درس بدایة الحکمة

جلسه ۱۰۳: عقول عرضیه

 

بحذاء الأنواع المادية التي في هذا العالم المادي ، يدبر كل منها ما يحاذيه من النوع ، وتسمى أرباب الأنواع والمثل الأفلاطونية ، لأنه كان يصر على القول بها ، وأنكرها المشاءون ، ونسبوا التدابير المنسوبة إليها ، إلى آخر العقول الطولية ، الذي يسمونه العقل الفعال.

وقد اختلفت أقوال المثبتين في حقيقتها ، وأصح الأقوال فيها على ما قيل ، هو أن لكل نوع من هذه الأنواع المادية ، فردا مجردا في أول الوجود ، واجدا بالفعل جميع الكمالات الممكنة لذاك النوع ، يعتني بأفراده المادية ، فيدبرها بواسطة صورته النوعية ، فيخرجها من القوة إلى الفعل ، بتحريكها حركة جوهرية ، بما يتبعها من الحركات العرضية.

وقد احتجوا لإثباتها بوجوه ، منها أن القوى النباتية ، من الغاذية والنامية والمولدة ، أعراض حالة في جسم النبات متغيرة بتغيره ، متحللة بتحلله ليس لها شعور وإدراك ، فيستحيل أن تكون هي المبادئ الموجدة ، لهذه التراكيب والأفاعيل المختلفة ، والأشكال والتخاطيط الحسنة الجميلة ، على ما فيها من نظام ، دقيق متقن تتحير فيه العقول والألباب ، فليس إلا أن هناك جوهرا مجردا عقليا ، يدبر أمرها ويهديها إلى غايتها فتستكمل بذلك.

وفيه أن من الجائز ، أن ينسب ما نسبوه إلى رب النوع إلى غيره ، فإن أفعال كل نوع مستندة إلى صورته النوعية ، وفوقها العقل الأخير الذي يثبته المشاءون ، ويسمونه العقل الفعال.

ومنها أن الأنواع الواقعة في عالمنا هذا ، على النظام الجاري في كل منها ، دائما من غير تبدل وتغير ، ليست واقعة بالاتفاق ، فلها ولنظامها الدائمي المستمر علل حقيقية ، وليست إلا جواهر مجردة ، توجد هذه الأنواع وتعتني بتدبير أمرها ، دون ما يتخرصون به من نسبة الأفاعيل والآثار ، إلى الأمزجة ونحوها

من غير دليل ، بل لكل نوع مثال كلي يدبر أمره ، وليس معنى كليته جواز صدقه على كثيرين ، بل إنه لتجرده تستوي نسبته إلى جميع الأفراد.

وفيه أن الأفعال والآثار ، المترتبة على كل نوع مستندة إلى صورته النوعية ، ولو لا ذلك لم تتحقق نوعية لنوع ، فالأعراض المختصة بكل نوع ، هي الحجة على أن هناك صورة جوهرية ، هي المبدأ القريب لها ، كما أن الأعراض المشتركة ، دليل على أن هناك موضوعا مشتركا.

ففاعل النظام الجاري في النوع هو صورته النوعية ، وفاعل الصورة النوعية كما تقدم (١) ، جوهر مجرد يفيضها على المادة المستعدة ، فتختلف الصور باختلاف الاستعدادات ، وإما أن هذا الجوهر المجرد ، عقل عرضي يخص النوع ويوجده ويدبر أمره ، أو أنه جوهر عقلي من العقول الطولية ، إليه ينتهي أمر عامة الأنواع ، فليست تكفي في إثباته هذه الحجة.

ومنها الاحتجاج على إثباتها ، بقاعدة إمكان الأشرف ، فإن الممكن الأخس إذا وجد ، وجب أن يوجد الممكن الأشرف قبله ، وهي قاعدة مبرهن عليها ، ولا ريب في أن الإنسان المجرد ، الذي هو بالفعل في جميع الكمالات الإنسانية مثلا ، أشرف وجودا من الإنسان المادي ، الذي هو بالقوة في معظم كمالاته ، فوجود الإنسان المادي ، الذي في هذا العالم دليل على وجود مثاله العقلي ، الذي هو رب نوعه.

وفيه أن جريان قاعدة إمكان الأشرف ، مشروط بكون الأشرف والأخس ، مشتركين في الماهية النوعية ، حتى يدل وجود الأخس في الخارج ، على إمكان الأشرف بحسب ماهيته ، ومجرد صدق مفهوم على شيء ، لا يستلزم كون المصداق فردا نوعيا له ، كما أن صدق مفهوم العلم على العلم الحضوري ، لا يستلزم كونه كيفا نفسانيا ، فمن الجائز أن يكون مصداق مفهوم الإنسان الكلي ،

__________________

(١) في الفصل السابع من المرحلة السادسة.

الذي نعقله مثلا عقلا كليا من العقول الطولية ، عنده جميع الكمالات الأولية والثانوية ، التي للأنواع المادية ، فيصدق عليه مفهوم الإنسان مثلا ، لوجدانه كماله الوجودي ، لا لكونه فردا من أفراد الإنسان.

وبالجملة صدق مفهوم الإنسان مثلا ، على الإنسان الكلي المجرد الذي نعقله ، لا يستلزم كون معقولنا ، فردا للماهية النوعية الإنسانية ، حتى يكون مثالا عقليا للنوع الإنساني.

الفصل الثالث عشر

في المثال

ويسمى البرزخ ، لتوسطه بين العقل المجرد والجوهر المادي ، والخيال المنفصل ، لاستقلاله عن الخيال الحيواني المتصل به.

وهو كما تقدم مرتبة من الوجود ، مفارق للمادة دون آثارها ، وفيه صور جوهرية جزئية ، صادرة من آخر العقول الطولية ، وهو العقل الفعال عند المشاءين ، أو من العقول العرضية على قول الإشراقيين ، وهي متكثرة حسب تكثر الجهات في العقل المفيض لها ، متمثلة لغيرها بهيئات مختلفة ، من غير أن ينثلم باختلاف الهيئات ، في كل واحد منها وحدته الشخصية.

الفصل الرابع عشر

في العالم المادي

وهو العالم المشهود ، أنزل مراتب الوجود وأخسها ، ويتميز من غيره بتعلق