درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۸۷: عام و خاص ۵

 

فصل

[حجّيّة العامّ المخصّص في الباقي]

[المشهور بين الأصحاب]

لا شبهة في أنّ العام المخصّص بالمتّصل أو المنفصل حجّة فيما بقي فيما علم عدم دخوله في المخصّص مطلقا ولو كان متّصلا ، وما احتمل دخوله فيه أيضا إذا كان منفصلا(١)،

__________________

(١) والأولى أن يقول : «الحقّ أنّ العامّ المخصّص حجّة فيما بقي إذا علم عدم دخوله في المخصّص مطلقا ولو كان متّصلا ، وحجّة فيما احتمل دخوله فيه أيضا إذا كان منفصلا».

وجه الأولويّة : أنّ قوله : «لا شبهة» ظاهر في نفي الشبهة عند الجميع. وهو ينافي الخلاف الّذي تعرّض له بعد. مضافا إلى أنّ قوله : «بالمتّصل أو المنفصل» مستدرك ، لأنّ قوله : «مطلقا ولو كان متّصلا» مغن عنه.

وحاصل ما أفاده : أنّ المخصّص قسمان :

أحدهما : ما يقترن بالعامّ في جملة واحدة ، كقولنا : «أشهد أن لا إله إلّا الله» ، ويسمّى : «المخصّص المتّصل».

ثانيهما : ما لا يقترن بالعامّ في جملة واحدة ، بل ورد في كلام آخر مستقلّ قبله أو بعده ، كأن يقول المولى : «أكرم العلماء» ثمّ يقول : «لا تكرم النحويّين» ، ويسمّى : «المخصّص المنفصل».

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ في المقام صور أربع :

الأولى : أن يعلم عدم دخول الباقي ـ وهو غير ما خرج بالتخصيص ـ في المخصّص وكان المخصّص منفصلا. ـ

كما هو (١) المشهور بين الأصحاب ، بل لا ينسب الخلاف (٢) إلّا إلى بعض أهل الخلاف(٣).

وربما فصّل بين المخصّص المتّصل فقيل بحجّيّته فيه ، وبين المنفصل فقيل بعدم حجّيّته(٤).

[احتجاج النافين والجواب عنه]

واحتجّ النافي (٥) بالإجمال ، لتعدّد المجازات حسب مراتب الخصوصيّات ، وتعيّن الباقي من بينها بلا معيّن ترجيح بلا مرجّح (٦).

والتحقيق في الجواب أن يقال : إنّه لا يلزم من التخصيص كون العامّ مجازا :

أمّا في التخصيص بالمتّصل : فلما عرفت من أنّه لا تخصيص أصلا ، وأنّ أدوات

__________________

ـ الثانية : أن يعلم عدم دخول الباقي في المخصّص وكان المخصّص متّصلا.

الثالثة : أن يحتمل دخول الباقي في المخصّص وكان المخصّص منفصلا.

الرابعة : أن يحتمل دخوله في المخصّص وكان المخصّص متّصلا.

فالعامّ المخصّص حجّة في الباقي إلّا في الصورة الرابعة.

(١) أي : كون العامّ حجّة في الباقي.

وتوهّم بعض المحشّين رجوعه إلى الصورة الثالثة ـ أي : كون العامّ حجّة في الباقي فيما احتمل دخوله في المخصّص إذا كان منفصلا ـ. ولكنّه لا يناسب ما يأتي من الإضراب حيث قال : «بل لا ينسب الخلاف ...».

(٢) الخلاف هنا بمعنى المخالفة.

(٣) وهو الغزاليّ وأبو الحسن الكرخيّ وعيسى بن أبان وأبو ثور. راجع الإحكام (للآمديّ) ٢ : ٢٢٧ ، واصول السرخسيّ ١ : ١٤٤ ، واصول الجصّاص ١ : ١٣١ ، والإحكام (لابن حزم) ٣ : ٣٧٣.

(٤) هذا ما ذهب إليه البلخيّ من العامّة على ما في الإحكام (للآمديّ) ٢ : ٢٢.

(٥) راجع اصول الجصّاص ١ : ١٣١.

(٦) توضيحه : أنّ العامّ حقيقة في العموم ، وإذا خصّص كان استعماله في الباقي استعمالا في غير الموضوع له ، فيكون استعماله مجازيّا. وبما أنّ مراتب المجاز ـ أي ما عدا الخاصّ ـ متعدّدة ولا معيّن لإحداها ، فلا يكون العامّ حجّة في إحداها ، وتعيين تمام الباقي ترجيح بلا مرجّح.

العموم قد استعملت فيه وإن كان دائرته سعة وضيقا يختلف (١) باختلاف ذوي الأدوات ، فلفظة «كلّ» في مثل «كلّ رجل» و «كلّ رجل عالم» قد استعملت في العموم ، وإن كان أفراد أحدهما بالإضافة إلى الآخر بل في نفسها في غاية القلّة.

وأمّا في المنفصل : فلأنّ إرادة الخصوص واقعا لا تستلزم استعماله فيه (٢) وكون الخاصّ قرينة عليه ، بل من الممكن ـ قطعا ـ استعماله معه (٣) في العموم قاعدة (٤) وكون الخاصّ مانعا عن حجّية ظهوره ، تحكيما للنصّ أو الأظهر على الظاهر ، لا مصادما لأصل ظهوره ، ومعه لا مجال للمصير إلى أنّه قد استعمل فيه مجازا كي يلزم الإجمال (٥).

لا يقال : هذا مجرّد احتمال ولا يرتفع به الإجمال ، لاحتمال الاستعمال في خصوص مرتبة من مراتبه.

فإنّه يقال : مجرّد احتمال استعماله فيه لا يوجب إجماله بعد استقرار ظهوره في العموم ، والثابت من مزاحمته بالخاصّ إنّما هو بحسب الحجّيّة ، تحكيما لما هو الأقوى ، كما أشرنا إليه آنفا.

وبالجملة : الفرق بين المتّصل والمنفصل وإن كان بعدم انعقاد الظهور في الأوّل إلّا في الخصوص ، وفي الثاني إلّا في العموم ، إلّا أنّه لا وجه لتوهّم استعماله مجازا في واحد منهما (٦) أصلا ، وإنّما اللازم الالتزام بحجّيّة الظهور في الخصوص في الأوّل وعدم حجّيّة ظهوره في خصوص ما كان الخاصّ حجّة فيه في الثاني ،

__________________

(١) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «وإن كانت دائرته ـ سعة وضيقا ـ تختلف ...».

(٢) أي : استعمال العموم في الخصوص.

(٣) أي : مع وجود المخصّص المنفصل.

(٤) أي : من باب جعل القاعدة في ظرف الشكّ.

(٥) والحاصل : أنّ التخصيص بالمنفصل لا ينافي ظهور العامّ في العموم ، بل إنّما يمنع عن حجّيّته ويتقدّم عليه لكونه أظهر منه.

(٦) أي : المخصّص المتّصل والمخصّص المنفصل.