درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۱۱: شبهه وجوبیه فقدان نص ۱۰

 

إنّ المراد من الاحتياط والاتّقاء في هذه الأوامر هو مجرّد الفعل المطابق للعبادة من جميع الجهات عدا نيّة القربة ، فمعنى الاحتياط بالصلاة الإتيان بجميع ما يعتبر فيها عدا قصد القربة ، فأوامر الاحتياط يتعلّق بهذا الفعل ، وحينئذ : فيقصد المكلّف فيه التقرّب بإطاعة هذا الأمر.

ومن هنا يتّجه الفتوى باستحباب هذا الفعل وإن لم يعلم المقلّد كون هذا (١) الفعل ممّا شكّ في كونها عبادة ولم يأت به بداعي احتمال المطلوبيّة ؛ ولو اريد بالاحتياط في هذه الأوامر معناه الحقيقيّ وهو إتيان الفعل لداعي احتمال المطلوبيّة ، لم يجز للمجتهد أن يفتي باستحبابه إلاّ مع التقييد (٢) بإتيانه بداعي الاحتمال حتّى يصدق عليه عنوان الاحتياط ، مع استقرار سيرة أهل الفتوى على خلافه.

فعلم : أنّ المقصود إتيان الفعل بجميع ما يعتبر فيه عدا نيّة الداعي.

[قاعدة التسامح في أدلّة السنن](٣)

ثمّ إنّ منشأ احتمال الوجوب إذا كان خبرا ضعيفا ، فلا حاجة إلى أخبار الاحتياط وكلفة إثبات أنّ الأمر فيها للاستحباب الشرعيّ دون الإرشاد العقليّ ؛ لورود بعض الأخبار باستحباب فعل كلّ ما يحتمل فيه الثواب :

__________________

(١) كذا في (ت) ، (ظ) ونسخة بدل (ه) ، وفي غيرها : «ذلك».

(٢) في (ت) و (ه): «تقييده».

(٣) العنوان منّا.

الاستدلال على القاعدة ب «أخبار من بلغ»

كصحيحة هشام بن سالم ـ المحكيّة عن المحاسن ـ عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : «من بلغه عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله شيء من الثواب فعمله ، كان أجر ذلك له وإن كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يقله» (١).

وعن البحار بعد ذكرها : أنّ هذا الخبر من المشهورات ، رواه العامّة والخاصّة بأسانيد (٢).

والظاهر : أنّ المراد من «شيء من الثواب» ـ بقرينة ضمير «فعمله» ، وإضافة الأجر إليه ـ هو الفعل المشتمل على الثواب.

وفي عدّة الداعي عن الكليني قدس‌سره : أنّه روى بطرقه عن الأئمّة عليهم‌السلام أنّه : «من بلغه شيء من الخير فعمل به ، كان له من الثواب ما بلغه وإن لم يكن الأمر كما بلغه (٣)» (٤).

وأرسل نحوه السيّد في الإقبال عن الصادق عليه‌السلام ، إلاّ أنّ فيه : «كان له ذلك» (٥).

والأخبار الواردة في هذا الباب كثيرة (٦) ، إلاّ أنّ ما ذكرناها

__________________

(١) المحاسن ١ : ٩٣ ، الحديث ٢ ، والوسائل ١ : ٦٠ ، الباب ١٨ من أبواب مقدّمة العبادات ، الحديث ٣.

(٢) البحار ٢ : ٢٥٦ ، ذيل الحديث ٣ ، وحكاه عنه في هداية المسترشدين : ٤٢٣.

(٣) في النسخ : «فعله» ، وما أثبتناه موافق للمصدر.

(٤) عدّة الداعي : ١٢ ، والكافي ٢ : ٨٧ ، باب من بلغه ثواب على عمل ، الحديث الأوّل ، والوسائل ١ : ٦١ ، الباب ١٨ من أبواب مقدّمة العبادات ، الحديث ٨.

(٥) إقبال الأعمال ٣ : ١٧١ ، والوسائل ١ : ٦١ ، الباب ١٨ من أبواب مقدّمة العبادات ، الحديث ٩.

(٦) راجع الوسائل ١ : ٥٩ ، الباب ١٨ من أبواب مقدّمة العبادات.

أوضح دلالة على ما نحن فيه ، وإن كان يورد عليه أيضا (١) :

ما يورد على الاستدلال

تارة : بأنّ ثبوت الأجر لا يدلّ على الاستحباب الشرعيّ.

واخرى : بما تقدّم في أوامر الاحتياط : من أنّ قصد القربة مأخوذ في الفعل المأمور به بهذه الأخبار ، فلا يجوز أن تكون هي المصحّحة لفعله ، فيختصّ موردها بصورة تحقّق الاستحباب ، وكون البالغ هو الثواب الخاصّ ، فهو المتسامح فيه دون أصل شرعيّة الفعل.

وثالثة : بظهورها فيما بلغ فيه الثواب المحض ، لا العقاب محضا أو مع الثواب.

لكن يردّ هذا : منع الظهور مع إطلاق الخبر.

ويردّ ما قبله ما تقدّم في أوامر الاحتياط (٢).

عدم دلالة ثبوت الأجر على الاستحباب الشرعي

وأمّا الإيراد الأوّل ، فالإنصاف أنّه لا يخلو عن وجه ؛ لأنّ الظاهر من هذه الأخبار كون العمل متفرّعا على البلوغ وكونه الداعي على العمل ـ ويؤيّده : تقييد العمل في غير واحد من تلك الأخبار (٣) بطلب قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله والتماس الثواب الموعود ـ ، ومن المعلوم أنّ العقل مستقلّ باستحقاق هذا العامل المدح والثواب ، وحينئذ :

فإن كان الثابت بهذه (٤) الأخبار أصل الثواب ، كانت مؤكّدة لحكم

__________________

(١) راجع لتفصيل الأقوال والايرادات وأجوبتها رسالة «التسامح في أدلّة السنن» للمصنّف قدس‌سره.

(٢) راجع الصفحة ١٠٢ ـ ١٠٣.

(٣) الوسائل ١ : ٥٩ ، الباب ١٨ من أبواب مقدّمة العبادات ، الحديث ٤ و ٧.

(٤) كذا في (ظ) ، وفي غيرها : «في هذه».