درس بدایة الحکمة

جلسه ۹۳: توحید ربوبیت

 

مختلفة وهو غير جائز.

على أن فيه إثبات الماهية للواجب ، وقد تقدم (١) إثبات أن ماهيته تعالى وجوده ، وفيه أيضا اقتضاء الماهية للوجود ، وقد تقدم أصالته واعتباريتها ، ولا معنى لاقتضاء الاعتباري للأصيل.

ويتفرع على وحدانيته تعالى بهذا المعنى ، أن وجوده تعالى ، غير محدود بحد عدمي يوجب انسلابه عما وراءه.

ويتفرع أيضا أن ذاته تعالى بسيطة ، منفي عنها التركيب بأي وجه فرض ، إذ التركيب بأي وجه فرض ، لا يتحقق إلا بأجزاء يتألف منها الكل ، ويتوقف تحققه على تحققها ، وهو الحاجة إليها ، والحاجة تنافي الوجوب الذاتي.

الفصل الثالث

في أن الواجب تعالى هو المبدأ المفيض لكل

وجود وكمال وجودي

كل موجود غيره تعالى ممكن بالذات ، لانحصار الوجوب بالذات فيه تعالى ، وكل ممكن فإن له ماهية ، هي التي تستوي نسبتها إلى الوجود والعدم ، وهي التي تحتاج في وجودها إلى علة ، بها يجب وجودها فتوجد ، والعلة إن كانت واجبة بالذات فهو ، وإن كانت واجبة بالغير انتهى ذلك إلى الواجب بالذات ، فالواجب بالذات هو الذي يفيض عنه ، وجود كل ذي وجود من الماهيات.

__________________

(١) في الفصل الثالث من المرحلة الرابعة.

ومن طريق آخر:

ما سواه تعالى من الوجودات الإمكانية ، فقراء في أنفسها متعلقات في حدود ذواتها ، فهي وجودات رابطة ، لا استقلال لها حدوثا ولا بقاء وإنما تتقوم بغيرها ، وينتهي ذلك إلى وجود مستقل في نفسه غني في ذاته ، لا تعلق له بشيء تعلق الفقر والحاجة ، وهو الواجب الوجود تعالى وتقدس.

فتبين أن الواجب الوجود تعالى ، هو المفيض لوجود ما سواه ، وكما أنه مفيض لها مفيض لآثارها القائمة بها ، والنسب والروابط التي بينها ، فإن العلة الموجبة للشيء المقومة لوجوده ، علة موجبة لآثاره والنسب القائمة به ومقومة لها.

فهو تعالى وحده المبدأ الموجد لما سواه ، المالك لها المدبر لأمرها ، فهو رب العالمين لا رب سواه.

تتمة

، قالت الثنوية ، إن في الوجود خيرا وشرا ، وهما متضادان لا يستندان إلى مبدإ واحد ، فهناك مبدئان مبدأ الخيرات ومبدأ الشرور.

وعن أفلاطون ، في دفعه ، أن الشر عدم والعدم لا يحتاج إلى علة فياضة ، بل علته عدم الوجود ، وقد بين الصغرى بأمثلة جزئية ، كالقتل الذي هو شر مثلا ، فإن الشر ليس هو قدرة القاتل عليه فإنه كمال له ، ولا حدة السيف مثلا وصلاحيته للقطع فإنه كمال فيه ، ولا انفعال رقبة المقتول من الضربة ، فإنه من كمال البدن ، فلا يبقى للشر إلا بطلان حياة المقتول بذلك ، وهو أمر عدمي وعلى هذا القياس في سائر الموارد.

وعن أرسطو ، أن الأقسام خمسة ، ما هو خير محض وما خيره كثير وشره

__________________

(١) في الفصل السابق.

قليل ، وما خيره وشره متساويان ، وما شره كثير وخيره قليل ، وما هو شر محض ، وأول الأقسام موجود ، كالعقول المجردة التي ليس فيها إلا الخير ، وكذا القسم الثاني كسائر الموجودات المادية ، التي فيها خير كثير بالنظر إلى النظام العام ، فإن في ترك إيجاده شرا كثيرا ، وأما الأقسام الثلاثة الباقية فهي غير موجودة ، إما ما خيره وشره متساويان ، فإن في إيجاده ترجيحا بلا مرجح ، وأما ما شره كثير وخيره قليل ، فإن في إيجاده ترجيح المرجوح على الراجح ، وأما ما هو شر محض فأمره واضح ، وبالجملة لم يستند بالذات إلى العلة ، إلا الخير المحض والخير الكثير ، وأما الشر القليل ، فقد استند إليها بعرض الخير الكثير الذي يلزمه.

الفصل الرابع

في صفات الواجب الوجود تعالى ومعنى اتصافه بها

تنقسم الصفات الواجبية بالقسمة الأولية ، إلى ما تكفي في ثبوته الذات المتعالية ، من غير حاجة إلى فرض أمر خارج ، كحياته تعالى وعلمه بنفسه ، وتسمى الصفة الذاتية ، وما لا يتم الاتصاف به إلا مع فرض أمر خارج من الذات ، كالخلق والرزق والإحياء وتسمى الصفة الفعلية.

والصفات الفعلية كثيرة ، وهي على كثرتها منتزعة من مقام الفعل ، خارجة عن الذات ، والكلام في هذه الفصول في الصفات الذاتية ، فنقول قد عرفت أنه تعالى ، هو المبدأ المفيض لكل وجود وكمال وجودي ، وقد ثبت في المباحث السابقة ، أن العلة المفيضة لشيء ، واجدة