درس بدایة الحکمة

جلسه ۹۱: علم حضوری و اثبات وجود واجب

 

فإن قلت مقتضى ما ذكر ، كون النفس الإنسانية عاقلة لكل معقول ، لتجردها وهو خلاف الضرورة.

قلت هو كذلك ، لكن النفس مجردة ذاتا لا فعلا ، فهي لتجردها ذاتا تعقل ذاتها بالفعل ، لكن تعلقها فعلا ، يوجب خروجها من القوة إلى الفعل تدريجا ، بحسب الاستعدادات المختلفة ، فإذا تجردت تجردا تاما ، ولم يشغلها تدبير البدن ، حصلت لها جميع العلوم حصولا بالعقل الإجمالي ، وتصير عقلا مستفادا بالفعل.

وغير خفي أن هذا البرهان ، إنما يجري في الذوات المجردة الجوهرية ، التي وجودها لنفسها ، وأما أعراضها التي وجودها لغيرها ، فلا بل العاقل لها موضوعاتها.

الفصل الثاني عشر

في العلم الحضوري وأنه لا يختص بعلم الشيء بنفسه

قد تقدم أن الجواهر المجردة ، لتمامها وفعليتها حاضرة في نفسها لنفسها ، فهي عالمة بنفسها علما حضوريا ، فهل يختص العلم الحضوري بعلم الشيء بنفسه ، أو يعمه وعلم العلة بمعلولها إذا كانا مجردين ، وبالعكس المشاءون ، على الأول ، والإشراقيون ، على الثاني وهو الحق.

وذلك لأن وجود المعلول كما تقدم (١) ، رابط لوجود العلة قائم به غير مستقل عنه ، فهو إذا كانا مجردين ، حاضر بتمام وجوده عند علته لا حائل بينهما ، فهو بنفس وجوده معلوم لها علما حضوريا.

وكذلك العلة حاضرة بوجودها ، لمعلولها القائم بها المستقل باستقلالها ، إذا كانا مجردين من غير حائل يحول بينهما ، فهي معلومة لمعلولها علما حضوريا ، وهو المطلوب.

__________________

(١) في الفصل الثالث من المرحلة السابعة.

المرحلة الثانية عشر

فيما يتعلق بالواجب تعالى

من إثبات ذاته وصفاته وأفعاله

وفيها أربعة عشر فصلا

الفصل الأول

في إثبات ذاته تعالى

حقيقة الوجود التي هي أصيلة لا أصيل دونها ، وصرفة لا يخالطها غيرها ، لبطلان الغير فلا ثاني لها ، كما تقدم في المرحلة الأولى (١) واجبة الوجود ، لضرورة ثبوت الشيء لنفسه ، وامتناع صدق نقيضه وهو العدم عليه ، ووجوبها إما بالذات أو بالغير ، لكن كون وجوبها بالغير خلف ، إذ لا غير هناك ولا ثاني لها ، فهي واجبة الوجود بالذات.

حجة أخرى

الماهيات الممكنة المعلولة موجودة ، فهي واجبة الوجود ، لأن الشيء ما لم يجب لم يوجد ووجوبها بالغير ، إذ لو كان بالذات لم يحتج إلى علة ، والعلة التي بها يجب وجودها موجودة واجبة ، ووجوبها إما بالذات ، أو بالغير وينتهي إلى الواجب بالذات ، لاستحالة الدور والتسلسل.

__________________

(١) في الفصل الرابع والفصل السابع.