درس بدایة الحکمة

جلسه ۹۸: قدرت خداوند

 

الفصل السادس

في قدرته تعالى

قد تقدم (١) أن القدرة ، كون الشيء مصدرا للفعل عن علم ، ومن المعلوم أن الذي ، ينتهي إليه الموجودات الممكنة ، هو ذاته المتعالية ، إذ لا يبقى وراء الوجود الممكن ، إلا الوجود الواجبي من غير قيد وشرط ، فهو المصدر للجميع ، وعلمه عين ذاته ، التي هي المبدأ لصدور المعاليل الممكنة ، فله القدرة وهي عين ذاته.

فإن قلت ، أفعال الإنسان الاختيارية مخلوقة لنفس الإنسان ، لأنها منوطة باختياره ، إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ، ولو كانت مخلوقة لله سبحانه مقدورة له ، كان الإنسان مجبرا على الفعل لا مختارا فيه ، فأفعال الإنسان الاختيارية خارجة عن تعلق القدرة ، فالقدرة لا تعم كل شيء.

قلت ليس معنى كون الفعل اختياريا ، تساوى نسبته إلى الوجود والعدم حتى حين الصدور ، فمن المحال صدور الممكن ، من غير ترجح وتعين لأحد جانبي وجوده وعدمه ، بل الفعل الاختياري لكونه ممكنا في ذاته ، يحتاج في وجوده إلى علة تامة لا يتخلف عنها ، نسبته إليها نسبة الوجوب ، وأما نسبته إلى الإنسان الذي هو جزء من أجزاء علته التامة ، فبالإمكان كسائر الأجزاء التي لها ، من المادة القابلة وسائر الشرائط ، الزمانية والمكانية وغيرها.

فالفعل الاختياري لا يقع إلا واجبا بالغير ، كسائر المعلولات ، ومن المعلوم أن الوجوب بالغير لا يتحقق ، إلا بالانتهاء إلى واجب بالذات ، ولا واجب

__________________

(١) في الفصل العاشر من المرحلة عشر.

بالذات إلا هو تعالى ، فقدرته تعالى عامة حتى للأفعال الاختيارية.

ومن طريق آخر ، الأفعال كغيرها من الممكنات معلولة ، وقد تقدم (١) في مرحلة العلة والمعلول ، أن وجود المعلول رابط بالنسبة إلى علته ، ولا يتحقق وجود رابط إلا بالقيام بمستقل يقومه ، ولا مستقل بالذات إلا الواجب بالذات ، فهو مبدأ أول لصدور كل معلول متعلق الوجود بعلة ، وهو على كل شيء قدير.

فإن قلت الالتزام بعموم القدرة ، للأفعال الاختيارية التزام بكونها جبرية ، فإن لازمه القول بتعلق الإرادة الإلهية ، بالفعل الاختياري ، وهي لا تتخلف عن المراد ، فيكون ضروري الوقوع ، ويكون الإنسان مجبرا عليه لا مختارا فيه ، وبوجه آخر ما وقع من الفعل ، متعلق لعلمه تعالى فوقوعه ضروري ، وإلا عاد علمه جهلا ، تعالى عن ذلك فالفعل جبري لا اختياري.

قلت كلا فالإرادة الإلهية ، إنما تعلقت بالفعل على ما هو عليه في نفسه ، والذي عليه الفعل هو أنه منسوب إلى الإنسان ، الذي هو جزء علته التامة بالإمكان ، ولا يتغير بتعلق الإرادة عما هو عليه ، فقد تعلقت الإرادة بالفعل من طريق اختيار الإنسان ، ومراده تعالى أن يفعل الإنسان الفعل الفلاني باختياره ، ومن المحال أن يتخلف مراده تعالى عن إرادته.

والجواب عن الاحتجاج بتعلق العلم الأزلي ، بالفعل كالجواب عن تعلق الإرادة به ، فالعلم إنما تعلق بالفعل على ما هو عليه ، وهو أنه فعل اختياري ، يتمكن الإنسان منه ومن تركه ، ولا يخرج العلم المعلوم عن حقيقته ، فلو لم يقع اختياريا كان علمه تعالى جهلا.

فإن قلت ، السلوك إلى بيان عموم القدرة من طريق ، توقف وجود المعلول الممكن على وجوبه بالغير ، وانتهاء ذلك إلى الواجب بالذات ، ينتج خلاف

__________________

(١) في الفصل الثالث من المرحلة السابقة.

المطلوب ، فإن كون فعله تعالى واجبا ، يستلزم كونه تعالى موجبا بفتح الجيم ، أي واجبا عليه الفعل ممتنعا عليه الترك ، ولا معنى لعموم القدرة حينئذ.

قلت الوجوب كما تعلم منتزع من الوجود ، فكما أن وجود المعلول من ناحية العلة ، كذلك وجوبه بالغير من ناحيتها ، ومن المحال أن يعود الأثر المترتب على وجود الشيء ، مؤثرا في وجود مؤثرة ، فالإيجاب الجائي من ناحيته تعالى إلى فعله ، يستحيل أن يرجع فيوجب عليه تعالى فعله ، ويسلب عنه بذلك عموم القدرة وهي عين ذاته.

ويتبين بما تقدم ، أنه تعالى مختار بالذات ، إذ لا إجبار إلا من أمر وراء الفاعل ، يحمله على خلاف ما يقتضيه أو على ما لا يقتضيه ، وليس وراءه تعالى إلا فعله والفعل ملائم لفاعله ، فما فعله من فعل ، هو الذي تقتضيه ذاته ويختاره بنفسه.

الفصل السابع

في حياته تعالى

الحي عندنا هو الدراك الفعال ، فالحياة مبدأ الإدراك والفعل ، أي مبدأ العلم والقدرة ، أو أمر يلازمه العلم والقدرة ، وإذ كانت الحياة تحمل علينا ، والعلم والقدرة فينا زائدتان على الذات ، فحملها على ما كانتا فيه موجودتين ، للذات على نحو العينية ، كالذات الواجبة الوجود بالذات ، أولى وأحق فهو تعالى حياة وحي بالذات.

على أنه تعالى مفيض لحياة كل حي ، ومعطي الشيء غير فاقد له.