درس بدایة الحکمة

جلسه ۱۰۱: عقل مفارق و کثرت حصول کثرت در آن

 

ثم العقل المفارق أقل حدودا وقيودا ، وأوسع وأبسط وجودا من المثال المجرد ، وكلما كان الوجود أقوى وأوسع ، كانت مرتبته في السلسلة المترتبة ، من حقيقة الوجود المشككة أقدم ، ومن المبدإ الأول ، الذي هو وجود صرف ، ليس له حد يحده ولا كمال يفقده ، أقرب فعالم العقل أقدم وجودا من الجميع ، ويليه عالم المثال ويليه عالم المادة.

ويتبين بما ذكر ، أن الترتيب المذكور ترتيب في العلية ، أي إن عالم العقل علة مفيضة لعالم المثال ، وعالم المثال علة مفيضة لعالم المادة.

ويتبين أيضا بمعونة ما تقدم ، من أن العلة مشتملة على كمال المعلول ، بنحو أعلى وأشرف ، أن العوالم الثلاثة متطابقة متوافقة ، ففي عالم المثال نظام مثالي يضاهي النظام المادي ، وهو أشرف منه وفي عالم العقل ما يطابقه ، لكنه موجود بنحو أبسط وأجمل ، ويطابقه النظام الربوبي ، الموجود في علم الواجب تعالى.

الفصل العاشر

في العقل المفارق وكيفية حصول

الكثرة فيه لو كانت فيه كثرة

وليعلم أن الماهية ، لا تتكثر تكثرا إفراديا إلا بمقارنة المادة ، والبرهان عليه ، إن الكثرة العددية ، إما أن تكون تمام ذات الماهية ، أو بعض ذاتها ، أو خارجة من ذاتها إما لازمة أو مفارقة ، والأقسام الثلاثة الأول يستحيل أن يوجد لها فرد ، إذ كلما وجد لها فرد كان كثيرا ، وكل كثير مؤلف من آحاد ، والواحد منها يجب أن يكون كثيرا ، لكونه مصداقا للماهية ، وهذا الكثير أيضا مؤلف من آحاد ، فيتسلسل ولا ينتهي إلى واحد ، فلا يتحقق لها واحد ، فلا يتحقق كثير هذا خلف ، فلا تكون الكثرة إلا خارجة مفارقة ، يحتاج لحوقها

إلى مادة قابلة ، فكل ماهية كثيرة الأفراد فهي مادية ، وينعكس عكس النقيض ، إلى أن كل ماهية غير مادية ، وهي المجردة وجودا ، لا تتكثر تكثرا إفراديا وهو المطلوب.

نعم تمكن الكثرة الأفرادية في العقل المفارق ، فيما لو استكملت أفراد من نوع مادي كالإنسان ، بالحركة الجوهرية من مرحلة المادية والإمكان ، إلى مرحلة التجرد والفعلية ، فتستصحب التميز الفردي ، الذي كان لها عند كونها مادية.

ثم إنه ، لما استحالت الكثرة الأفرادية في العقل المفارق ، فلو كانت فيه كثرة فهي الكثرة النوعية ، بأن توجد منه أنواع متباينة ، كل نوع منها منحصر في فرد ، ويتصور ذلك على أحد وجهين ، إما طولا وإما عرضا والكثرة طولا ، أن يوجد هناك عقل ثم عقل إلى عدد معين ، كل سابق منها علة فاعلة للاحقه مباين له نوعا ، والكثرة عرضا ، أن يوجد هناك أنواع كثيرة متباينة ، ليس بعضها علة لبعض ولا معلولا ، وهي جميعا معلولات عقل واحد فوقها.

الفصل الحادي عشر

في العقول الطولية وأول ما يصدر منها

لما كان الواجب تعالى ، واحدا بسيطا من جميع الجهات ، امتنع أن يصدر منه الكثير ، سواء كان الصادر مجردا كالعقول العرضية ، أو ماديا كالأنواع المادية ، لأن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد ، فأول صادر منه تعالى عقل واحد ، يحاكي بوجوده الواحد الظلي ، وجود الواجب تعالى في وحدته.

ولما كان معنى أوليته هو تقدمه في الوجود ، على غيره من الوجودات الممكنة ، وهو العلية ، كان علة متوسطة بينه تعالى ، وبين سائر الصوادر منه ، فهو الواسطة في صدور ما دونه ، ما ليس في ذلك تحديد القدرة المطلقة الواجبية ،

التي هي عين الذات المتعالية ، على ما تقدم (١) البرهان عليها ، وذلك لأن صدور الكثير من حيث هو كثير ، من الواحد من حيث هو واحد ممتنع ، على ما تقدم (٢) ، والقدرة لا تتعلق إلا بالممكن ، وأما المحالات الذاتية الباطلة الذوات ، كسلب الشيء عن نفسه ، والجمع بين النقيضين ورفعهما مثلا ، فلا ذات لها حتى تتعلق بها القدرة ، فحرمانها من الوجود ، ليس تحديدا للقدرة وتقييدا لإطلاقها.

ثم إن العقل الأول ، وإن كان واحدا في وجوده بسيطا في صدوره ، لكنه لمكان إمكانه ، تلزمه ماهية اعتبارية غير أصيلة ، لأن موضوع الإمكان هي الماهية ، ومن وجه آخر ، هو يعقل ذاته ويعقل الواجب تعالى ، فيتعدد فيه الجهة ، ويمكن أن يكون لذلك مصدرا ، لأكثر من معلول واحد.

لكن الجهات الموجودة في عالم المثال ، الذي دون عالم العقل ، بالغة مبلغا لا تفي بصدورها الجهات القليلة ، التي في العقل الأول ، فلا بد من صدور عقل ثان ثم ثالث وهكذا ، حتى تبلغ جهات الكثرة عددا ، يفي بصدور العالم الذي يتلوه من المثال.

فتبين أن هناك عقولا طولية كثيرة ، وإن لم يكن لنا طريق إلى إحصاء عددها.

الفصل الثاني عشر

في العقول العرضية

أثبت الإشراقيون ، في الوجود عقولا عرضية ، لا علية ولا معلولية بينها ، هي

__________________

(١) في الفصل السادس.

(٢) في الفصل