درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۷: فایده علم اصول و تقسیم مباحث آن

 

تشترك كلّها في غرضنا المهمّ منه ، وهو استنباط الحكم الشرعيّ ، فلا وجه لجعل موضوع هذا العلم خصوص (الأدلّة الأربعة) فقط (١) ، وهي : الكتاب ، والسنّة ، والإجماع ، والعقل ، أو بإضافة الاستصحاب ، أو بإضافة القياس والاستحسان ، كما صنع المتقدّمون (٢).

ولا حاجة إلى الالتزام بأنّ العلم لا بدّ له من موضوع يبحث عن عوارضه الذاتيّة في ذلك العلم ـ كما تسالمت عليه كلمة المنطقيّين (٣) ـ فإنّ هذا لا ملزم له ولا دليل عليه (٤).

* فائدته

إنّ كلّ متشرّع يعلم أنّه ما من فعل من أفعال الإنسان الاختياريّة إلاّ وله حكم في الشريعة الإسلاميّة المقدّسة من وجوب أو حرمة أو نحوهما من الأحكام الخمسة. ويعلم أيضا أنّ تلك الأحكام ليست كلّها معلومة لكلّ أحد بالعلم الضروريّ ، بل يحتاج أكثرها لإثباتها إلى إعمال النظر وإقامة الدليل ، أي إنّها من العلوم النظريّة.

وعلم الأصول هو العلم الوحيد المدوّن للاستعانة به على الاستدلال على إثبات الأحكام الشرعيّة ؛ ففائدته إذن الاستعانة على الاستدلال للأحكام من أدلّتها.

* تقسيم أبحاثه

تنقسم مباحث هذا العلم إلى أربعة أقسام (٥) :

__________________

(١) هو ما اختاره في قوانين الأصول ١ : ٩.

(٢) ومراده من المتقدّمين هو بعض العامّة ، فإنّ بعضهم فسّروا أصول الفقه بـ «أدلّة الفقه». والأدلّة عند بعضهم هي الكتاب والسنّة والإجماع والقياس والاستدلال كما في الإحكام (للآمدي) ١ : ٢٢٦ ـ ٢٢٧. وعند بعض آخر منهم هي الكتاب والسنّة والإجماع والقياس والاستصحاب كما في اللمع : ٦.

(٣) شرح الشمسية : ١٤ ؛ حاشية ملاّ عبد الله : ٢٠٩ ؛ الأسفار ١ : ٣٠. والتزم بذلك بعض الأصوليّين ، فراجع الفصول الغرويّة : ١٠ ؛ كفاية الأصول : ٢١.

(٤) أي لا دليل على الوجوب ولا على الوقوع.

(٥) وهذا التقسيم حديث تنبّه له شيخنا العظيم الشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ قدس‌سره المتوفّى سنة ١٣٦١ (ه. ق) ،

١. مباحث الألفاظ : وهي تبحث عن مداليل الألفاظ وظواهرها من جهة عامّة ، نظير البحث عن ظهور صيغة «افعل» في الوجوب ، وظهور النهي في الحرمة ونحو ذلك.

٢. المباحث العقليّة : وهي ما تبحث عن لوازم الأحكام في أنفسها ولو لم تكن تلك الأحكام مدلولة للّفظ ، كالبحث عن الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع ، وكالبحث عن استلزام وجوب الشىء لوجوب مقدّمته المعروف هذا البحث باسم «مقدّمة الواجب» ، وكالبحث عن استلزام وجوب الشيء لحرمة ضدّه المعروف باسم «مسألة الضدّ» ، وكالبحث عن جواز اجتماع الأمر والنهي وغير ذلك.

٣. مباحث الحجّة : وهي ما يبحث فيها عن الحجّيّة والدليليّة ، كالبحث عن حجيّة خبر الواحد ، وحجّيّة الظواهر ، وحجّيّة ظواهر الكتاب (١) ، وحجّيّة السنّة والإجماع والعقل ، وما إلى ذلك.

٤. مباحث الأصول العمليّة : وهي تبحث عن مرجع المجتهد عند فقدان الدليل الاجتهاديّ ، كالبحث عن أصل البراءة والاحتياط والاستصحاب ونحوها ، فمقاصد الكتاب ـ إذن ـ أربعة.

وله خاتمة تبحث عن تعارض الأدلّة ؛ وتسمّى : «مباحث التعادل والتراجيح» ، فالكتاب يقع في خمسة أجزاء إن شاء الله تعالى (٢).

وقبل الشروع لا بدّ من مقدّمة يبحث فيها عن جملة من المباحث اللغويّة التي لم يستوف البحث عنها في العلوم الأدبيّة أو لم يبحث عنها.

__________________

ـ أفاده في دورة بحثه الأخيرة ... وهو التقسيم الصحيح ، الذي يجمع مسائل علم الأصول ويدخل كلّ مسألة في بابها ، فمثلا مبحث المشتقّ كان يعدّ من المقدّمات وينبغي أن يعدّ من مباحث الألفاظ ، ومقدّمة الواجب ومسألة الإجزاء ونحوهما كانت تعدّ من مباحث الألفاظ وهي من بحث الملازمات العقلية ... وهكذا. ـ منه رحمه‌الله ـ.

(١) قوله : «وحجيّة الظواهر» يشمل البحث عن حجيّة ظواهر الكتاب ، فالأنسب حذف قوله : «وحجيّة ظواهر الكتاب».

(٢) بل الكتاب ـ كما يأتي ـ يقع في أربعة أجزاء ، لأنّه ألحق مباحث التعادل والتراجيح إلى مباحث الحجّة في الجزء الثالث وأوضح وجه الإلحاق في مقدّمته.