درس بدایة الحکمة

جلسه ۵۶: جلسه پنجاه و ششم

 

تسلم علماء الطبيعة أخيرا ، بعد تجربات علمية ممتدة ، أن الأجسام مؤلفة من أجزاء صغار ذرية ، مؤلفة من أجزاء أخرى ، لا تخلو من نواة مركزية ذات جرم ، وليكن أصلا موضوعا لنا.

ويدفع القول الأول أنه يرد عليه ، ما يرد على القول الثاني والرابع والخامس ، لجمعه بين القول باتصال الجسم بالفعل ، وبين انقسامه بالقوة إلى أجزاء متناهية ، تقف القسمة دونها على الإطلاق.

فالجسم الذي هو جوهر ذو اتصال ، يمكن أن يفرض فيه الامتدادات الثلاث ثابت لا ريب فيه ، لكن مصداقه الأجزاء الأولية ، التي يحدث فيها الامتداد الجرمي ، وإليها تتجزأ الأجسام النوعية دون غيرها ، على ما تقدمت الإشارة إليه ، وهو قول ذي مقراطيس ، مع إصلاح ما.

الفصل الرابع

في إثبات المادة الأولى والصورة الجسمية

إن الجسم من حيث هو جسم ، ونعني به ما يحدث فيه الامتداد الجرمي ، أولا وبالذات أمر بالفعل ، ومن حيث ما يمكن أن يلحق به ، شيء من الصور النوعية ولواحقها أمر بالقوة ، وحيثية الفعل غير حيثية القوة ، لأن الفعل متقوم بالوجدان والقوة متقومة بالفقدان ، ففيه جوهر هو قوة الصور الجسمانية ، بحيث إنه ليس له من الفعلية إلا فعلية أنه قوة محضة ، وهذا نحو وجودها ، والجسمية التي بها الفعلية صورة مقومة لها ، فتبين أن الجسم مؤلف من مادة وصورة جسمية ، والمجموع المركب منهما هو الجسم.

تتمة

فهذه هي المادة الشائعة ، في الموجودات الجسمانية جميعا ، وتسمى المادة الأولى والهيولى الأولى.

ثم هي مع الصورة الجسمية مادة ، قابلة للصور النوعية اللاحقة ، وتسمى المادة الثانية.

الفصل الخامس

في إثبات الصور النوعية

الأجسام الموجودة في الخارج ، تختلف اختلافا بينا من حيث الأفعال والآثار ، وهذه الأفعال لها مبدأ جوهري لا محالة ، وليس هو المادة الأولى ، لأن شأنها القبول والانفعال دون الفعل ، ولا الجسمية المشتركة لأنها واحدة مشتركة ، وهذه الأفعال كثيرة مختلفة ، فلها مباد مختلفة ، ولو كانت هذه المبادي أعراضا مختلفة ، وجب انتهاؤها إلى جواهر مختلفة ، وليست هي الجسمية لما سمعت من اشتراكها بين الجميع ، فهي جواهر متنوعة تتنوع بها الأجسام ، تسمى الصور النوعية.

تتمة

، أول ما تتنوع الجواهر المادية ، بعد الجسمية المشتركة ، إنما هو بالصور النوعية التي تتكون بها العناصر ، ثم العناصر مواد لصور أخرى تلحق بها ، وكان القدماء من علماء الطبيعة ، يعدون العناصر أربعا ، وأخذ الإلهيون ذلك أصلا

موضوعا ، وقد أنهاها الباحثون أخيرا ، إلى ما يقرب من مائة وبضع عنصر.

الفصل السادس

في تلازم المادة والصورة

المادة الأولى والصورة متلازمتان ، لا تنفك إحداهما عن الأخرى.

أما أن المادة لا تتعرى عن الصورة ، فلأن المادة الأولى حقيقتها ، أنها بالقوة من جميع الجهات ، فلا توجد إلا متقومة بفعلية جوهرية متحدة بها ، إذ لا تحقق لموجود إلا بفعلية ، والجوهر الفعلي الذي هذا شأنه هو الصورة ، فإذن المطلوب ثابت.

وإما أن الصور التي من شأنها أن تقارن المادة ، لا تتجرد عنها ، فلأن شيئا من الأنواع التي ينالها الحس والتجربة ، لا يخلو من قوة التغير وإمكان الانفعال ، وهذا أصل موضوع مأخوذ من العلوم الطبيعية ، وما فيه القوة والإمكان لا يخلو من مادة ، فإذن المطلوب ثابت.

الفصل السابع

في أن كلا من المادة والصورة محتاجة إلى الأخرى

بيان ذلك أما إجمالا ، فإن التركيب بين المادة والصورة ، تركيب حقيقي اتحادي ذو وحدة حقيقية ، وقد تقدم (١) أن بعض أجزاء المركب ، الحقيقي محتاج إلى بعض.

__________________

(١) في الفصل السادس من المرحلة الخامسة.