درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۸۶: استصحاب ۲۷

 

[التنبيه] الرابع : [جريان الاستصحاب في التدريجيّات]

[استصحاب الزمان والزمانيّات المتصرّمة]

انّه لا فرق في المتيقّن بين أن يكون من الامور القارّة (١) أو التدريجيّة الغير القارّة (٢) ، فإنّ الامور الغير القارّة وإن كان وجودها ينصرم ولا يتحقّق منه جزء إلّا بعد ما انصرم منه جزء وانعدم (٣) ، إلّا أنّه ما لم يتخلّل في البين العدم ـ بل وإن تخلّل بما لا يخلّ بالاتّصال عرفا ، وإن انفصل حقيقة ـ كانت (٤) باقية مطلقا (٥) أو عرفا ، ويكون رفع اليد عنها مع الشكّ في استمرارها وانقطاعها نقضا ، ولا يعتبر في الاستصحاب بحسب تعريفه وأخبار الباب وغيرها من أدلّته غير صدق النقض والبقاء كذلك (٦) قطعا. هذا.

مع أنّ الانصرام والتدرّج في الوجود في الحركة في الأين وغيره إنّما هو في الحركة القطعيّة ، وهي : «كون الشيء في كلّ آن في حدّ أو مكان» (٧) ، لا التوسّطيّة ، وهي : «كونه بين المبدأ والمنتهى» ، فإنّه (٨) بهذا المعنى يكون

__________________

ـ أنّ السفر ينتهي بمشاهدة الجدران شرعا ، ولكن يشكّ في بقائه من جهة أنّه لم يعلم أنّ ما يشهد من الجدران هل هو جدران بلده فينتهي السفر أو هو جدران بلد آخر فيبقي السفر؟ وهذا أيضا من القسم الثالث ، ولا يجري فيه الاستصحاب.

(١) وهي الامور الّتي تتحقّق وتجتمع أجزاؤها في الوجود زمانا ، ككثير من الأشياء الخارجيّة.

(٢) وهي الامور الّتي لا تجتمع أجزاؤها في زمان واحد ، بل لا يوجد جزء منها إلّا بعد انعدام الجزء الّذي قبله ، كالليل والشهر والحركة وغيرها من الامور السيّالة.

(٣) هكذا في النسخ. ولكن الصواب أن يقول : «ولا يتحقّق منها جزء إلّا بعد ما انصرم منها جزء وانعدم ، ...» ، فإنّ الضمير يرجع إلى الامور.

(٤) جواب قوله : «ما لم يتخلّل».

(٥) أي : حقيقة وعرفا.

(٦) أي : عرفا.

(٧) قال المحقّق الأصفهانيّ : «إنّ التعريف المذكور في المتن للحركة القطعيّة ـ وهو كون الشيء في كلّ آن في حدّ ومكان ـ هو تعريف مطلق الحركة عند المشهور ، ففي القطعيّة بلحاظ أجزائها ، وفي التوسّطيّة بلحاظ أفرادها». نهاية الدراية ٣ : ١٨٣.

(٨) أي : الوجود في الحركة بمعنى كون الشيء بين المبدأ والمنتهى.

قارّا مستمرّا (١).

فانقدح بذلك أنّه لا مجال للإشكال في استصحاب مثل الليل أو النهار وترتيب ما لهما من الآثار (٢).

__________________

(١) والحاصل : أنّه يستشكل في جريان الاستصحاب في الامور التدريجيّة بعدم تصوّر البقاء في مثل الزمان والزمانيّات المتصرّمة الّتي توجد وتنصرم شيئا فشيئا ، لأنّ بقاء الشيء عبارة عن استمرار وجوده في الآن اللاحق بعين وجوده في الآن السابق ، وهو غير متصوّر في الامور التدريجيّة الّتي لا يتحقّق منها جزء إلّا بعد ما انعدم منها جزء آخر. وأجاب عنه المصنّف قدس‌سره بوجهين :

أحدهما : ما أشار إليه بقوله : «إلّا أنّه ما لم يتخلّل ... كذلك قطعا». وحاصله : أنّ الآنات والأزمنة المتعاقبة وإن كانت في الحقيقة وجودات متعدّدة متصرّمة ، إلّا أنّها لمّا كانت على نهج الاتّصال ولم يتخلّل بينها سكون كان الجميع بنظر العرف موجودا واحدا باقيا ، ويعدّ الموجود اللاحق منها بقاء لما حدث أوّلا ، فيصدق عليه الشكّ في بقاء ما حدث ، فتتّحد القضيّة المتيقّنة مع القضيّة المشكوكة عرفا ، وإن لم تكونا بحسب الحقيقة والدقّة العقليّة كذلك ، فتجري الاستصحاب ، لأنّ مدار الوحدة في متعلّق الوصفين هو نظر العرف وصدق النقض والبقاء كذلك.

ثانيهما : ما أشار إليه بقوله : «مع أنّ الانصرام ...». وتوضيحه : أنّ الانصرام والتجدّد المانع عن الاستصحاب انّما هو في الحركة القطعيّة المنتزعة من الأكوان المتعاقبة على نهج الاتّصال الّتي تتوافى للحدود الواقعة بين المبدأ والمنتهى ، فهي باعتبار منشأ انتزاعها ـ وهو الأكوان المتعاقبة المتفرّقة في الخارج ـ تدريجيّة. وأمّا الحركة التوسّطيّة ـ وهي كون الشيء بين المبدأ والمنتهى ـ فهي من الامور القارّة ويصدق عليها البقاء حقيقة ، فلا قصور في جريان الاستصحاب فيها.

ولا يخفى : أنّ المحقّق العراقيّ أورد على الوجه الثاني بمنع صدق القارّ المستمرّ على الحركة التوسطيّة ، كي يتصوّر فيها البقاء الحقيقيّ ، لأنّ البقاء الحقيقيّ للشيء عبارة عن استمرار وجوده في ثاني زمان حدوثه بماله من المراتب والحدود المشخّصة له في آن حدوثه ، ومثله غير متصوّر في الحركة التوسّطيّة ، بداهة أنّها ليست بحقيقتها إلّا عين التجدّد والانقضاء والخروج من القوّة إلى الفعل ، فهي بهذا الاعتبار عين الوجودات المتعاقبة والحصولات المتدرّجة الموافية للحدود المعيّنة ، لأنّ كلّ واحد منها كون واقع بين المبدأ والمنتهى وفرد للحركة التوسطيّة ومرتبة من مراتب وجودها خارجا. نهاية الأفكار ٤ : ١٤٦ ـ ١٤٧.

(٢) فإذا نذر التصدّق بدرهم إذا كان النهار باقيا وشكّ في بقاء النهار ، جرى استصحاب النهار ـ

وكذا كلّما إذا كان الشكّ في الأمر التدريجيّ من جهة الشكّ في انتهاء حركته ووصوله إلى المنتهى أو أنّه بعد في البين (١).

وأمّا إذا كان من جهة الشكّ في كميّته ومقداره ـ كما في نبع الماء وجريانه وخروج الدم وسيلانه فيما كان سبب الشكّ في الجريان والسيلان الشكّ في أنّه بقي في المنبع والرحم فعلا شيء من الماء والدم غير ما سال وجرى منهما (٢) ـ فربما يشكل في استصحابهما حينئذ ، فإنّ الشكّ ليس في بقاء جريان شخص ما كان جاريا ، بل في حدوث جريان جزء آخر شكّ في جريانه من جهة الشكّ في

__________________

ـ وترتّب عليه وجوب الوفاء بالنذر.

(١) كما إذا علمنا أنّ العين الكذائيّة تستعدّ أن يجري ماؤها إلى ثلاثين أيّام ، ولكن نشكّ بعد مضيّ خمسة أيّام في انقطاع جريانه لمانع ، فنستصحب جريانه.

(٢) لا يخفى : أنّ الشكّ في بقاء الماء في المنبع أو الدم في الرحم تارة يكون مستندا إلى الشكّ في أصل ما يقتضيه الماء والدم الموجودان فيهما من أوّل الأمر ، فيشكّ في أنّه بقي من الموجود فيهما شيء غير ما سال منهما إلى الآن أو لم يبق؟ واخرى يكون مستندا إلى احتمال حدوث مقدار آخر زائد على المقدار المعلوم أوّلا الّذي نعلم بانتفائه ، بأن نحتمل تكوّن مقدار زائد من الماء في المنبع بسبب المطر ، أو نحتمل عرض أمر في باطن الحكم يقتضي سيلان الدم بعد القطع بارتفاع ما كان في الرحم أوّلا ، فيجري الاستصحاب في كلتا الصورتين.

ولكن المحقّق النائينيّ منع عن جريان الاستصحاب في الصورة الأخيرة ، بدعوى أنّها ترجع إلى الوجه الثاني من القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلّي ، لأنّ الوحدة في الامور التدريجيّة انّما تكون بوحدة الداعي ، فيتعدّد الأمر التدريجيّ ـ كسيلان الماء وجريانه ـ بتعدّد الداعي ، وحيث أنّ الداعي الأوّل ـ في المقام ـ انتفى يقينا وتكون الحركة الحادثة بداع آخر ـ على تقدير وجوده ـ فتصير الحركة متعدّدة ولا يصحّ جريان الاستصحاب حينئذ ، لاختلاف القضيّة المتيقّنة والمشكوكة. فوائد الاصول ٤ : ٤٤١.

وأورد عليه المحقّق العراقيّ بأنّه لو سلّم ما أفاد في مثل المتكلّم فلا مجال لتسليمه في مثل جريان الماء والدم إلّا بتغيّر خصوصيّتهما المتقوّمة عرفا ، وإلّا فمثل اختلاف المبدأ في هذه الامور كمثل اختلاف عمود الخيمة بالنسبة إلى بقاء هيئة الخيمة بحالها ، كما لو شكّ في بقاء هيئة الخيمة من جهة احتمال تكوّن عمود آخر مقام العمود السابق المنتفي قطعا ، فإنّه لا قصور في استصحاب بقاء هيئة الخيمة بحالها. راجع هامش فوائد الاصول ٤ : ٤٤١ ـ ٤٤٢.

حدوثه. ولكنّه ينحلّ (١) بأنّه لا يختلّ به ما هو الملاك في الاستصحاب (٢) بحسب تعريفه ودليله حسبما عرفت.

ثمّ إنّه لا يخفى أنّ استصحاب بقاء الأمر التدريجيّ إمّا يكون من قبيل استصحاب الشخص أو من قبيل استصحاب الكلّيّ بأقسامه ؛ فإذا شكّ في أنّ السورة المعلومة الّتي شرع فيها تمّت أو بقي شيء منها صحّ فيه (٣) استصحاب الشخص والكلّيّ ؛ وإذا شكّ فيه (٤) من جهة تردّدها بين القصيرة والطويلة كان من القسم الثاني ؛ وإذا شكّ في أنّه شرع في اخرى مع القطع بأنّه قد تمّت الاولى كان من القسم الثالث كما لا يخفى.

هذا في الزمان ونحوه من سائر التدريجيّات.

[استصحاب الفعل المقيّد بالزمان]

وأمّا الفعل المقيّد بالزمان : فتارة يكون الشكّ في حكمه من جهة الشكّ في بقاء قيده (٥) ؛ وطورا مع القطع بانقطاعه وانتفائه من جهة اخرى (٦) ، كما إذا احتمل أن يكون التقييد به (٧) إنّما هو بلحاظ تمام المطلوب لا أصله (٨).

فإن كان من جهة الشكّ في بقاء القيد ، فلا بأس باستصحاب قيده من الزمان ،

__________________

(١) وفي بعض النسخ : «يتخيّل». والصحيح ما أثبتناه.

(٢) وهو صدق البقاء والنقض عرفا.

(٣) أي : في هذا الشكّ المتعلّق ببقاء السورة.

(٤) أي : في أنّ السورة تمّت أو بقي شيء منها.

(٥) وهو الزمان الخاص.

(٦) غير جهة الشكّ في بقاء القيد ، وهو الزمان.

(٧) وفي بعض النسخ : «التعبّد به». والصحيح ما أثبتناه.

(٨) وبتعبير آخر : وتارة اخرى يكون الشكّ في حكمه من جهة الشكّ في كيفيّة التقييد بالزمان ، فيشكّ في أنّه هل يكون تقييد الحكم بالزمان الخاصّ بنحو وحدة المطلوب كي ينتفي الحكم رأسا بانتفاء ذاك الزمان ، أو يكون بنحو تعدّد المطلوب كي ينتفى المطلوب الأقصى التامّ بانتفاء الزمان لا أصل المطلوب؟