درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۶۳: مفاهیم ۵

 

قلت : أوّلا : هذا فيما تمّت هناك مقدّمات الحكمة ، ولا تكاد تتمّ فيما هو مفاد الحرف ، كما هاهنا ، وإلّا لما كان معنى حرفيّا ، كما يظهر وجهه بالتأمّل (١).

وثانيا : تعيّنه من بين أنحائه (٢) بالإطلاق المسوق في مقام البيان بلا معيّن. ومقايسته مع تعيّن الوجوب النفسيّ بإطلاق صيغة الأمر مع الفارق ، فإنّ النفسيّ هو الواجب (٣) على كلّ حال ، بخلاف الغيريّ ، فإنّه واجب على تقدير دون تقدير ، فيحتاج بيانه إلى مئونة التقييد بما إذا وجب الغير ، فيكون الإطلاق في الصيغة مع مقدّمات الحكمة محمولا عليه ، وهذا بخلاف اللزوم والترتّب بنحو الترتّب على العلّة المنحصرة ، ضرورة أنّ كلّ واحد من أنحاء اللزوم والترتّب محتاج في تعيّنه إلى القرينة مثل الآخر بلا تفاوت أصلا ، كما لا يخفى.

ثمّ إنّه ربما يتمسّك للدلالة على المفهوم بإطلاق الشرط بتقريب أنّه لو لم يكن بمنحصر يلزم تقييده ، ضرورة أنّه لو قارنه أو سبقه الآخر لما أثّر وحده ، وقضيّة إطلاقه أنّه يؤثّر كذلك مطلقا (٤).

__________________

ـ الحكمة ـ يقتضي كون الشرط المذكور علّة منحصرة. نظير الوجوب النفسيّ المستفاد من إطلاق صيغة الأمر ، حيث يكون قيده عدميّا ولا يحتاج إلى بيان زائد على أصل الوجوب ، بخلاف الوجوب الغيريّ ، كما مرّ.

(١) ولعلّ وجهه أنّ الإطلاق يستلزم لحاظ المطلق استقلالا ، كما أنّ التقييد يستلزم لحاظ المقيّد كذلك. ومعنى الحرفيّ لا يقبل اللحاظ الاستقلاليّ.

ولا يخفى : أنّه ينافي ما تقدّم منه في الواجب المشروط ، حيث قال : «وأمّا حديث عدم الإطلاق في مفاد الهيئة فقد حقّقنا سابقا أنّ كلّ واحد من الموضوع له والمستعمل فيه في الحروف يكون عامّا كوضعها». راجع الجزء الأوّل : ١٨٤.

(٢) أي : تعيّن اللزوم بمعنى العلّيّة المنحصرة من بين أنحاء اللزوم.

(٣) والأولى أن يقول : «هو الوجوب».

(٤) هذا هو الوجه الرابع. وتوضيحه : أنّ إطلاق الشرط يقتضي كونه وحده شرطا ، سواء سبقه الآخر أو قارنه أو لم يسبقه. وهذا يستلزم كونه علّة منحصرة ، لأنّه لو لم يكن شرطا منحصرا لكان التأثير للسابق عليه في صورة سبق غيره وللجامع بينهما في صورة المقارنة ، وهذا ينافي مقتضى إطلاق الشرط. ـ

وفيه : أنّه لا تكاد تنكر الدلالة على المفهوم مع إطلاقه كذلك إلّا أنّه من المعلوم ندرة تحقّقه لو لم نقل بعدم اتّفاقه (١).

فتلخّص ـ بما ذكرنا ـ أنّه لم ينهض دليل على وضع مثل «إن» على تلك الخصوصيّة المستتبعة للانتفاء عند الانتفاء ، ولم تقم عليها قرينة عامّة. أمّا قيامها أحيانا ـ كانت مقدّمات الحكمة أو غيرها ـ ممّا لا يكاد ينكر ، فلا يجدي القائل بالمفهوم أنّه قضيّة الإطلاق في مقام من باب الاتّفاق.

وأمّا توهّم أنّه قضيّة إطلاق الشرط ، بتقريب : أنّ مقتضاه تعيّنه ، كما أنّ مقتضى إطلاق الأمر تعيّن الوجوب (٢).

__________________

ـ ولا يخفى : أنّ ما ينافي مقتضى إطلاق الشرط ـ من الانحصار ـ هو فرض كون التأثير للجامع بينه وبين غيره ، وهذا في صورة المقارنة. وأمّا في صورة سبق غيره فيكون التأثير للسابق فقط ، وهذا ينافي شرطيّة الشرط لا مقتضى إطلاقه. فالأولى ـ بل الصحيح ـ أن يقول : «ضرورة أنّه لو قارنه الآخر لما أثّر وحده».

(١) وتوضيحه ـ على ما استفدت من كلام السيّد الإمام الخمينيّ في مناهج الوصول ٢ : ١٨٤ ـ ١٨٥ ـ : أنّ الجملة الشرطيّة لا تدلّ على أنّ ما جعل شرطا هو تمام الموضوع لإناطة الجزاء به ، فتدلّ على حدوث الجزاء عند حدوث الشرط. وأمّا استناده الفعليّ إلى الشرط فهو يتوقّف على إجراء مقدّمات الحكمة ، وهي غير تامّة ، لعدم كون المتكلّم في مقام بيانه ، فإنّ الاستناد أو اللااستناد في الوجود الخارجيّ بالنسبة إلى المقارنات الخارجيّة غير مربوط بمقام جعل الأحكام على العناوين. فلا يصحّ التمسّك بإطلاق الكلام لإثبات الانحصار ، إذ من الممكن أن يؤثّر غيره فيه أيضا لو قارنه.

وأمّا ما ذكره المحقّق الاصفهانيّ في نهاية الدراية ١ : ٦٢٠ توضيحا لكلام المصنّف رحمه‌الله ـ من أنّ القضايا الشرطيّة الشرعيّة ليست في مقام بيان فعليّة تأثير هذا الشرط ، بل هي في مقام بيان اقتضاء هذا الشرط لتحقّق الجزاء ، وهو لا ينافي كون غيره مقتضيا وجزء المؤثّر ـ فهو غير مقصود قطعا ، ضرورة أنّه يستلزم عدم فعليّة الأحكام الواردة في لسان الشارع على نحو القضايا الشرطيّة ، وهذا لا يتفوّه به أحد.

(٢) وهذا هو الوجه الخامس : بيان ذلك : أنّ إطلاق الشرط يقتضي كونه منحصرا ، لأنّ غير المنحصر يحتاج إلى بيان زائد ، ضرورة أنّه لو كان هناك شرط آخر للجزاء بديل لذلك الشرط لاحتاج إلى بيانه بالعطف ب «أو». وأمّا المنحصر فلا يحتاج إلى بيان زائد. فإذا اطلق ـ

ففيه : أنّ التعيّن ليس في الشرط نحوا (١) يغاير نحوه فيما إذا كان متعدّدا (٢) ، كما كان في الوجوب كذلك ، وكان الوجوب في كلّ منهما متعلّقا بالواجب بنحو آخر لا بدّ في التخييريّ منهما من العدل. وهذا بخلاف الشرط ، فإنّه ـ واحدا كان أو متعدّدا ـ كان نحوه واحدا ودخله في المشروط بنحو واحد ، لا تتفاوت الحال فيه ثبوتا ، كي تتفاوت عند الإطلاق إثباتا ، وكان الإطلاق مثبتا لنحو لا يكون له عدل ، لاحتياج ما له العدل إلى زيادة مئونة ، وهو ذكره بمثل «أو كذا». واحتياج ما إذا كان الشرط متعدّدا إلى ذلك إنّما يكون لبيان التعدّد ، لا لبيان نحو الشرطيّة. فنسبة إطلاق الشرط إليه لا تختلف ، كان هناك شرط آخر أم لا ، حيث كان مسوقا لبيان شرطيّته بلا إهمال ولا إجمال. بخلاف إطلاق الأمر ، فإنّه لو لم يكن لبيان خصوص الوجوب التعيينيّ ، فلا محالة يكون في مقام الإهمال أو الإجمال ، تأمّل تعرف (٣). هذا.

__________________

ـ تعليق الجزاء على الشرط وشكّ في ترتّبه على خصوص هذا الشرط أو ترتّبه عليه وعلى بديله يتمسّك بإطلاق الكلام وينفى البديل ، إذ لو كان له بديل لبيّنه المتكلّم بالعطف ب «أو». فمقتضى الإطلاق في المقام نظير مقتضى إطلاق صيغة الأمر من الوجوب التعيينيّ ، فإنّه لا يحتاج إلى بيان زائد على أصل الوجوب له ، وإلّا بيّنه المتكلّم الحكيم.

والفرق بين هذا الوجه وسابقه أنّ الوجه السابق يحاول إثبات الانحصار من طريق إثبات ترتّب الجزاء على الشرط وعدم تأثير غيره فيه لو سبقه أو قارنه ؛ وهذا الوجه يحاول إثباته من طريق عدم تأثير غيره فيه لو انعدم الشرط وجاء غيره.

(١) وفي النسخ المخطوطة : «نحو». والصحيح ما أثبتناه.

(٢) أي : ليست الشرطيّة في الشرط الواحد نحوا مغايرا لها في الشرط المتعدّد.

(٣) وحاصل الإيراد : أنّ قياس المقام بالوجوب التعيينيّ والتخييريّ قياس مع الفارق ، لأنّ الوجوب التعيينيّ يختلف سنخه عن الوجوب التخييريّ ، فإنّ الوجوب التعيينيّ تعلّق بالواجب فقط ، فلا يحتاج إلى بيان زائد على أصل الوجوب ؛ بخلاف التخييريّ ، فإنّه تعلّق بالواجب أو واجب آخر ، فيحتاج إلى بيان العدل بالعطف ب «أو». وأمّا الشرط فهو لا يختلف في صورتي التعدّد والانحصار ، بل شرطيّته وتأثيره على نحو واحد في كلتا الصورتين.

وأجاب عنه المحقّقان : النائينيّ والعراقيّ.

أمّا المحقّق النائينيّ : فحاصل ما أفاده أنّ التمسّك بالإطلاق ليس من جهة إثبات انحصار ـ