درس فرائد الاصول - قطع و ظن (فشرده)

جلسه ۱۶: جلسه ۱۶

 

إطلاق ، بل من جهة مزاحمتها للخبر من حيث الصدور ؛ بناء على أنّ ما دلّ من الدليل على حجّية الخبر (١) من حيث السند لا يشمل المخالف للمشهور ؛ ولذا لا يتأمّلون في العمل بظواهر الكتاب والسنّة المتواترة إذا عارضها الشهرة.

فالتأمّل في الخبر المخالف للمشهور إنّما هو إذا خالفت الشهرة نفس الخبر ، لا عمومه أو إطلاقه ، فلا يتأمّلون في عمومه إذا كانت الشهرة على التخصيص.

نظريّة المحقّق الكلباسي والمناقشة فيها

نعم ، ربما يجري على لسان بعض متأخّري المتأخّرين من المعاصرين (٢) ، عدم الدليل على حجّية الظواهر إذا لم تفد الظنّ ، أو إذا حصل الظنّ الغير المعتبر على خلافها.

لكنّ الإنصاف : أنّه مخالف لطريقة أرباب اللسان والعلماء في كلّ زمان ؛ ولذا عدّ بعض الأخباريّين (٣) ـ كالاصوليّين (٤) ـ استصحاب حكم العامّ والمطلق حتّى يثبت المخصّص والمقيّد من الاستصحابات المجمع عليها ، وهذا وإن لم يرجع إلى الاستصحاب المصطلح إلاّ بالتوجيه ، إلاّ أنّ الغرض من الاستشهاد به بيان كون هذه القاعدة إجماعيّة.

تفصيل صاحب هداية المسترشدين والمناقشة فيه

وربما فصّل بعض من المعاصرين (٥) تفصيلا يرجع حاصله إلى ؛ أنّ

__________________

(١) في (ت) ، (ر) ، (ه) ونسخة بدل (ص) زيادة : «الواحد».

(٢) قيل : هو المحقّق الكلباسي ، وسيأتي من المصنّف في الصفحة ٥٩١ أنّه حكاه له بعض معاصريه عن شيخه.

(٣) هو المحدّث البحراني في الدرر النجفيّة : ٣٤.

(٤) انظر تمهيد القواعد : ٢٧١ ، والقواعد والفوائد ١ : ١٣٣.

(٥) هو الشيخ محمد تقي في هداية المسترشدين : ٤٠.

الكلام إن كان مقرونا بحال أو مقال يصلح أن يكون صارفا عن المعنى الحقيقيّ ، فلا يتمسّك فيه بأصالة الحقيقة ، وإن كان الشكّ في أصل وجود الصارف أو كان هنا أمر منفصل يصلح لكونه صارفا ، فيعمل على أصالة الحقيقة.

وهذا تفصيل حسن متين ، لكنّه تفصيل في العمل بأصالة الحقيقة عند الشكّ في الصارف ، لا في حجّية الظهور اللفظيّ ، بل مرجعه (١) إلى تعيين الظهور العرفيّ وتمييزه عن موارد الإجمال ؛ فإنّ اللفظ في القسم الأوّل يخرج عن الظهور إلى الإجمال بشهادة العرف ؛ ولذا توقّف جماعة في المجاز المشهور ، والعامّ المتعقّب بضمير يرجع إلى بعض أفراده ، والجمل المتعدّدة المتعقّبة للاستثناء ، والأمر والنهي الواردين في مظانّ الحظر والإيجاب (٢) ، إلى غير ذلك ممّا احتفّ اللفظ بحال أو مقال يصلح لكونه صارفا ، ولم يتوقّف أحد في عامّ بمجرّد احتمال دليل منفصل يحتمل كونه مخصّصا له ، بل ربما يعكسون الأمر فيحكمون بنفي ذلك الاحتمال وارتفاع الإجمال لأجل ظهور العامّ ؛ ولذا لو قال المولى : أكرم العلماء ، ثمّ ورد قول آخر من المولى : إنّه لا تكرم زيدا ، واشترك زيد بين عالم وجاهل ، فلا يرفع اليد عن العموم بمجرّد الاحتمال ، بل يرفعون الإجمال بواسطة العموم ، فيحكمون بإرادة زيد الجاهل من النهي.

تفصيل السيّد المجاهد في المسألة

وبإزاء التفصيل المذكور تفصيل آخر ضعيف ، وهو : أنّ احتمال

__________________

(١) في (ر) ، (ص) و (ه) : «ومرجعه».

(٢) انظر المعالم : ٥٣ ، ٩٠ ، ١٣٧ و ١٢١ ، والقوانين ١ : ٨٨ ، ٨٩ ، ١٣٦ ، ٢٨٣ و ٣٠٠.

إرادة خلاف مقتضى اللفظ إن حصل من أمارة غير معتبرة ، فلا يصحّ رفع اليد عن الحقيقة ، وإن حصل من دليل معتبر فلا يعمل بأصالة الحقيقة ، ومثّل له بما إذا ورد في السنّة المتواترة عامّ ، وورد فيها أيضا خطاب مجمل يوجب الإجمال في ذلك العامّ ولا يوجب الظنّ بالواقع. قال : فلا دليل على لزوم العمل بالأصل تعبّدا. ثمّ قال :

ولا يمكن دعوى الإجماع على لزوم العمل بأصالة الحقيقة تعبّدا ؛ فإنّ أكثر المحقّقين توقّفوا في ما إذا تعارض الحقيقة المرجوحة مع المجاز الراجح (١) ، انتهى.

المناقشة في هذا التفصيل

ووجه ضعفه يظهر ممّا ذكر ؛ فإنّ التوقّف في ظاهر خطاب لأجل إجمال (٢) خطاب آخر ـ لكونه معارضا ـ ممّا لم يعهد من أحد من العلماء ، بل لا يبعد ما تقدّم (٣) : من حمل المجمل في أحد الخطابين على المبيّن في الخطاب الآخر.

وأمّا قياس ذلك على مسألة تعارض الحقيقة المرجوحة مع المجاز الراجح ، فعلم فساده ممّا ذكرنا في التفصيل المتقدّم : من أنّ الكلام المكتنف بما يصلح أن يكون صارفا قد اعتمد عليه المتكلّم في إرادة خلاف الحقيقة لا يعدّ من الظواهر ، بل من المجملات ، وكذلك المتعقّب بلفظ يصلح للصارفيّة ، كالعامّ المتعقّب بالضمير ، وشبهه ممّا تقدّم.

__________________

(١) هذا التفصيل للسيّد المجاهد في مفاتيح الاصول : ٣٥ ـ ٣٦.

(٢) في (ت) ، (ر) ، (ظ) ، (ل) ، (م) و (ه) : «احتمال».

(٣) في الصفحة السابقة.

وأمّا القسم الثاني (١) :

ما يستعمل لتشخيص الظواهر

وهو الظنّ الذي يعمل لتشخيص الظواهر ، كتشخيص أنّ اللفظ المفرد الفلانيّ كلفظ «الصعيد» أو صيغة «افعل» ، أو أنّ المركّب الفلانيّ كالجملة الشرطيّة ، ظاهر بحكم الوضع في المعنى الفلانيّ ، وأنّ الأمر الواقع عقيب الحظر ظاهر ـ بقرينة وقوعه في مقام رفع الحظر ـ في مجرّد رفع الحظر دون الإلزام.

هل قول اللغويين حجّة في الأوضاع اللغويّة ، أم لا؟

والظنّ الحاصل هنا يرجع إلى الظنّ بالوضع اللغويّ أو الانفهام العرفيّ ، والأوفق بالقواعد عدم حجّية الظنّ هنا ؛ لأنّ الثابت المتيقّن هي حجّية الظواهر ، وأمّا حجّية الظنّ في أنّ هذا ظاهر فلا دليل عليه ، عدا وجوه ذكروها في إثبات جزئيّ من جزئيّات (٢) هذه المسألة ، وهي حجّية قول اللغويّين في الأوضاع.

فإنّ المشهور كونه من الظنون الخاصّة التي ثبتت (٣) حجّيّتها مع قطع النظر عن انسداد باب العلم في الأحكام الشرعيّة وإن كانت الحكمة في اعتبارها انسداد باب العلم في غالب مواردها ؛ فإنّ الظاهر أنّ حكمة اعتبار أكثر الظنون الخاصّة ـ كأصالة الحقيقة المتقدّم ذكرها (٤) وغيرها ـ انسداد باب العلم في غالب مواردها من العرفيّات والشرعيّات.

__________________

(١) تقدّم الكلام في القسم الأوّل في الصفحة ١٣٧.

(٢) «جزئيّات» من (ت) و (ه).

(٣) كذا في (م) ، وفي غيرها : «ثبت».

(٤) تقدّم ذكرها في الصفحة ١٦٤.

والمراد بالظنّ المطلق ما ثبت اعتباره من أجل انسداد باب العلم بخصوص الأحكام الشرعيّة ، وبالظنّ الخاصّ ما ثبت اعتباره ، لا لأجل الاضطرار إلى اعتبار مطلق الظنّ بعد تعذّر العلم.

الاستدلال على الحجيّة بإجماع العلماء والعقلاء

وكيف كان : فاستدلّوا على اعتبار قول اللغويّين : باتّفاق العلماء بل جميع العقلاء على الرجوع إليهم في استعلام اللغات والاستشهاد بأقوالهم في مقام الاحتجاج ، ولم ينكر ذلك أحد على أحد ، وقد حكي عن السيّد رحمه‌الله في بعض كلماته : دعوى الإجماع على ذلك (١) ، بل ظاهر كلامه (٢) المحكيّ اتّفاق المسلمين.

قال الفاضل السبزواريّ ـ فيما حكي عنه في هذا المقام (٣) ـ ما هذا لفظه :

دعوى الإجماع في كلام المحقّق السبزواري

صحّة المراجعة إلى أصحاب الصناعات البارزين في صنعتهم البارعين في فنّهم في ما اختصّ بصناعتهم ، ممّا اتفق عليه العقلاء في كلّ عصر وزمان (٤) ، انتهى.

المناقشة في الإجماع

وفيه : أنّ المتيقّن من هذا الاتّفاق هو الرجوع إليهم مع اجتماع شرائط الشهادة من العدد والعدالة ونحو ذلك ، لا مطلقا ؛ ألا ترى أنّ أكثر علمائنا على اعتبار العدالة فيمن يرجع إليه من أهل الرجال ، بل

__________________

(١) لم نعثر عليه في كلمات السيد المرتضى ، ولا على الحاكي ، نعم حكاه السيد المجاهد عن السيد الاستاذ ، انظر مفاتيح الاصول : ٦١.

(٢) لم ترد «كلامه» في (م).

(٣) حكاه عنه السيد المجاهد في مفاتيح الاصول : ٦٢.

(٤) رسالة في الغناء (مخطوطة) للفاضل السبزواري ، لا توجد لدينا.

وبعضهم على اعتبار التعدّد ، والظاهر اتّفاقهم على اشتراط التعدّد والعدالة في أهل الخبرة في مسألة التقويم وغيرها.

هذا ، مع أنّه لا يعرف الحقيقة عن المجاز بمجرّد قول اللغويّ ـ كما اعترف به المستدلّ في بعض كلماته ـ فلا ينفع في تشخيص الظواهر.

مختار المصنّف في المسألة

فالإنصاف : أنّ الرجوع إلى أهل اللغة مع عدم اجتماع شروط الشهادة :

إمّا في مقامات يحصل العلم بالمستعمل فيه من مجرّد ذكر لغويّ واحد أو أزيد له على وجه يعلم كونه من المسلّمات عند أهل اللغة ، كما قد يحصل العلم بالمسألة الفقهيّة من إرسال جماعة (١) لها إرسال المسلّمات.

وإمّا في مقامات يتسامح فيها ؛ لعدم التكليف الشرعيّ بتحصيل العلم بالمعنى اللغويّ ، كما إذا اريد تفسير خطبة أو رواية لا تتعلّق بتكليف شرعيّ.

وإمّا في مقام انسدّ فيه طريق العلم ولا بدّ من العمل ، فيعمل بالظنّ بالحكم الشرعيّ المستند بقول أهل اللغة.

ولا يتوهّم : أنّ طرح قول اللغويّ الغير المفيد للعلم في ألفاظ الكتاب والسنّة مستلزم لانسداد طريق الاستنباط في غالب الأحكام.

لاندفاع ذلك : بأنّ أكثر موادّ اللغات إلاّ ما شذّ وندر ـ كلفظ «الصعيد» ونحوه (٢) ـ معلوم من العرف واللغة ، كما لا يخفى. والمتّبع في الهيئات هي القواعد العربيّة المستفادة من الاستقراء القطعيّ واتّفاق أهل

__________________

(١) في (ل) ونسخة بدل (ص) زيادة : «بل فقيه واحد».

(٢) لم ترد «كلفظ الصعيد ونحوه» في (ظ) و (م).

العربية ، أو التبادر بضميمة أصالة عدم القرينة ، فإنّه قد يثبت به الوضع الأصليّ الموجود في الحقائق ، كما في صيغة «افعل» أو الجملة الشرطيّة أو الوصفيّة ؛ ومن هنا يتمسّكون (١) ـ في إثبات مفهوم الوصف ـ بفهم أبي عبيدة في حديث : «ليّ الواجد» (٢) ، ونحوه غيره من موارد الاستشهاد بفهم أهل اللسان (٣). وقد يثبت به الوضع بالمعنى الأعمّ الثابت في المجازات المكتنفة بالقرائن المقاميّة ، كما يدّعى أنّ الأمر عقيب الحظر بنفسه ـ مجرّدا عن القرينة ـ يتبادر منه مجرّد رفع الحظر دون الإيجاب والإلزام. واحتمال كونه لأجل قرينة خاصّة ، يدفع بالأصل ، فيثبت به كونه لأجل القرينة العامّة ، وهى الوقوع في مقام رفع الحظر ؛ فيثبت بذلك ظهور ثانويّ لصيغة «افعل» بواسطة القرينة الكلّية.

وبالجملة : فالحاجة إلى قول اللغويّ الذي لا يحصل العلم بقوله ـ لقلّة مواردها ـ لا تصلح سببا للحكم باعتباره لأجل الحاجة.

نعم ، سيجيء (٤) : أنّ كلّ من عمل بالظنّ في مطلق الأحكام الشرعيّة الفرعيّة يلزمه العمل بالظنّ بالحكم الناشئ من الظنّ بقول اللغويّ ، لكنّه لا يحتاج إلى دعوى انسداد باب العلم في اللغات ، بل

__________________

(١) انظر القوانين : ١٧٨ ، والفصول : ١٥٢.

(٢) نصّ الحديث : «قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : ليّ الواجد بالدّين يحلّ عرضه وعقوبته ، ما لم يكن دينه فيما يكره الله عزّ وجلّ» الوسائل ١٣ : ٩٠ ، الباب ٨ من أبواب الدين والقرض ، الحديث ٤.

(٣) لم ترد في (م) : «أو الوصفيّة ـ إلى ـ أهل اللسان».

(٤) انظر الصفحة ٥٣٨.

العبرة عنده بانسداد باب العلم في معظم الأحكام ؛ فإنّه يوجب الرجوع إلى الظنّ بالحكم الحاصل من الظنّ باللغة وإن فرض انفتاح باب العلم فيما عدا هذا المورد من اللغات ، وسيتّضح هذا زيادة على هذا إن شاء الله تعالى.

هذا ، ولكنّ الإنصاف : أنّ مورد الحاجة إلى قول اللغويّين أكثر من أن يحصى في تفاصيل المعاني بحيث يفهم دخول الأفراد المشكوكة أو خروجها ، وإن كان المعنى في الجملة معلوما من دون مراجعة قول اللغويّ ، كما في مثل ألفاظ «الوطن» ، و «المفازة» ، و «التمر» ، و «الفاكهة» ، و «الكنز» ، و «المعدن» ، و «الغوص» ، وغير ذلك من متعلّقات الأحكام ممّا لا يحصى ، وإن لم تكن الكثرة بحيث يوجب التوقّف فيها محذورا ، ولعلّ هذا المقدار (١) مع الاتّفاقات المستفيضة كاف في المطلب ، فتأمّل (٢).

__________________

(١) لم ترد «المقدار» في (ت) و (ه).

(٢) لم ترد «هذا ولكن الإنصاف ـ إلى ـ فتأمّل» في (ظ) ، (ل) و (م).

[الإجماع المنقول](١)

هل الإجماع المنقول حجّة ، أم لا؟

ومن جملة الظنون الخارجة عن الأصل :

الإجماع المنقول بخبر الواحد ، عند كثير ممّن يقول باعتبار الخبر بالخصوص (٢) ؛ نظرا إلى أنّه من أفراده ، فيشمله أدلّته.

والمقصود من ذكره هنا ـ مقدّما على بيان الحال في الأخبار ـ هو التعرّض للملازمة بين حجّية الخبر وحجّيته ، فنقول :

إنّ ظاهر أكثر القائلين باعتباره بالخصوص : أنّ الدليل عليه هو الدليل على حجّية خبر العادل ، فهو عندهم كخبر صحيح عالي السند ؛ لأنّ مدّعي الإجماع يحكي مدلوله ويرويه عن الإمام عليه‌السلام بلا واسطة. ويدخل الإجماع ما يدخل الخبر من الأقسام ، ويلحقه ما يلحقه من الأحكام.

الكلام في الملازمة بين حجّية الخبر الواحد وحجّية الإجماع المنقول

والذي يقوى في النظر : هو عدم الملازمة بين حجّية الخبر وحجّية

__________________

(١) العنوان منّا.

(٢) منهم صاحب المعالم في المعالم : ١٨٠ ، وصاحب الفصول في الفصول : ٢٥٨ ، والمحقّق القمّي في القوانين ١ : ٣٨٤.

الإجماع المنقول ، وتوضيح ذلك يحصل بتقديم أمرين :

عدم حجّية الإخبار عن حدس

الأمر الأوّل : أنّ الأدلّة الخاصّة التي أقاموها على حجّية خبر العادل لا تدلّ إلاّ على حجّية الإخبار عن حسّ ؛ لأنّ العمدة من تلك الأدلّة هو الاتّفاق الحاصل من عمل القدماء وأصحاب الأئمّة عليهم‌السلام ، ومعلوم عدم شموله (١) إلاّ للرواية المصطلحة.

وكذلك الأخبار الواردة في العمل بالروايات.

دعوى وحدة المناط في العمل بالروايات والإجماع المنقول

اللهمّ إلاّ أن يدّعى : أنّ المناط في وجوب العمل بالروايات هو كشفها عن الحكم الصادر عن المعصوم ، ولا يعتبر في ذلك حكاية ألفاظ الإمام عليه‌السلام ؛ ولذا يجوز النقل بالمعنى ، فإذا كان المناط كشف الروايات عن صدور معناها عن الإمام عليه‌السلام ولو بلفظ آخر ، والمفروض أنّ حكاية الإجماع ـ أيضا ـ حكاية حكم صادر عن المعصوم عليه‌السلام بهذه العبارة التي هي معقد الإجماع أو بعبارة اخرى ، وجب العمل به.

ردّ الدعوى المذكورة

لكن هذا المناط لو ثبت دلّ على حجّية الشهرة ، بل فتوى الفقيه إذا كشف عن صدور الحكم بعبارة الفتوى أو بعبارة غيرها ، كما عمل بفتاوى عليّ بن بابويه قدس‌سره ؛ لتنزيل فتواه منزلة روايته ، بل على حجّية مطلق الظنّ بالحكم الصادر عن الإمام عليه‌السلام ، وسيجيء توضيح الحال (٢) إن شاء الله تعالى.

الاستدلال بآية النبأ على حجّية الإجماع المنقول

وأمّا الآيات : فالعمدة فيها من حيث وضوح الدلالة هي آية النبأ (٣) ،

__________________

(١) كذا في (ت) و (ه) ، وفي غيرهما : «شمولها».

(٢) انظر الصفحة ٣٥٧ ـ ٣٥٩.

(٣) الحجرات : ٦.

وهي إنّما تدلّ على وجوب قبول خبر العادل دون خبر الفاسق ، والظاهر منها ـ بقرينة التفصيل بين العادل حين الإخبار والفاسق ، وبقرينة تعليل اختصاص التبيّن بخبر الفاسق بقيام احتمال الوقوع في الندم احتمالا مساويا ؛ لأنّ الفاسق لا رادع له عن الكذب ـ هو : عدم الاعتناء باحتمال تعمّد كذبه ، لا وجوب البناء على إصابته وعدم خطائه في حدسه ؛ لأنّ الفسق والعدالة حين الإخبار لا يصلحان مناطين (١) لتصويب المخبر وتخطئته بالنسبة إلى حدسه ، وكذا احتمال الوقوع في الندم من جهة الخطأ في الحدس أمر مشترك بين العادل والفاسق ، فلا يصلح لتعليل الفرق به.

فعلمنا من ذلك : أنّ المقصود من الآية إرادة نفي احتمال تعمّد الكذب عن العادل حين الإخبار دون الفاسق ؛ لأنّ هذا هو الذي يصلح لإناطته بالفسق والعدالة حين الإخبار.

ومنه تبيّن : عدم دلالة الآية على قبول الشهادة الحدسيّة إذا قلنا بدلالة الآية على اعتبار شهادة العدل.

فإن قلت : إنّ مجرّد دلالة الآية على ما ذكر لا يوجب قبول (٢) الخبر ؛ لبقاء احتمال خطأ العادل فيما أخبر وإن لم يتعمّد الكذب ، فيجب التبيّن في خبر العادل أيضا ؛ لاحتمال خطائه وسهوه ، وهو خلاف الآية المفصّلة بين العادل والفاسق ، غاية الأمر وجوبه في خبر الفاسق من وجهين وفي العادل من جهة واحدة.

__________________

(١) في (ر) ، (ص) ، (ظ) ، (ل) و (م) : «لا تصلح مناطا».

(٢) في (ر) ، (ص) ، (ظ) و (ل) : «قبوليّة» ، وفي (م) : «مقبوليّة».

قلت : إذا ثبت بالآية عدم جواز الاعتناء باحتمال تعمّد كذبه ، ينفى احتمال خطائه وغفلته واشتباهه بأصالة عدم الخطأ في الحسّ ؛ وهذا أصل عليه إطباق العقلاء والعلماء في جميع الموارد.

نعم ، لو كان المخبر ممّن يكثر عليه الخطأ والاشتباه لم يعبأ بخبره ؛ لعدم جريان أصالة عدم الخطأ والاشتباه ؛ ولذا يعتبرون في الراوي والشاهد (١) الضبط ، وإن كان ربما يتوهّم الجاهل ثبوت ذلك من الإجماع ، إلاّ أنّ المنصف يشهد : أنّ (٢) اعتبار هذا في جميع موارده ليس لدليل خارجيّ مخصّص لعموم آية النبأ ونحوها ممّا دلّ على وجوب قبول قول العادل ، بل لما ذكرنا : من أنّ المراد بوجوب قبول قول العادل رفع التهمة عنه من جهة احتمال تعمّده الكذب ، لا تصويبه وعدم تخطئته أو غفلته (٣).

ويؤيّد ما ذكرنا : أنّه لم يستدلّ أحد من العلماء على حجّية فتوى الفقيه على العامّي بآية النبأ ، مع استدلالهم عليها بآيتي النفر والسؤال (٤).

والظاهر : أنّ ما ذكرنا ـ من عدم دلالة الآية وأمثالها من أدلّة قبول قول العادل على وجوب تصويبه في الاعتقاد ـ هو الوجه فيما

__________________

(١) في (ر) ، (ص) و (ه) : «الشاهد والراوي».

(٢) كذا في (ظ) ، (ل) و (م) ، وفي غيرها : «بأنّ».

(٣) لم ترد «أو غفلته» في (م).

(٤) منهم المحقّق في المعارج : ١٩٨ ، وصاحب الفصول في الفصول : ٤١١ ، والمحقّق القمّي في القوانين ١ : ٣٢٥ ، والسيّد المجاهد في مفاتيح الاصول : ٥٩٤.

ذهب إليه المعظم (١) ، بل أطبقوا عليه كما في الرياض (٢) : من عدم (٣) اعتبار الشهادة في المحسوسات إذا لم تستند إلى الحسّ ، وإن علّله في الرياض بما لا يخلو عن نظر : من أنّ الشهادة من الشهود وهو الحضور ، فالحسّ مأخوذ في مفهومها.

عدم عموميّة آية «النبأ» لكلّ خبر

والحاصل : أنّه لا ينبغي الإشكال في أنّ الإخبار عن حدس واجتهاد ونظر ليس حجّة إلاّ على من وجب عليه تقليد المخبر في الأحكام الشرعيّة ، وأنّ الآية ليست عامّة لكلّ خبر ودعوى (٤) خرج ما خرج.

فإن قلت : فعلى هذا إذا أخبر الفاسق بخبر يعلم بعدم تعمّده للكذب فيه ، تقبل شهادته فيه ؛ لأنّ احتمال تعمّده للكذب منتف بالفرض ، واحتمال غفلته وخطائه منفيّ بالأصل المجمع عليه ، مع أنّ شهادته مردودة إجماعا.

قلت : ليس المراد ممّا ذكرنا عدم قابليّة العدالة والفسق لإناطة (٥) الحكم بهما وجودا وعدما تعبّدا ، كما في الشهادة والفتوى ونحوهما ، بل

__________________

(١) كالمحقّق في الشرائع ٤ : ١٣٢ ، والشهيد في الدروس ٢ : ١٣٤ ، والفاضل المقداد في التنقيح الرائع ٤ : ٣١٠.

(٢) الرياض (الطبعة الحجرية) ٢ : ٤٤٦.

(٣) في (م) بدل عبارة «والظاهر أنّ ـ إلى ـ من عدم اعتبار» العبارة التالية : «ولعلّ لما ذكرنا ـ من عدم دلالة الآية وأمثالها من أدلّة قبول قول العادل ، على وجوب تصويبه في الاعتقاد ـ ذهب المعظم ، بل أطبقوا كما في الرياض على عدم اعتبار ...».

(٤) في (ر) : «بدعوى».

(٥) في (ظ) و (ل) بدل «لإناطة» : «لاشتراط».

المراد أنّ الآية المذكورة لا تدلّ إلاّ على مانعيّة الفسق من حيث قيام احتمال تعمّد الكذب معه ، فيكون مفهومها عدم المانع في العادل من هذه الجهة ، فلا يدلّ على وجوب قبول خبر العادل إذا لم يمكن نفي خطائه بأصالة عدم الخطأ المختصّة بالأخبار الحسيّة ، فالآية (١) لا تدلّ أيضا على اشتراط العدالة ومانعيّة الفسق في صورة العلم بعدم تعمّد (٢) الكذب ، بل لا بدّ له من دليل آخر ، فتأمّل (٣).

الإجماع في مصطلح الخاصّة والعامّة

الأمر الثاني : الإجماع في مصطلح الخاصّة والعامّة أنّ الإجماع في مصطلح الخاصّة ، بل العامّة ـ الذين هم الأصل له وهو الأصل لهم ـ هو (٤) : اتّفاق جميع العلماء في عصر ؛ كما ينادي بذلك تعريفات كثير من (٥) الفريقين (٦).

قال في التهذيب : الإجماع هو اتّفاق أهل الحلّ والعقد من أمّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله (٧).

وقال صاحب غاية البادئ (٨) ـ شارح المبادئ ، الذي هو أحد علمائنا

__________________

(١) في (ظ) و (ل) بدل «فالآية» : «و».

(٢) في (ت) ، (ر) ، (ل) و (ص) : «تعمّده».

(٣) لم ترد في (ظ) ، (ل) و (م) : «فتأمّل».

(٤) في (ت) و (ه) زيادة : «عبارة عن».

(٥) في (م) : «كثير من تعريفات».

(٦) انظر المستصفى للغزالي ١ : ١٧٣ ، والإحكام للآمدي ١ : ٢٥٤ ، وشرح مختصر الاصول ١ : ١٢٢ ، وستأتي الإشارة إلى كلمات الخاصّة.

(٧) تهذيب الوصول للعلاّمة الحلّي : ٦٥.

(٨) هو الشيخ محمّد بن علي بن محمّد الجرجاني الغروي ، تلميذ العلاّمة الحلّي.

انظر الذريعة إلى تصانيف الشيعة ١٦ : ١٠.