درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۲۶: مطلق و مقید ۱

 

الباب السادس

المطلق والمقيّد

وفيه ستّ مسائل :

المسألة الأولى : معنى المطلق والمقيّد

عرّفوا المطلق بـ «أنّه ما دلّ على معنى شائع في جنسه (١)» ويقابله المقيّد. وهذا التعريف قديم بحثوا عنه كثيرا وأحصوا عليه عدّة مؤاخذات يطول شرحها (٢). ولا فائدة في ذكرها ما دام أنّ الغرض من مثل هذا التعريف هو تقريب المعنى الذي وضع له اللفظ ؛ لأنّه من التعاريف اللفظيّة (٣).

والظاهر أنّه ليس للأصوليّين اصطلاح خاصّ في لفظي المطلق والمقيّد ، بل هما مستعملان بما لهما من المعنى في اللغة ، فإنّ المطلق مأخوذ من «الإطلاق» ، وهو الإرسال والشيوع ، ويقابله التقييد تقابل الملكة وعدمها ، والملكة : التقييد ، والإطلاق : عدمها (٤) ، وقد تقدّم (٥).

غاية الأمر أنّ إرسال كلّ شيء بحسبه وما يليق به. فإذا نسب الإطلاق والتقييد إلى اللفظ ـ كما هو المقصود في المقام ـ فإنّما يراد ذلك بحسب ما له من دلالة على المعنى فيكونان وصفين للّفظ باعتبار المعنى.

__________________

(١) هذا التعريف نسبه المحقّق القمي إلى أكثر الأصوليّين. راجع قوانين الأصول ١ : ٣٢١.

(٢) وإن شئت فراجع : الفصول الغرويّة : ٢١٨ ؛ فوائد الأصول ٢ : ٥٦٢ ؛ مناهج الوصول ٢ : ٢١٣.

(٣) كما في كفاية الأصول : ٢٨٢.

(٤) والقول بأنّ التقابل بينهما تقابل الملكة وعدمها منسوب إلى سلطان العلماء ومن تبعه من المتأخّرين كما في فوائد الأصول ٢ : ٥٦٥. وفي المقام أقوال أخر ذكرناها في هامش (٢) من الصفحة : ٩١.

(٥) تقدّم في الصفحة : ٩١.

ومن موارد استعمال لفظ «المطلق» نستطيع أن نأخذ صورة تقريبيّة لمعناه. فمثلا عند ما نعرف العلم الشخصيّ والمعرّف بلام العهد لا يسمّيان مطلقين باعتبار معناهما ـ لأنّه لا شيوع ولا إرسال في شخص معيّن ـ لا ينبغي أن نظنّ أنّه لا يجوز أن يسمّى العلم الشخصيّ «مطلقا» ؛ فإنّه إذا قال الآمر : «أكرم محمّدا» وعرفنا أنّ لمحمّد أحوالا مختلفة ولم يقيّد الحكم بحال من الأحوال ، نستطيع أن نعرف أنّ لفظ «محمّد» هنا أو هذا الكلام بمجموعه يصحّ أن نصفه بالإطلاق بلحاظ الأحوال ، وإن لم يكن له شيوع باعتبار معناه الموضوع له. إذن للأعلام الشخصيّة والمعرّف بلام العهد إطلاق ، فلا يختصّ المطلق بما له معنى شائع في جنسه كاسم الجنس ونحوه. وكذلك عند ما نعرف أنّ العامّ لا يسمّى «مطلقا» ، فلا ينبغي أنّ نظنّ أنّه لا يجوز أن يسمّى «مطلقا» أبدا ؛ لأنّا نعرف أنّ ذلك إنّما هو بالنسبة إلى أفراده ، أمّا بالنسبة إلى أحوال أفراده غير المفردة فإنّه لا مضايقة في أن نسمّيه «مطلقا». إذن لا مانع من شمول تعريف المطلق المتقدّم ـ وهو ما دلّ على معنى شائع في جنسه ـ للعامّ باعتبار أحواله ، لا باعتبار أفراده.

وعلى هذا فمعنى المطلق هو شيوع اللفظ وسعته باعتبار ما له من المعنى وأحواله ؛ ولكن لا على أن يكون ذلك الشيوع مستعملا فيه اللفظ ، كالشيوع المستفاد من وقوع النكرة في سياق النفي ، وإلاّ كان الكلام عامّا لا مطلقا.

المسألة الثانية : الإطلاق والتقييد متلازمان

أشرنا إلى أنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد من باب تقابل الملكة وعدمها ؛ لأنّ الإطلاق هو عدم التقييد فيما من شأنه أن يقيّد ؛ فيتبع الإطلاق التقييد في الإمكان ، أي إنّه إذا أمكن التقييد في الكلام وفي لسان الدليل ، أمكن الإطلاق ، ولو امتنع ، استحال الإطلاق ، بمعنى أنّه لا يمكن فرض استكشاف الإطلاق وإرادته من كلام المتكلّم في مورد لا يصحّ التقييد ، بل يكون مثل هذا الكلام لا مطلقا ولا مقيّدا ، وإن كان في الواقع أنّ المتكلّم لا بدّ أن يريد أحدهما. وقد تقدّم مثاله في بحث التّوصليّ والتعبّديّ (١) ؛ إذ قلنا : إنّ امتناع تقييد الأمر

__________________

(١) تقدّم في الصفحة : ٨٦.

بقصد الامتثال يستلزم امتناع إطلاقه بالنسبة إلى هذا القيد. وذكرنا هناك كيف يمكن استكشاف إرادة الإطلاق بإطلاق المقام لا بإطلاق الكلام الواحد.

المسألة الثالثة : الإطلاق في الجمل

الإطلاق لا يختصّ بالمفردات ـ كما يظهر من كلمات الاصوليّين ـ ، إذ مثّلوا للمطلق باسم الجنس وعلم الجنس والنكرة (١) ، بل يكون في الجمل أيضا ، كإطلاق صيغة «افعل» الذي يقتضي استفادة الوجوب العينيّ والتعيينيّ والنفسيّ ، فإنّ الإطلاق فيها إنّما هو من نوع إطلاق الجملة. ومثله إطلاق الجملة الشرطيّة في استفادة الانحصار في الشرط.

ولكن محلّ البحث في المسائل الآتية خصوص الألفاظ المفردة ، ولعلّ عدم شمول البحث عندهم للجمل باعتبار أن ليس هناك ضابط كلّيّ لمطلقاتها (٢) وإن كان الأصحّ أنّ بحث مقدّمات الحكمة يشملها. وقد بحث عن إطلاق بعض الجمل في مناسباتها ، كإطلاق صيغة «افعل» والجملة الشرطيّة ونحوها.

تمرينات (٢٧)

١. ما تعريف المطلق والمقيّد؟ ايت بمثال لكلّ منهما.

٢. التقابل بين الإطلاق والتقييد من أيّ أقسام التقابل؟

٣. ما الوجه في عدم شمول البحث لإطلاق الجمل؟

__________________

(١) راجع كفاية الأصول : ٢٨٢ ـ ٢٨٦.

(٢) كما في فوائد الأصول ٢ : ٥٦٣.

أقول : ولعلّه باعتبار أنّ المراد من الإطلاق المستند في باب الأوامر وأمثاله غير المراد من الإطلاق المصطلح في باب المطلق والمقيّد ، وذلك لأنّ المراد من الإطلاق في باب الأوامر ـ مثلا ـ هو الاستناد إلى القرينة العدميّة لتعيين أحد القسمين ـ وهو الوجوب النفسيّ والعينيّ والتعيينيّ ـ ، بخلاف الإطلاق المصطلح في باب المطلق والمقيّد ، فإنّ مصبّه الجامع بين الأقسام وأثره كون المجعول الجامع بين الأفراد.