درس بدایة الحکمة

جلسه ۹۶: علم خداوند

 

فاقدة لما تعطيه من الكمال وهو محال.

على أن فيه ، فقدان الواجب في ذاته صفات الكمال ، وقد تقدم أنه صرف الوجود ، الذي لا يشذ عنه وجود ولا كمال وجودي هذا خلف.

وأما القول الثالث وهو منسوب إلى الكرامية ، فلازم ما فيه من كون الصفات زائدة حادثة ، كون الذات المتعالية ذات مادة ، قابلة للصفات التي تحدث فيها ، ولازمة تركب الذات وهو محال ، وكون الذات خالية في نفسها عن الكمال وهو محال.

وأما القول الرابع وهو منسوب إلى المعتزلة ، فلازم ما فيه من نيابة الذات عن الصفات خلوها عنها ، وهو كما عرفت وجود صرف ، لا يشذ عنه وجود ولا كمال وجودي هذا خلف.

الفصل الخامس

في علمه تعالى

قد تقدم (١) أن لكل مجرد عن المادة علما بذاته ، لحضور ذاته عند ذاته وهو علمه بذاته.

وتقدم أيضا أن ذاته المتعالية صرف الوجود ، الذي لا يحده حد ، ولا يشذ عنه وجود ولا كمال وجودي ، فما في تفاصيل الخلقة ، من وجود أو كمال وجودي بنظامها الوجودي ، فهو موجود عنده بنحو أعلى وأشرف ، غير متميز بعضها من بعض ، فهو معلوم عنده علما إجماليا ، في عين الكشف التفصيلي.

ثم إن الموجودات بما هي معاليل له ، قائمة الذوات به قيام الرابط

__________________

(١) في الفصل الحادي عشر من المرحلة الحادية عشر.

بالمستقل ، حاضرة بوجوداتها عنده ، فهي معلومة له علما حضوريا في مرتبة وجوداتها ، المجردة منها بأنفسها ، والمادية منها بصورها المجردة.

فقد تحقق أن للواجب تعالى علما حضوريا بذاته ، وعلما حضوريا تفصيليا بالأشياء ، في مرتبة ذاته قبل إيجادها ، وهو عين ذاته ، وعلما حضوريا تفصيليا بها في مرتبتها ، وهو خارج من ذاته ، ومن المعلوم أن علمه بمعلولاته ، يستوجب العلم بما عندها من العلم.

تتمة

، ولما كانت حقيقة السمع والبصر ، هي العلم بالمسموعات والمبصرات ، كانا من مطلق العلم وثبتا فيه تعالى ، فهو تعالى سميع بصير ، كما أنه عليم خبير.

تنبيه وإشارة

، للناس في علمه تعالى ، أقوال مختلفة ومسالك متشتتة أخر ، نشير إلى ما هو المعروف منها ، أحدها أن لذاته تعالى علما بذاته ، دون معلولاته ، لأن الذات أزلية ولا معلول إلا حادثا.

وفيه أن العلم بالمعلول في الأزل ، لا يستلزم وجوده في الأزل ، بوجوده الخاص به كما عرفت.

الثاني ما نسب إلى المعتزلة ، أن للماهيات ثبوتا عينيا في العدم ، وهي التي تعلق بها علمه تعالى قبل الإيجاد.

وفيه أنه تقدم بطلان القول بثبوت المعدومات.

__________________

(١) في الفصل التاسع من المرحلة الأولى.

الثالث ما نسب إلى الصوفية ، أن للماهيات الممكنة ثبوتا علميا بتبع الأسماء والصفات ، هو المتعلق لعلمه تعالى قبل الإيجاد.

وفيه أن القول بأصالة الوجود ، واعتبارية الماهيات ينفي أي ثبوت ، مفروض للماهية قبل وجودها العيني الخاص بها.

الرابع ما نسب إلى أفلاطن ، أن علمه تعالى التفصيلي بالأشياء ، هو المفارقات النورية والمثل الإلهية ، التي تتجمع فيها كمالات الأنواع.

وفيه أن ذلك على تقدير ثبوتها ، إنما يكفي لتصوير العلم التفصيلي بالأشياء في مرتبتها ، لا في مرتبة الذات ، فتبقى الذات خالية من الكمال العلمي ، وهو وجود صرف لا يشذ عنه كمال وجودي ، هذا خلف.

الخامس ما نسب إلى شيخ الإشراق ، وتبعه جمع من المحققين ، أن الأشياء بأسرها ، من المجردات والماديات حاضرة بوجودها عنده تعالى ، غير غائبة عنه وهو علمه التفصيلي بالأشياء.

وفيه أن المادية لا تجامع الحضور ، كما تقدم (١) في مباحث العلم والمعلوم ، على أنه إنما يكفي ، لتصوير العلم التفصيلي في مرتبة الأشياء ، فتبقى الذات خالية في نفسها عن الكمال العلمي ، كما في القول الرابع.

السادس ما نسب إلى ثاليس المطلي ، وهو أنه تعالى يعلم العقل الأول ، وهو المعلول الأول ، بحضور ذاته عنده ، ويعلم سائر الأشياء بارتسام صورها في العقل الأول.

وفيه أنه يرد عليه ما ورد على سابقه.

السابع قول بعضهم إن ذاته تعالى ، علم تفصيلي بالمعلول الأول وإجمالي بما دونه ، وذات المعلول الأول علم تفصيلي بالمعلول الثاني ، وإجمال بما دونه وهكذا.

وفيه ما في سابقه.

__________________

(١) في الفصل الفصل الاول والثامن من المرحلة الحادية عشر.