درس بدایة الحکمة

جلسه ۹۵: نحوه‌ی اتصاف خداوند به صفات ذات

 

والحق هو الأول المنسوب إلى الحكماء ، لما عرفت أن ذاته المتعالية مبدأ لكل كمال وجودي ، ومبدأ الكمال غير فاقد له ، ففي ذاته حقيقة كل كمال يفيض عنه وهو العينية.

ثم حيث كانت كل من صفات كماله ، عين الذات الواجدة للجميع ، فهي أيضا واجدة للجميع وعينها ، فصفات كماله مختلفة بحسب المفهوم ، واحدة بحسب المصداق الذي هو الذات المتعالية.

وقول بعضهم ، إن علة الإيجاد مشيئته وإرادته تعالى دون ذاته ، كلام لا محصل له ، فإن الإرادة عند هذا القائل ، إن كانت صفة ذاتية هي عين الذات ، كانت نسبة الإيجاد إلى الإرادة عين نسبته إلى الذات ، فلم يأت بطائل ، وإن كانت من صفات الفعل المنتزعة من مقام الفعل ، فللفعل تقدم عليها ، واستناده في وجوده إليها ، تقدم المعلول على العلة وهو محال ، على أن لازم هذا القول ، كون نسبة الإيجاد والخلق إليه تعالى مجازا.

وأما القول الثاني وهو منسوب إلى الأشاعرة ، ففيه أن هذه الصفات وهي على ما عدوها ، الحياة والقدرة والعلم والسمع والبصر والإرادة والكلام ، إما أن تكون معلولة أو غير معلولة لشيء.

فإن لم تكن معلولة لشيء ، وكانت موجودة في نفسها واجبة في ذاتها ، كانت هناك واجبات ثمان ، وهي الذات والصفات السبع ، وأدلة وحدانية الواجب تبطله.

وإن كانت معلولة فإما أن تكون معلولة ، لغير الذات المتصفة بها أو معلولة لها.

وعلى الأول كانت واجبة بالغير ، وينتهي وجوبها بالغير إلى واجب بالذات ، غير الواجب بالذات الموصوف بها ، وأدلة وحدانية الواجب تبطله كالشق السابق ، على أن فيه حاجة الواجب الوجود لذاته ، في اتصافه بصفات كماله إلى غيره وهو محال.

وعلى الثاني ، يلزم كون الذات المفيضة لها متقدمة عليها بالعلية ، وهي

فاقدة لما تعطيه من الكمال وهو محال.

على أن فيه ، فقدان الواجب في ذاته صفات الكمال ، وقد تقدم أنه صرف الوجود ، الذي لا يشذ عنه وجود ولا كمال وجودي هذا خلف.

وأما القول الثالث وهو منسوب إلى الكرامية ، فلازم ما فيه من كون الصفات زائدة حادثة ، كون الذات المتعالية ذات مادة ، قابلة للصفات التي تحدث فيها ، ولازمة تركب الذات وهو محال ، وكون الذات خالية في نفسها عن الكمال وهو محال.

وأما القول الرابع وهو منسوب إلى المعتزلة ، فلازم ما فيه من نيابة الذات عن الصفات خلوها عنها ، وهو كما عرفت وجود صرف ، لا يشذ عنه وجود ولا كمال وجودي هذا خلف.

الفصل الخامس

في علمه تعالى

قد تقدم (١) أن لكل مجرد عن المادة علما بذاته ، لحضور ذاته عند ذاته وهو علمه بذاته.

وتقدم أيضا أن ذاته المتعالية صرف الوجود ، الذي لا يحده حد ، ولا يشذ عنه وجود ولا كمال وجودي ، فما في تفاصيل الخلقة ، من وجود أو كمال وجودي بنظامها الوجودي ، فهو موجود عنده بنحو أعلى وأشرف ، غير متميز بعضها من بعض ، فهو معلوم عنده علما إجماليا ، في عين الكشف التفصيلي.

ثم إن الموجودات بما هي معاليل له ، قائمة الذوات به قيام الرابط

__________________

(١) في الفصل الحادي عشر من المرحلة الحادية عشر.