درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۱۵: تعارض الدلیلین ۱۵

 

ما فرضنا : من عدم تقييد كلّ منهما في مقام الامتثال (١) بأزيد من الإمكان ، سواء كان وجوب كلّ منهما بأمر (٢) ، أو كان بأمر واحد يشمل الواجبين. وليس التخيير في القسم الأوّل لاستعمال الأمر في التخيير (٣) ـ كما توهّم (٤) ـ بل من جهة ما عرفت (٥).

والحاصل : أنّه إذا أمر الشارع بشيء واحد استقلّ العقل بوجوب إطاعته في ذلك الأمر بشرط عدم المانع العقليّ والشرعي (٦) ، وإذا أمر بشيئين واتفق امتناع إيجادهما في الخارج استقلّ بوجوب إطاعته في أحدهما لا بعينه ؛ لأنّها ممكنة ، فيقبح تركها.

مقتضى الأصل التخيير بناء على السببيّة

لكن ، هذا كلّه على تقدير أن يكون العمل بالخبر من باب السببيّة ، بأن يكون قيام الخبر على وجوب فعل واقعا ، سببا شرعيّا لوجوبه ظاهرا على المكلّف ، فيصير المتعارضان من قبيل السببين المتزاحمين ، فيلغى أحدهما مع وجود وصف السببيّة فيه لإعمال الآخر ، كما في كلّ واجبين متزاحمين.

__________________

(١) لم ترد «في مقام الامتثال» في (ظ).

(٢) في غير (ر) و (ص) : «بأمرين».

(٣) في (ظ) زيادة : «ولا في القسم الثاني بالعموم اللفظي» ، كما أنّه وردت عبارة «سواء كان ـ إلى ـ في التخيير» في (ظ) قبل عبارة «والسرّ في ذلك ـ إلى ـ بأزيد من الإمكان».

(٤) في نسخة بدل (ص) : «كما يتوهّم».

(٥) عبارة «كما توهّم ، بل من جهة ما عرفت» من (ت) ، (ه) ونسخة بدل (ص).

(٦) لم ترد «بشرط عدم المانع العقلي والشرعي» في (ظ).

أمّا لو جعلناه من باب الطريقيّة ـ كما هو ظاهر أدلّة حجّيّة الأخبار بل غيرها من الأمارات ـ بمعنى : أنّ الشارع لاحظ الواقع وأمر بالتوصّل إليه من هذا الطريق ؛ لغلبة إيصاله إلى الواقع (١) ، فالمتعارضان لا يصيران من قبيل الواجبين المتزاحمين ؛ للعلم بعدم إرادة الشارع سلوك الطريقين معا ؛ لأنّ أحدهما مخالف للواقع قطعا ، فلا يكونان طريقين إلى الواقع ولو فرض ـ محالا ـ إمكان العمل بهما ، كما يعلم إرادته لكلّ من المتزاحمين في نفسه على تقدير إمكان الجمع.

مثلا : لو فرضنا أنّ الشارع لاحظ كون الخبر غالب الإيصال إلى الواقع ، فأمر بالعمل به في جميع الموارد ؛ لعدم المائز بين الفرد الموصل منه وغيره ، فإذا تعارض خبران جامعان لشرائط الحجّيّة لم يعقل بقاء تلك المصلحة في كلّ منهما ، بحيث لو أمكن الجمع بينهما أراد الشارع إدراك المصلحتين ، بل وجود تلك المصلحة في كلّ منهما بخصوصه مقيّد بعدم معارضته بمثله.

مقتضى الأصل التوقّف بناء على الطريقيّة

ومن هنا ، يتّجه الحكم حينئذ بالتوقّف ، لا بمعنى أنّ أحدهما المعيّن واقعا طريق ولا نعلمه بعينه ـ كما لو اشتبه خبر صحيح بين خبرين ـ بل بمعنى أنّ شيئا منهما ليس طريقا في مؤدّاه بخصوصه.

ومقتضاه : الرجوع إلى الاصول العمليّة إن لم نرجّح (٢) بالأصل الخبر المطابق له ، وإن قلنا بأنّه مرجّح خرج عن مورد الكلام ـ أعني التكافؤ ـ ، فلا بدّ من فرض الكلام فيما لم يكن هناك أصل

__________________

(١) لم ترد «لغلبة إيصاله إلى الواقع» في (ظ).

(٢) كذا في (ص) ، وفي غيره : «يرجّح».

مع أحدهما ، فيتساقطان من حيث جواز العمل بكلّ منهما ؛ لعدم كونهما طريقين ، كما أنّ التخيير مرجعه إلى التساقط من حيث وجوب العمل.

مقتضى الأخبار عدم التساقط

هذا ما تقتضيه القاعدة في مقتضى وجوب العمل بالأخبار من حيث الطريقيّة (١) ، إلاّ أنّ الأخبار المستفيضة بل المتواترة (٢) قد دلّت على عدم التساقط مع فقد المرجّح (٣).

ما هو الحكم بناء على عدم التساقط؟

وحينئذ فهل يحكم بالتخيير ، أو العمل بما طابق منهما الاحتياط ، أو بالاحتياط ولو كان مخالفا لهما ، كالجمع بين الظهر والجمعة مع تصادم أدلّتهما ، وكذا بين القصر والإتمام؟ وجوه :

المشهور هو التخيير للأخبار المستفيضة الدالّة على التخيير

المشهور ـ وهو الذي عليه جمهور المجتهدين (٤) ـ الأوّل ؛ للأخبار المستفيضة ، بل المتواترة الدالّة عليه (٥).

__________________

(١) لم ترد «بخصوصه ـ إلى ـ من حيث الطريقيّة» في (ظ) ، ووردت بدلها العبارة التالية : «فيتساقطان من حيث وجوب العمل ، كما أنّ التخيير مرجعه إلى التساقط من حيث وجوب العمل. هذا ما تقتضيه القاعدة في مقتضى وجوب العمل بالأخبار من حيث الطريقيّة ، ومقتضاه الرجوع إلى الاصول العمليّة إن لم يرجّح بالأصل الخبر المطابق له».

(٢) سيأتي ذكرها في الصفحة ٥٧ ـ ٦٧.

(٣) في (ت) زيادة : «فلذا لم نحكم بالتساقط».

(٤) انظر الاستبصار ١ : ٤ و ٥ ، والمعارج : ١٥٦ ، ومبادئ الوصول : ٢٣٣ ، والمعالم : ٢٥٠ ، والفصول : ٤٥٤ ، والقوانين ٢ : ٢٨٣ ، ومناهج الأحكام : ٣١٧.

(٥) انظر الوسائل ١٨ : ٨٧ ـ ٨٨ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٣٩ ، ٤٠ ، ٤١ و ٤٤.