درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۹۹: استصحاب ۴۰

 

تحقّقه في الزمان الأوّل وترتيب آثاره (١). لا آثار تأخّره عنه ، لكونه بالنسبة إليها مثبتا (٢) ، إلّا بدعوى خفاء الواسطة أو عدم التفكيك في التنزيل بين عدم تحقّقه إلى زمان وتأخّره عنه عرفا كما لا تفكيك بينهما واقعا. ولا آثار حدوثه في الزمان الثاني ، فإنّه نحو وجود خاصّ(٣). نعم ، لا بأس بترتيبها بذاك الاستصحاب بناء على أنّه عبارة عن أمر مركّب من الوجود في الزمان اللاحق وعدم الوجود في السابق.

وإن لوحظ بالإضافة إلى حادث آخر علم بحدوثه أيضا ، وشكّ في تقدّم ذاك عليه وتأخّره عنه ، كما إذا علم بعروض حكمين (٤) أو موت متوارثين (٥) وشكّ في المتقدّم والمتأخّر منهما (٦) :

__________________

(١) فيستصحب في المثال السابق عدم خروجه عن النشوز في يوم الخميس ، ويترتّب عليه عدم اشتغال ذمّته بنفقة يوم الخميس.

(٢) فإذا علم بأنّ زيدا ـ وهو أحد الورثة ـ أسلم ، ولكن شكّ في أنّه أسلم يوم الخميس ـ وهو قبل زمان القسمة ـ أو أنّه أسلم يوم الجمعة ـ أي بعد زمان القسمة ـ ، فيستصحب عدم إسلامه في يوم الخميس ويترتّب عليه آثاره ، كالحكم بنجاسته يوم الخميس والحكم ببطلان عقده مع المسلمة في ذلك اليوم. ولا يترتّب على استصحاب عدم إسلامه يوم الخميس آثار تأخّره عن يوم الخميس ، لأنّه أثر تأخّر إسلامه عن القسمة ، وهذا التأخّر لازم عقليّ لعدم حدوث إسلامه يوم الخميس ، فلا يترتّب عليه إلّا على القول بالأصل المثبت.

(٣) فإذا قال رجل : «بعتك هذا الكتاب إن خرجت زوجتي عن النشوز يوم الجمعة» ، وشكّ في أنّها خرجت عن النشوز يوم الخميس أو خرجت عنه يوم الجمعة ، فيستصحب عدم خروجها عن النشوز يوم الخميس ويترتّب عليه آثاره.

ولا يثبت بذلك خروجها عن النشوز يوم الجمعة كي يثبت بذلك تحقّق الشرط ، لأنّ خروجها عنه يوم الجمعة حدوث وجود في الزمان الثاني ، والاستصحاب لا يفيد إلّا عدم الوجود في الزمان الأوّل.

(٤) كما إذا علم بصدور حكمين لموضوع ، يكون أحدهما ناسخا والآخر منسوخا ، ولم يعلم تأريخهما.

(٥) كموت أب وابن.

(٦) إذا شكّ في تقدّم حادث أو تأخّره بالنسبة إلى حادث آخر فالصور الرئيسة المتصوّرة فيه ثمان : فإنّ الحادثين إمّا أن يكونا مجهولي التأريخ أو يكون أحدهما معلوم التأريخ. وعلى ـ

فإن كانا مجهولي التأريخ ، فتارة كان الأثر الشرعيّ لوجود أحدهما بنحو خاصّ من التقدّم أو التأخّر أو التقارن ، لا للآخر (١) ولا له بنحو آخر (٢) ، فاستصحاب عدمه جار بلا معارض (٣) ؛ بخلاف ما إذا كان الأثر لوجود كلّ منهما

__________________

ـ كلا التقديرين إمّا أن يكون الأثر مترتّبا على الوجود الخاصّ من السبق واللحوق والتقارن ، أو على العدم. وعلى التقادير الأربعة إمّا أن يكون الأثر مترتّبا على الوجود والعدم بمفاد كان وليس التامّتين ، أو على الوجود والعدم بمفاد كان وليس الناقصتين.

(١) أي : وليس للحادث الآخر أثر شرعيّ أصلا ، لا متقدّما ولا متأخّرا ولا متقارنا.

(٢) أي : وليس لذلك الحادث بنحو آخر أثر شرعيّ.

مثلا : كان الأثر الشرعي لوجود أحد الحادثين متقدّما فقط ، وليس لوجوده متأخّرا أثر آخر.

(٣) هذه هي الصورة الاولى ، وهي على أقسام :

الأوّل : أن يكون الأثر الشرعيّ مترتّبا على وجود أحدهما متقدّما.

مثاله : ما إذا فرض أنّ الإرث مترتّب على تقدّم موت المورّث على موت الوارث ، فيستصحب عدم تقدّمه ويحكم بعدم الإرث.

مثال آخر : أنّه إذا ماتت الزوجة متقدّما على الزوج فعليه كفنها ، وأمّا إذا ماتت بعد الزوج أو ماتا متقارنا فليس كفنها عليه ، فإذا شكّ في أنها ماتت متقدّما أو متأخّرا أو متقارنا يستصحب عدم كون موتها متقدّما ويحكم بعدم وجوب كفنه على الزوج.

الثاني : أن يكون الأثر الشرعيّ مترتّبا على وجود أحدهما متأخّرا.

مثاله : ملاقاة الثوب المتنجّس للماء ، فيترتّب عليها طهارة الثوب إذا كانت متأخّرة عن كرّيّة الماء ، وإلّا فلا تؤثّر في الطهارة ، سواء كانت الملاقاة قبل الكرّيّة أو متقارنا معها ، فيستصحب عدم وجودها متأخّرا ويحكم بنجاسة الثوب.

الثالث : أن يكون الأثر الشرعيّ مترتّبا على وجود أحدهما متقارنا.

مثاله : تقارن التكبيرة للنيّة ـ بناء على كون النيّة شرطا لتأثير التكبيرة في الدخول في الصلاة ـ ، فيترتّب على وجود التكبيرة متقارنا مع النيّة حرمة قطع العمل ، ولا يترتّب عليه إذا كانت متقدّمة عليها أو متأخّرة عنها. فحينئذ يستصحب عدم وجودها متقارنا مع النيّة ويحكم بعدم حرمة قطع العمل.

مثال آخر : تقارن انغماس جميع البدن للنيّة في الغسل الارتماسيّ ، فيترتّب على وجود الغسل متقارنا معها رفع الحدث الأكبر وحصول الطهارة ، ولا يترتّب هذا الأثر على وجوده متقدّما عليها ، ولا متأخّرا منها ، فإذا شكّ في وجودها متقارنا فيستصحب عدمه ويحكم بعدم حصول الطهارة.

كذلك (١) أو لكلّ من أنحاء وجوده (٢) ، فإنّه حينئذ يعارض ، فلا مجال لاستصحاب العدم في واحد ، للمعارضة باستصحاب العدم في آخر ، لتحقّق أركانه في كلّ منهما (٣).

هذا إذا كان الأثر المهمّ مترتّبا على وجوده الخاصّ الّذي كان مفاد كان التامّة.

وأمّا إن كان مترتّبا على ما إذا كان متّصفا بالتقدّم أو بأحد ضدّيه الّذي كان

__________________

(١) أي : يترتّب الأثر الشرعيّ على وجود كلّ منهما متقدّما ، فيترتّب على وجود أحدهما متقدّما أثر وعلى وجود الآخر كذلك أثر آخر ؛ أو يترتّب الأثر الشرعي على وجود كلّ منهما متأخّرا ، فيترتّب على تأخّر أحدهما أثر وعلى تأخّر الآخر أثر آخر ؛ أو يترتّب على تقارن كلّ منهما مع الآخر أثر شرعيّ ، لا على مقارنة أحدهما للآخر.

أمّا الأوّل : فمثاله محاذاة الرجل والمرأة في الصلاة مع اختلاف زمان شروعهما في الصلاة ، فإنّ أثر شروع المرأة مقدّما على الرجل صحّة صلاتها وبطلان صلاته ، وأثر شروع الرجل مقدّما على المرأة صحّة صلاته وبطلان صلاتها. فحينئذ يعارض استصحاب عدم شروع المرأة مقدّما على الرجل مع استصحاب عدم شروعه مقدّما على شروعها.

وأمّا الثاني : فمثاله نفس المثال السابق باعتبار أنّ أثر شروع المرأة مؤخّرا عن شروع الرجل بطلان صلاتها وصحّة صلاته ، وأثر شروع الرجل مؤخّرا عن شروع المرأة بطلان صلاته وصحّة صلاتها.

وأمّا الثالث : فمثاله محاذاة الرجل والمرأة في الصلاة مع وحدة زمان شروعهما ، فإن أثر تقارن شروع كلّ منهما مع الآخر بطلان صلاتهما.

ذهب المصنّف رحمه‌الله إلى عدم جريان استصحاب العدم في كلّ منهما ، لمعارضته مع استصحاب العدم في الآخر.

(٢) أي : يترتّب الأثر الشرعيّ على وجود كلّ منهما لا بنحو خاصّ ، بل سواء تقدّم أو تأخّر أو تقارن.

(٣) وخالفه السيّد المحقّق الخوئيّ ، فأفاد ما حاصله : أنّه إذا كان الأثر الشرعيّ لسبق كلّ منهما على الآخر فيتمسّك بأصالة عدم السبق في كلّ منهما ؛ وكذا إذا كان الأثر لسبق أحدهما على الآخر ، وكان لتأخّره عن الآخر أيضا أثر ، فلا مانع من جريان الاستصحاب في عدم السبق والتأخّر.

ولا معارضة بين الأصلين في كلتا الصورتين ، لاحتمال التقارن.

نعم ، لو كان لنا علم إجماليّ بسبق أحدهما على الآخر لا تجري أصالة عدم السبق ، للمعارضة بعدم سبق الآخر في الصورة الاولى ، ومعارضتها بأصالة التأخّر في الصورة الثانية. موسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) ٤٨ : ٢١٥.

مفاد كان الناقصة (١) ، فلا مورد هاهنا للاستصحاب ، لعدم اليقين السابق فيه بلا ارتياب(٢).

واخرى ، كان الأثر لعدم أحدهما في زمان الآخر (٣) ، فالتحقيق أنّه أيضا ليس بمورد للاستصحاب فيما كان الأثر المهمّ مترتّبا على ثبوته المتّصف بالعدم في

__________________

(١) هذه هي الصورة الثانية من الصور الرئيسة الأربعة لمجهولي التأريخ. ومحصّلها : أن يكون الأثر الشرعيّ مترتّبا على وجود أحدهما متّصفا بوصف التقدّم أو التأخّر أو التقارن ، بحيث يكون لاتّصاف الشيء بأحد الأنحاء دخل في الحكم. مثلا : إنّ الإرث مترتّب على كون موت المورّث متّصفا بالتقدّم على موت الوارث.

(٢) ضرورة أنّه لا علم لنا بكون موت المورّث ـ مثلا ـ متّصفا بالتقدّم على موت الوارث ، ولا بعدم كون موته متّصفا بالتقدّم ، فلا مجال للاستصحاب.

لا يخفى : أنّ الظاهر أنّ حكمه بعدم جريان الاستصحاب في هذه الصورة ينافي ما تقدّم منه في الجزء الثاني : ١٥٩ (في مبحث العامّ والخاصّ) من أنّه إذا ورد أنّ النساء تحيض إلى خمسين عاما إلّا القرشيّة ، وشككنا في امرأة أنّها قرشيّة أم لا ، فلا يصحّ التمسّك بالعموم المذكور ، لكون الشبهة مصداقيّة ، ولكن لا مانع من إدخالها في العموم للاستصحاب ، فنقول : الأصل عدم انتسابها بالقريش ، لأنّها لم تتّصف بهذه الصفة حين لم تكن موجودة ، وشكّ في اتّصافها بها الآن ، والأصل عدم اتّصافها بها.

ثمّ إنّ السيّد المحقّق الخوئي خالف المصنّف قدس‌سره في المقام ، وذهب إلى جريان الاستصحاب بدعوى أنّه لا يعتبر في استصحاب عدم الاتّصاف بالسبق وجوده في زمان لم يتّصف به ، بل يكفي عدم اتّصافه به حين لم يكن موجودا ، فيجري الاستصحاب في المقام أيضا إلّا مع العلم الإجماليّ كما مرّ. موسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) ٤٨ : ٢١٦.

وخالفه السيّد الإمام الخمينيّ أيضا واختار جريان الاستصحاب. راجع الرسائل ١ : ١٩٢.

(٣) هذه هي الصورة الثالثة من الصور الأربعة الرئيسة لمجهولي التأريخ.

وحاصلها : أن يكون الأثر مترتّبا على أحدهما متّصفا بالعدم في زمان حدوث الآخر بمفاد ليس الناقصة.

مثالها : ملاقاة الثوب المتنجّس للماء ، حيث لا يعلم أنّه لاقى الماء قبل كرّيّته فبقى على نجاسته ، أو لاقاه بعد كرّيّته فصار طاهرا. فتكون طهارة الثوب المتنجّس الملاقي للماء مترتّبة على كون الملاقاة متّصفة بعدمها آن حدوث كرّيّة الماء ، لعدم ترتّب طهارته على مطلق الملاقاة ولو قبل كرّيّته.