درس بدایة الحکمة

جلسه ۹۴: صفات واجب تعالی

 

قليل ، وما خيره وشره متساويان ، وما شره كثير وخيره قليل ، وما هو شر محض ، وأول الأقسام موجود ، كالعقول المجردة التي ليس فيها إلا الخير ، وكذا القسم الثاني كسائر الموجودات المادية ، التي فيها خير كثير بالنظر إلى النظام العام ، فإن في ترك إيجاده شرا كثيرا ، وأما الأقسام الثلاثة الباقية فهي غير موجودة ، إما ما خيره وشره متساويان ، فإن في إيجاده ترجيحا بلا مرجح ، وأما ما شره كثير وخيره قليل ، فإن في إيجاده ترجيح المرجوح على الراجح ، وأما ما هو شر محض فأمره واضح ، وبالجملة لم يستند بالذات إلى العلة ، إلا الخير المحض والخير الكثير ، وأما الشر القليل ، فقد استند إليها بعرض الخير الكثير الذي يلزمه.

الفصل الرابع

في صفات الواجب الوجود تعالى ومعنى اتصافه بها

تنقسم الصفات الواجبية بالقسمة الأولية ، إلى ما تكفي في ثبوته الذات المتعالية ، من غير حاجة إلى فرض أمر خارج ، كحياته تعالى وعلمه بنفسه ، وتسمى الصفة الذاتية ، وما لا يتم الاتصاف به إلا مع فرض أمر خارج من الذات ، كالخلق والرزق والإحياء وتسمى الصفة الفعلية.

والصفات الفعلية كثيرة ، وهي على كثرتها منتزعة من مقام الفعل ، خارجة عن الذات ، والكلام في هذه الفصول في الصفات الذاتية ، فنقول قد عرفت أنه تعالى ، هو المبدأ المفيض لكل وجود وكمال وجودي ، وقد ثبت في المباحث السابقة ، أن العلة المفيضة لشيء ، واجدة

لحقيقة ذلك الشيء بنحو أعلى وأشرف ، فمعطي الشيء غير فاقد له ، فله سبحانه اتصاف ما بصفات الكمال ، كالعلم والقدرة والحياة ، فلننظر في أقسام الصفات ونحو اتصافه بها فنقول ، تنقسم الصفة إلى ثبوتية كالعالم والقادر ، وسلبية تفيد معنى سلبيا ، لكنك عرفت آنفا ، أنه لا يجوز سلب كمال من الكمالات منه تعالى ، لكونه مبدأ كل كمال ، فصفاته السلبية ما دل على سلب النقص والحاجة ، كمن ليس بجاهل ومن ليس بعاجز وما ليس بجوهر ، ولما كان النقص والحاجة في معنى سلب الكمال ، كانت الصفة السلبية المفيدة لسلب النقص ، راجعة إلى سلب سلب الكمال وهو إيجاب الكمال ، فمعنى ليس بجاهل سلب سلب العلم ، ومعناه إيجاب العلم.

ثم الصفات الثبوتية تنقسم إلى حقيقية كالعالم ، وإضافية كالقادرية والعالمية ، وتنقسم الحقيقية إلى حقيقية محضة كالحي ، وحقيقية ذات إضافة كالعالم بالغير.

ولا ريب في زيادة الصفات الإضافية ، على الذات المتعالية لأنها معان اعتبارية ، وجلت الذات أن تكون مصداقا لها ، والصفات السلبية ترجع إلى الثبوتية الحقيقية ، فحكمها حكمها.

وأما الصفات الحقيقية ، أعم من الحقيقية المحضة ، والحقيقية ذات الإضافة ففيها أقوال ، أحدها أنها عين الذات المتعالية ، وكل منها عين الأخرى ، وثانيها أنها زائدة على الذات لازمة لها ، فهي قديمة بقدمها ، وثالثها أنها زائدة على الذات حادثة ، ورابعها أن معنى اتصاف الذات بها ، كون الفعل الصادر منها فعل من تلبس بها ، فمعنى كونها عالمة ، أنها تفعل فعل العالم في إتقانه وإحكامه ودقة جهاته ، وهكذا فالذات نائبة مناب الصفات.