درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۹۸: احتیاط ۲۵

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

المقام الثاني

في الشبهة الغير المحصورة

المعروف عدم وجوب الاجتناب والاستدلال عليه من وجوه :

والمعروف فيها : عدم وجوب الاجتناب.

ويدلّ عليه وجوه :

الأوّل

الإجماع الظاهر المصرّح به في الروض (١) وعن جامع المقاصد (٢) وادّعاه صريحا المحقّق البهبهانيّ في فوائده ـ وزاد عليه نفي الريب فيه ، وأنّ مدار المسلمين في الأعصار والأمصار عليه (٣) ـ وتبعه في دعوى الإجماع غير واحد ممّن تأخّر عنه (٤) ، وزاد بعضهم دعوى الضرورة عليه في الجملة ، وبالجملة : فنقل الإجماع مستفيض ، وهو كاف في المسألة.

الثاني :

٢ ـ لزوم المشقّة في الاجتناب

ما استدلّ به جماعة (٥) : من لزوم المشقّة في الاجتناب. ولعلّ المراد

__________________

(١) روض الجنان : ٢٢٤.

(٢) جامع المقاصد ٢ : ١٦٦.

(٣) الفوائد الحائريّة : ٢٤٧.

(٤) كصاحب الرياض في الرياض (الطبعة الحجريّة) ٢ : ٢٩٧ ، والسيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٢ : ٢٥٣.

(٥) كالمحقّق والشهيد الثانيين ، في جامع المقاصد ٢ : ١٦٦ ، وروض الجنان : ٢٢٤.

به لزومه في أغلب أفراد هذه الشبهة لأغلب أفراد المكلّفين ، فيشمله عموم قوله تعالى : ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾(١) ، وقوله تعالى : ﴿ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾(٢) ؛ بناء على أنّ المراد أنّ ما كان الغالب فيه الحرج على الغالب فهو مرتفع عن جميع المكلّفين حتّى من لا حرج بالنسبة إليه.

وهذا المعنى وإن كان خلاف الظاهر ، إلاّ أنّه يتعيّن الحمل عليه ؛ بمعونة ما ورد : من إناطة الأحكام الشرعيّة الكلّية (٣) ـ وجودا وعدما ـ بالعسر واليسر الغالبين (٤).

المناقشة في هذا الاستدلال

وفي هذا الاستدلال نظر ؛ لأنّ أدلّة نفي العسر والحرج من الآيات والروايات لا تدلّ إلاّ على أنّ ما كان فيه ضيق على مكلّف فهو مرتفع عنه ، وأمّا ارتفاع ما كان ضيقا على الأكثر عمّن هو عليه في غاية السهولة ، فليس فيه امتنان على أحد ، بل فيه تفويت مصلحة التكليف من غير تداركها بالتسهيل.

عدم فائدة دوران الأحكام مدار السهولة على الأغلب فيما نحن فيه

وأمّا ما ورد : من دوران الأحكام مدار السهولة على الأغلب ، فلا ينفع فيما نحن فيه ؛ لأنّ الشبهة الغير المحصورة ليست واقعة واحدة (٥)

__________________

(١) البقرة : ١٨٥.

(٢) الحجّ : ٧٨.

(٣) لم ترد «الكلّية» في (ر) ، ووردت في (ص) بعنوان نسخة بدل.

(٤) انظر الوسائل ٥ : ٢٤٦ ، الباب ١٤ من أبواب بقيّة الصلوات المندوبة ، الحديث الأوّل. و ١٤ : ٧٤ ، الباب ٤٨ من أبواب مقدّمات النكاح ، الحديث الأوّل.

(٥) لم ترد «واحدة» في (ت) و (ه).

حكم فيها بحكم حتّى يدّعى أنّ الحكم بالاحتياط في أغلب مواردها عسر على أغلب الناس ، فيرتفع حكم الاحتياط فيها مطلقا ، بل هي عنوان لموضوعات متعدّدة لأحكام متعدّدة ، والمقتضي للاحتياط في كلّ موضوع هو نفس الدليل الخاصّ التحريميّ الموجود في ذلك الموضوع ، والمفروض أنّ ثبوت التحريم لذلك الموضوع مسلّم ، ولا يرد منه حرج على الأغلب ، وأنّ الاجتناب في صورة اشتباهه أيضا في غاية اليسر ؛ فأيّ مدخل للأخبار الواردة في أنّ الحكم الشرعيّ يتبع الأغلب في اليسر والعسر.

وكأنّ المستدلّ بذلك ، جعل الشبهة الغير المحصورة واقعة واحدة مقتضى الدليل فيها وجوب الاحتياط لو لا العسر ، لكن لمّا تعسّر الاحتياط في أغلب الموارد على أغلب الناس حكم بعدم وجوب الاحتياط كلّية.

وفيه : أنّ دليل الاحتياط في كلّ فرد من الشبهة ليس إلاّ دليل حرمة ذلك الموضوع.

نعم ، لو لزم الحرج من جريان حكم العنوان المحرّم الواقعيّ في خصوص مشتبهاته الغير المحصورة على أغلب المكلّفين في أغلب الأوقات ـ كأن يدّعى : أنّ الحكم بوجوب الاجتناب (١) عن النجس الواقعيّ مع اشتباهه في امور غير محصورة ، يوجب الحرج الغالبيّ ـ أمكن التزام ارتفاع وجوب الاحتياط في خصوص النجاسة المشتبهة.

لكن لا يتوهّم (٢) من ذلك : اطّراد الحكم بارتفاع التحريم في الخمر

__________________

(١) في (ر) ، (ه) ونسخة بدل (ص): «الاحتياط».

(٢) في (ظ): «لا يلزم».

المشتبه بين مائعات غير محصورة ، والمرأة المحرّمة المشتبهة في ناحية مخصوصة ، إلى غير ذلك من المحرّمات.

ولعلّ كثيرا ممّن تمسّك في هذا المقام بلزوم المشقّة أراد المورد الخاصّ ، كما ذكروا ذلك في الطهارة والنجاسة.

عدم لزوم الحرج في الاجتناب عن الشبهة غير المحصورة

هذا كلّه ، مع أنّ لزوم الحرج في الاجتناب عن الشبهة الغير المحصورة التي يقتضي الدليل المتقدّم (١) وجوب الاحتياط فيها ، ممنوع.

ووجهه : أنّ كثيرا من الشبهات الغير المحصورة لا يكون جميع المحتملات فيها (٢) مورد ابتلاء (٣) المكلّف ، ولا يجب الاحتياط في مثل هذه الشبهة وإن كانت محصورة كما أوضحناه سابقا (٤) ، وبعد إخراج هذا عن محلّ الكلام فالإنصاف : منع غلبة التعسّر في الاجتناب.

٣ ـ أخبار الحل

الوجه الثالث : الأخبار الدالّة على حلّية كلّ ما لم يعلم حرمته (٥) ؛ فإنّها بظاهرها وإن عمّت الشبهة المحصورة ، إلاّ أنّ مقتضى الجمع بينها وبين ما دلّ على وجوب الاجتناب بقول مطلق (٦) ، هو حمل أخبار الرخصة على غير

__________________

(١) أي دليل لزوم المشقّة المتقدّم في الصفحة ٢٥٧.

(٢) «فيها» من (ص) و (ظ) ، ووردت بدلها في (ت) و (ه): «منها».

(٣) في (ت) و (ه): «موردا لابتلاء».

(٤) راجع الصفحة ٢٣٣ ـ ٢٣٤.

(٥) الوسائل ١٢ : ٥٩ ، الباب ٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ١ ، ٢ و ٤.

(٦) الوسائل ١٨ : ١١١ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٢ ، ٩ و ١٣.