درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۲۰۷: مقدمه واجب ۲۳

 

المتقدّم ، وهذا الشوق بالنسبة إلى المقدّمة يتحوّل إلى الإرادة الحتميّة بالأمر ، إذ لا مانع من البعث نحوها حينئذ ، والمفروض أنّ وقتها قد حان فعلا ، فلا بدّ أن يأمر بها فعلا. أمّا ذو المقدّمة فحسب الفرض لا يمكن البعث نحوه ، والأمر به قبل وقته ؛ لعدم حصول ظرفه ، فلا أمر قبل الوقت ، وإن كان الشوق إلى الأمر به حاصل حينئذ ، ولكن لا يبلغ مبلغ الفعليّة ؛ لوجود المانع.

والحاصل أنّ الشوق إلى ذي المقدّمة والشوق إلى المقدّمة حاصلان قبل وقت ذي المقدّمة ، والشوق الثاني منبعث ومنبثق من الشوق الأوّل ، ولكنّ الشوق إلى المقدّمة يؤثّر أثره ، ويصير إرادة حتميّة ؛ لعدم وجود ما يمنع من الأمر ، دون الشوق إلى ذي المقدّمة ؛ لوجود المانع من الأمر.

وعلى هذا ، فتجب المقدّمة المفوّتة قبل وجوب ذيها ولا محذور فيه ، بل هو أمر لا بدّ منه ، ولا يصحّ أن يقع غير ذلك.

ولا تستغرب ذلك ، فإنّ هذا أمر مطّرد حتّى بالنسبة إلى أفعال الإنسان نفسه ، فإنّه إذا اشتاق إلى فعل شيء اشتاق إلى مقدّماته تبعا ، ولمّا كانت المقدّمات متقدّمة بالوجود زمانا على ذيها فإنّ الشوق إلى المقدّمات يشتدّ حتى يبلغ درجة الإرادة الحتميّة المحرّكة للعضلات فيفعلها ، مع أنّ ذا المقدّمة لم يحن وقته بعد ، ولم تحصل له الإرادة الحتميّة المحرّكة للعضلات ، وإنّما يمكن أن تحصل له الإرادة الحتميّة إذا حان وقته بعد طيّ المقدّمات.

فإرادة الفاعل التكوينيّة للمقدّمة متقدّمة زمانا على إرادة ذيها ، وعلى قياسها الإرادة التشريعيّة ، فلا بدّ أن تحصل للمقدّمة المتقدّمة زمانا قبل أن تحصل لذيها المتأخّر زمانا ، فيتقدّم الوجوب الفعليّ للمقدّمة على الوجوب الفعليّ لذيها زمانا ، على العكس ممّا اشتهر ولا محذور فيه بل هو المتعيّن.

وهذا حال كلّ متقدّم بالنسبة إلى المتأخّر ، فإنّ الشوق يصير شيئا فشيئا قصدا وإرادة ، كما في الأفعال التدريجيّة الوجود (١).

__________________

(١) انتهى ما أفاده المحقّق الأصفهانيّ في نهاية الدراية ١ : ٣٤٤ ـ ٣٤٨.

وقد تقدّم معنى تبعيّة وجوب المقدّمة لوجوب ذيها ، فلا نعيد ، وقلنا : إنّه ليس معناه معلوليّته لوجوب ذي المقدّمة ، وتبعيّته له وجودا ، كما اشتهر على لسان الأصوليّين (١).

فان قلت : إنّ وجوب المقدّمة ـ كما سبق (٢) ـ تابع لوجوب ذي المقدّمة إطلاقا واشتراطا ، ولا شكّ في أنّ الوقت ـ على الرأي المعروف ـ شرط لوجوب ذي المقدّمة ، فيجب أن يكون أيضا وجوب المقدّمة مشروطا به ؛ قضاء لحقّ التبعيّة.

قلت : إنّ الوقت على التحقيق ليس شرطا للوجوب بمعنى أنّه دخيل في مصلحة الأمر ، كالاستطاعة بالنسبة إلى وجوب الحجّ ، وإن كان دخيلا في مصلحة المأمور به ، ولكنّه لا يتحقّق البعث قبله ، فلا بدّ أن يؤخذ مفروض الوجود بمعنى عدم الدعوة إليه ؛ لأنّه غير اختياريّ للمكلّف. أمّا عدم تحقّق وجوب الموقّت قبل الوقت فلامتناع البعث قبل الوقت.

والسرّ واضح ؛ لأنّ البعث ـ حتى الجعليّ منه ـ يلازم الانبعاث إمكانا ووجودا ، فإذا أمكن الانبعاث أمكن البعث وإلاّ فلا ، وإذ يستحيل الانبعاث قبل الوقت استحال البعث نحوه حتّى الجعليّ. ومن أجل هذا نقول بامتناع الواجب المعلّق ، لأنّه يلازم انفكاك الانبعاث عن البعث.

وهذا بخلاف المقدّمة قبل وقت الواجب ، فإنّه يمكن الانبعاث نحوها ، فلا مانع من فعليّة البعث بالنظر إليها لو ثبت ، فعدم فعليّة الوجوب قبل زمان الواجب إنّما هو لوجود المانع لا لفقدان الشرط ، وهذا المانع موجود في ذي المقدّمة قبل وقته ، مفقود في المقدّمة.

ويتفرّع على هذا فرع فقهيّ ، وهو : أنّه حينئذ لا مانع في المقدّمة المفوّتة العباديّة ـ كالطهارات الثلاث ـ من قصد الوجوب في النيّة قبل وقت الواجب لو قلنا بأنّ مقدّمة الواجب واجبة.

والحاصل أنّ العقل يحكم بلزوم الإتيان بالمقدّمة المفوّتة قبل وقت ذيها ، ولا مانع عقليّ من ذلك.

هذا كلّه من جهة إشكال انفكاك وجوب المقدّمة عن وجوب ذيها. وأمّا من جهة

__________________

(١) تقدّم في الأمر الثاني من هذا الجزء : ٢٦٩ ـ ٢٧٠.

(٢) سبق في الصفحة : ٢٧٣ ـ ٢٧٤.