درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۱۰: احتیاط ۳۷

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

وجوبه الظاهريّ ؛ لأنّ هذا الوجوب مقدميّ ومرجعه إلى وجوب تحصيل العلم بفراغ الذمّة ، ودفع احتمال ترتّب ضرر العقاب بترك بعض منهما ، وهذا الوجوب إرشاديّ لا تقرّب فيه أصلا ، نظير أوامر الإطاعة ؛ فإنّ امتثالها لا يوجب تقرّبا ، وإنّما المقرّب نفس الإطاعة ، والمقرّب هنا ـ أيضا ـ نفس الإطاعة (١) الواقعيّة المردّدة بين الفعلين ، فافهم ؛ فإنّه لا يخلو عن دقّة.

توهّم أنّ الجمع بين المحتملين مستلزم لإتيان غير الواجب على جهة العبادة ، ودفعه

وممّا ذكرنا يندفع توهّم : أنّ الجمع بين المحتملين مستلزم لإتيان غير الواجب على جهة العبادة ؛ لأنّ قصد القربة المعتبر (٢) في الواجب الواقعيّ لازم المراعاة في كلا المحتملين ـ ليقطع بإحرازه في الواجب الواقعيّ ـ ومن المعلوم أنّ الإتيان بكلّ من المحتملين بوصف أنّها عبادة مقرّبة ، يوجب التشريع بالنسبة إلى ما عدا الواجب الواقعيّ فيكون محرّما ، فالاحتياط غير ممكن في العبادات ، وإنّما يمكن في غيرها ؛ من جهة أنّ الإتيان بالمحتملين لا يعتبر فيهما قصد التعيين والتقرّب ؛ لعدم اعتباره في الواجب الواقعي المردّد ، فيأتي بكلّ منهما لاحتمال وجوبه.

الدفاع التوهّم

ووجه اندفاع هذا التوهّم ، مضافا إلى أنّ غاية ما يلزم من ذلك عدم التمكّن من تمام الاحتياط في العبادات حتّى (٣) من حيث مراعاة قصد التقرّب المعتبر في الواجب الواقعي ـ من جهة استلزامه للتشريع المحرّم ـ ، فيدور الأمر بين الاقتصار على أحد المحتملين ، وبين الإتيان

__________________

(١) «والمقرّب هنا أيضا نفس الإطاعة» من (ص) و (ر).

(٢) في (ت) ، (ص) و (ظ): «المعتبرة».

(٣) لم ترد «حتّى» في (ظ).

بهما مهملا لقصد التقرّب في الكلّ فرارا عن التشريع ، ولا شكّ أنّ الثاني أولى ؛ لوجوب الموافقة القطعيّة بقدر الإمكان ، فإذا لم يمكن الموافقة بمراعاة جميع ما يعتبر في الواقعيّ في كلّ من المحتملين ، اكتفي بتحقّق ذات الواجب في ضمنهما :

أنّ اعتبار قصد التقرّب والتعبّد في العبادة الواجبة واقعا لا يقتضي قصده (١) في كلّ منهما ؛ كيف وهو غير ممكن! وإنّما يقتضي وجوب (٢) قصد التقرّب والتعبّد في الواجب (٣) المردّد بينهما بأن يقصد في كلّ منهما : أنّي أفعله ليتحقّق به أو بصاحبه التعبّد بإتيان الواجب الواقعيّ.

وهذا الكلام بعينه جار في قصد الوجه المعتبر في الواجب ؛ فإنّه لا يعتبر قصد ذلك الوجه خاصّة في خصوص كلّ منهما ، بأن يقصد أنّي اصلّي الظهر لوجوبه ، ثمّ يقصد أنّي اصلّي الجمعة لوجوبها ، بل يقصد : أنّي اصلّي الظهر ؛ لوجوب الأمر الواقعيّ المردّد بينه وبين الجمعة التي اصلّيها بعد ذلك أو صلّيتها قبل ذلك.

معنى نيّة الفعل

والحاصل : أنّ نيّة الفعل هو قصده على الصفة التي هو عليها التي باعتبارها صار واجبا ، فلا بدّ من ملاحظة ذلك في كلّ من المحتملين ، وإذا لاحظنا ذلك فيه وجدنا الصفة التي هو عليها ـ الموجبة للحكم

__________________

(١) كذا في (ت) ، (ص) و (ر) ، وفي (ظ) ، (ه) ونسخة بدل (ت): «لا يقضي بقصده».

(٢) كذا في (ت) ، وفي (ظ) ، (ه) ونسخة بدل (ت): «يقضي بوجوب» ، وفي (ر) و (ص): «يقتضي لوجوب».

(٣) في (ت) زيادة : «الواقعي».

بوجوبه ـ هو احتمال تحقّق الواجب المتعبّد به والمتقرّب به إلى الله تعالى في ضمنه ، فيقصد هذا المعنى ، والزائد على هذا المعنى غير موجود فيه ، فلا معنى لقصد التقرّب في كلّ منهما بخصوصه ، حتّى يرد : أنّ التقرّب والتعبّد بما لم يتعبّد به الشارع تشريع محرّم.

نعم ، هذا الإيراد متوجّه على ظاهر من اعتبر في كلّ من المحتملين قصد التقرّب والتعبّد به بالخصوص. لكنّه مبنيّ ـ أيضا ـ على لزوم ذلك من الأمر الظاهريّ بإتيان كلّ منهما ، فيكون كلّ منهما عبادة واجبة في (١) مرحلة الظاهر ، كما إذا شكّ في الوقت أنّه صلّى الظهر أم لا ، فإنّه يجب عليه فعلها ، فينوي الوجوب والقربة وإن احتمل كونها فى الواقع لغوا غير مشروع ، فلا يرد عليه إيراد التشريع ؛ إذ؟؟؟ إنّما يلزم لو قصد بكلّ منهما أنّه الواجب واقعا المتعبّد به في؟؟؟ الأمر.

ولكنّك عرفت : أنّ مقتضى النظر الدقيق خلاف هذا؟؟؟ (٢) ، وأنّ الأمر المقدّميّ ـ خصوصا الموجود في المقدّمة العلميّة التي لا يكون الأمر بها إلاّ إرشاديّا ـ لا يوجب موافقته التقرّب ، ولا يصير منشأ لصيرورة الشيء من العبادات إذا لم يكن في نفسه منها (٣).

وقد تقدّم في مسألة «التسامح في أدلّة السنن» ما يوضح؟؟؟ حال الأمر بالاحتياط (٤). كما أنّه قد استوفينا في بحث «مقدّمة الواجب» حال

__________________

(١) كذا في غير (ه) ، وفيها : «بإتيان كلّ منهما عبادة ، فيكون كلّ منهما واجبة في».

(٢) راجع الصفحة السابقة.

(٣) في (ت) و (ه) بدل «منها» : «عبادة».

(٤) راجع الصفحة ١٥٢ ـ ١٥٣.

الأمر المقدّمي (١) ، وعدم صيرورة المقدّمة بسببه عبادة ، وذكرنا ورود الإشكال من هذه الجهة على كون التيمّم من العبادات على تقدير عدم القول برجحانه في نفسه كالوضوء ؛ فإنّه لا منشأ حينئذ لكونه منها إلاّ الأمر المقدّميّ به من الشارع.

هل يمكن إثبات الوجوب الشرعي المصحّح لنيّة الوجه والقربة؟

فإن قلت : يمكن إثبات الوجوب الشرعيّ المصحّح لنيّة الوجه والقربة في المحتملين ؛ لأنّ الأوّل منهما واجب بالإجماع ولو فرارا عن المخالفة القطعيّة ، والثاني واجب بحكم الاستصحاب المثبت للوجوب الشرعيّ الظاهريّ ؛ فإنّ مقتضى الاستصحاب بقاء الاشتغال وعدم الإتيان بالواجب الواقعيّ وبقاء وجوبه.

قلت : أمّا المحتمل المأتيّ به أوّلا فليس واجبا في الشرع لخصوص كونه ظهرا أو جمعة ، وإنّما وجب لاحتمال تحقّق الواجب به الموجب للفرار عن المخالفة ، أو للقطع بالموافقة إذا اتي معه بالمحتمل الآخر ، وعلى أيّ تقدير فمرجعه إلى الأمر بإحراز الواقع ولو احتمالا.

وأمّا المحتمل الثاني فهو أيضا ليس إلاّ بحكم العقل من باب المقدّمة. وما ذكر من الاستصحاب ، فيه ـ بعد منع جريان الاستصحاب في هذا المقام ؛ من جهة حكم العقل من أوّل الأمر بوجوب الجميع و (٢) بعد الإتيان بأحدهما يكون حكم العقل باقيا قطعا ؛ وإلاّ لم يكن حاكما بوجوب الجميع وهو خلاف الفرض ـ :

أنّ مقتضى الاستصحاب وجوب البناء على بقاء الاشتغال حتّى

__________________

(١) انظر مطارح الأنظار : ٧١.

(٢) في (ت) و (ر) بدل «و» : «إذ».