السلام.

هذا كلّه ، مع أنّ التوجيه المذكور لذلك التفصيل ـ لابتنائه على الفرق بين أصالة عدم الغفلة والخطأ في فهم المراد ، وبين مطلق أصالة عدم القرينة ـ يوجب عدم كون ظواهر الكتاب من الظنون المخصوصة وإن قلنا بشمول الخطاب للغائبين ؛ لعدم جريان أصالة عدم الغفلة في حقّهم مطلقا.

فما ذكره ـ من ابتناء كون ظواهر الكتاب ظنونا مخصوصة على شمول الخطاب للغائبين ـ غير سديد ؛ لأنّ الظنّ المخصوص إن كان هو الحاصل من المشافهة الناشئ عن ظنّ عدم الغفلة والخطأ ، فلا يجري في حقّ الغائبين وإن قلنا بشمول الخطاب لهم ، وإن كان هو الحاصل من أصالة عدم القرينة فهو جار في الغائبين وإن لم يشملهم الخطاب.

وممّا يمكن أن يستدلّ به أيضا ـ زيادة على ما مرّ من اشتراك أدلّة حجّية الظواهر ، من إجماعي العلماء وأهل اللسان ـ : ما ورد في الأخبار المتواترة معنى ، من الأمر بالرجوع إلى الكتاب وعرض الأخبار

__________________

(١) في (ص) زيادة : «كانوا».

(٢) في (ظ) و (م) : «سمعوها».

(٣) انظر الصفحة ٣٤٧.

عليه (١) ؛ فإنّ هذه الظواهر المتواترة حجّة للمشافهين بها ، فيشترك غير المشافهين ويتمّ (٢) المطلوب ، كما لا يخفى.

كلام صاحب القوانين فيها يرتبط بالتفصيل المتقدّم

وممّا ذكرنا تعرف النظر فيما ذكره المحقّق القمّي رحمه‌الله ـ بعد ما ذكر من عدم حجّية ظواهر الكتاب بالنسبة إلينا بالخصوص ـ بقوله :

فإن قلت : إنّ أخبار الثقلين تدلّ على كون ظاهر الكتاب حجّة لغير المشافهين بالخصوص.

فأجاب عنه : بأنّ رواية الثقلين ظاهرة في ذلك ؛ لاحتمال كون المراد التمسّك بالكتاب بعد ورود تفسيره عن الأئمّة عليهم‌السلام كما يقوله الأخباريّون ، وحجّية ظاهر رواية الثقلين بالنسبة إلينا مصادرة ؛ إذ لا فرق بين ظواهر الكتاب والسنّة في حقّ غير المشافهين بها (٣).

المتاقشة في كلام صاحب القوانين

توضيح النظر : أنّ العمدة في حجّية ظواهر الكتاب غير خبر الثقلين من الأخبار المتواترة الآمرة باستنباط الأحكام من ظواهر الكتاب (٤) ، وهذه الأخبار تفيد القطع بعدم إرادة الاستدلال بظواهر الكتاب بعد ورود تفسيرها من الأئمّة صلوات الله عليهم ، وليست ظاهرة في ذلك حتّى يكون التمسّك بظاهرها لغير المشافهين بها مصادرة.

__________________

(١) انظر الوسائل ٤ : ٨٢٨ ، الباب ٣ من أبواب قراءة القرآن ، و ١٨ : ٧٥ ـ ٨٩ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الأحاديث ١ ، ١٠ ، ١٢ ، ١٤ ، ١٥ ، ١٨ ، ٢٩ ، ٣٥ و ٣٧ ، والكافي ١ : ٥٩ ، باب الردّ إلى الكتاب والسنّة.

(٢) في (ت) و (ر) : «فيتمّ».

(٣) القوانين ٢ : ١٠٤.

(٤) تقدّمت الإشارة إلى كثير منها في الصفحة ١٤٥ ـ ١٤٩.

بل يمكن أن يقال : إنّ خبر الثقلين ليس له ظهور (١) إلاّ في وجوب إطاعتهما وحرمة مخالفتهما ، وليس في مقام اعتبار الظنّ الحاصل بهما في تشخيص الإطاعة والمعصية ، فافهم.

احتمال التفصيل المتقدّم في كلام صاحب المعالم

ثمّ إنّ لصاحب المعالم رحمه‌الله في هذا المقام كلاما يحتمل التفصيل المتقدّم (٢) ، لا بأس بالإشارة إليه ، قال ـ في الدليل الرابع من أدلّة حجّية خبر الواحد ، بعد ذكر انسداد باب العلم في غير الضروريّ من الأحكام ؛ لفقد الإجماع والسنّة المتواترة ، ووضوح كون أصل البراءة لا يفيد غير الظنّ ، وكون الكتاب ظنّي الدلالة ـ ما لفظه :

لا يقال : إنّ الحكم المستفاد من ظاهر الكتاب مقطوع لا مظنون ؛ وذلك بضميمة مقدّمة خارجيّة ، وهي قبح خطاب الحكيم بما له ظاهر وهو يريد خلافه من غير دلالة تصرف عن ذلك الظاهر.

سلّمنا ، ولكن ذلك ظنّ مخصوص ، فهو من قبيل الشهادة لا يعدل عنه إلى غيره إلاّ بدليل.

لأنّا نقول : أحكام الكتاب ـ كلّها ـ من قبيل خطاب المشافهة ، وقد مرّ أنّه مخصوص بالموجودين في زمن الخطاب ، وأنّ ثبوت حكمه في حقّ من تأخّر إنّما هو بالإجماع وقضاء الضرورة باشتراك التكليف بين الكلّ ، وحينئذ : فمن الجائز أن يكون قد اقترن ببعض تلك الظواهر ما يدلّهم على إرادة خلافها ؛ وقد وقع ذلك في مواضع علمناها بالإجماع

__________________

(١) وردت العبارة في (ص) ، (ل) ونسخة بدل (ه) هكذا : «وأمّا خبر الثقلين فيمكن منع ظهوره».

(٢) المتقدّم في الصفحة ١٦٠.

ونحوه ، فيحتمل الاعتماد في تعريفنا لسائرها على الأمارات المفيدة للظنّ القويّ ، وخبر الواحد من جملتها ، ومع قيام هذا الاحتمال ينفى القطع بالحكم.

ويستوي حينئذ : الظنّ المستفاد من ظاهر الكتاب والحاصل من غيره بالنظر إلى إناطة التكليف به ؛ لابتناء الفرق بينهما على كون الخطاب متوجّها إلينا ، وقد تبيّن خلافه. ولظهور اختصاص الإجماع والضرورة ـ الدالّين على المشاركة في التكليف المستفاد من ظاهر الكتاب ـ بغير صورة وجود الخبر الجامع للشرائط الآتية المفيدة للظنّ (١)(٢) ، انتهى كلامه ، رفع مقامه.

ولا يخفى : أنّ في كلامه قدس‌سره ـ على إجماله واشتباه المراد منه ؛ كما يظهر من المحشّين ـ مواقع للنظر والتأمّل.

* * *

عدم الفرق في حجّية الظواهر بين ما يفيد الظنّ بالمراد وغيره

ثمّ إنّك قد عرفت : أنّ مناط الحجّية والاعتبار في دلالة الألفاظ هو الظهور العرفيّ ، وهو كون الكلام بحيث يحمل عرفا على ذلك المعنى ولو بواسطة القرائن المقاميّة المكتنفة بالكلام ، فلا فرق بين إفادته الظنّ بالمراد وعدمها ، ولا بين وجود الظنّ الغير المعتبر على خلافه وعدمه ؛ لأنّ ما ذكرنا من الحجّة على العمل بها جار في جميع الصور المذكورة.

وما ربما يظهر من العلماء : من التوقّف في العمل بالخبر الصحيح المخالف لفتوى المشهور أو طرحه ، مع اعترافهم بعدم حجّية الشهرة ، فليس من جهة مزاحمة الشهرة لدلالة الخبر الصحيح من عموم أو

__________________

(١) في المصدر وهامش (ص) زيادة : «الراجح بأنّ التكليف بخلاف ذلك الظاهر».

(٢) المعالم : ١٩٣ ـ ١٩٤.

إطلاق ، بل من جهة مزاحمتها للخبر من حيث الصدور ؛ بناء على أنّ ما دلّ من الدليل على حجّية الخبر (١) من حيث السند لا يشمل المخالف للمشهور ؛ ولذا لا يتأمّلون في العمل بظواهر الكتاب والسنّة المتواترة إذا عارضها الشهرة.

فالتأمّل في الخبر المخالف للمشهور إنّما هو إذا خالفت الشهرة نفس الخبر ، لا عمومه أو إطلاقه ، فلا يتأمّلون في عمومه إذا كانت الشهرة على التخصيص.

نظريّة المحقّق الكلباسي والمناقشة فيها

نعم ، ربما يجري على لسان بعض متأخّري المتأخّرين من المعاصرين (٢) ، عدم الدليل على حجّية الظواهر إذا لم تفد الظنّ ، أو إذا حصل الظنّ الغير المعتبر على خلافها.

لكنّ الإنصاف : أنّه مخالف لطريقة أرباب اللسان والعلماء في كلّ زمان ؛ ولذا عدّ بعض الأخباريّين (٣) ـ كالاصوليّين (٤) ـ استصحاب حكم العامّ والمطلق حتّى يثبت المخصّص والمقيّد من الاستصحابات المجمع عليها ، وهذا وإن لم يرجع إلى الاستصحاب المصطلح إلاّ بالتوجيه ، إلاّ أنّ الغرض من الاستشهاد به بيان كون هذه القاعدة إجماعيّة.

تفصيل صاحب هداية المسترشدين والمناقشة فيه

وربما فصّل بعض من المعاصرين (٥) تفصيلا يرجع حاصله إلى ؛ أنّ

__________________

(١) في (ت) ، (ر) ، (ه) ونسخة بدل (ص) زيادة : «الواحد».

(٢) قيل : هو المحقّق الكلباسي ، وسيأتي من المصنّف في الصفحة ٥٩١ أنّه حكاه له بعض معاصريه عن شيخه.

(٣) هو المحدّث البحراني في الدرر النجفيّة : ٣٤.

(٤) انظر تمهيد القواعد : ٢٧١ ، والقواعد والفوائد ١ : ١٣٣.

(٥) هو الشيخ محمد تقي في هداية المسترشدين : ٤٠.