درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۴۱: تعارض الدلیلین ۴۱

 

[بيان انقلاب النسبة](١)

بقي في المقام شيء :

التعارض بين أزيد من دليلين

وهو أنّ ما ذكرنا من حكم التعارض ـ من أنّ النصّ يحكّم على الظاهر ، والأظهر على الظاهر (٢) ـ لا إشكال في تحصيله في المتعارضين ، وأمّا إذا كان التعارض بين أزيد من دليلين ، فقد يصعب تحصيل ذلك ؛ إذ قد (٣) يختلف حال التعارض بين اثنين منها بملاحظة أحدهما مع الثالث.

مثلا : قد يكون النسبة بين الاثنين العموم والخصوص من وجه ، وينقلب بعد تلك الملاحظة إلى العموم المطلق أو بالعكس أو إلى التباين. وقد وقع التوهّم في بعض المقامات ، فنقول توضيحا لذلك :

إنّ النسبة بين المتعارضات المذكورة :

إذا كانت النسبة بين المتعارضات واحدة

إن كانت نسبة واحدة فحكمها حكم المتعارضين :

لو كانت النسبة العموم من وجه

فإن كانت النسبة العموم من وجه وجب الرجوع إلى المرجّحات ، مثل قوله : «يجب إكرام العلماء» و «يحرم إكرام الفسّاق» و «يستحبّ إكرام الشعراء» فيتعارض الكلّ في مادّة الاجتماع.

لو كانت النسبة عموما مطلقا

وإن كانت النسبة عموما مطلقا ، فإن لم يلزم محذور من تخصيص العامّ بهما خصّص بهما ، مثل المثال الآتي. وإن لزم محذور ، مثل قوله :

__________________

(١) العنوان منّا.

(٢) لم ترد «والأظهر على الظاهر» في (ظ).

(٣) «قد» من (ص).

«يجب إكرام العلماء» و «يحرم إكرام فسّاق العلماء» و «يكره إكرام عدول العلماء» فإنّ اللازم من تخصيص العامّ بهما بقاؤه بلا مورد ، فحكم ذلك كالمتباينين ، لأنّ مجموع الخاصّين مباين للعامّ.

ما توهّمه بعض المعاصرين

وقد توهّم بعض من عاصرناه (١) ، فلاحظ العامّ بعد تخصيصه ببعض الأفراد بإجماع ونحوه مع الخاصّ المطلق الآخر ، فإذا ورد «أكرم العلماء» ، ودلّ من الخارج دليل على عدم وجوب إكرام فسّاق العلماء ، وورد أيضا «لا تكرم النحويّين» كانت النسبة على هذا بينه وبين العامّ ـ بعد إخراج الفسّاق ـ عموما من وجه.

ولا أظنّ يلتزم بذلك فيما إذا كان الخاصّان دليلين لفظيّين ؛ إذ لا وجه لسبق ملاحظة العامّ مع أحدهما على ملاحظته مع الآخر.

وإنّما يتوهّم ذلك في العامّ المخصّص بالإجماع أو العقل ؛ لزعم أنّ المخصّص المذكور يكون كالمتّصل ، فكأنّ العامّ استعمل فيما عدا ذلك الفرد المخرج ، والتعارض إنّما يلاحظ بين ما استعمل فيه لفظ كلّ من الدليلين ، لا بين ما وضع له اللفظ وإن علم عدم استعماله فيه (٢) ، فكأنّ المراد بالعلماء في المثال المذكور عدولهم ، والنسبة بينه وبين النحويّين عموم من وجه.

دفع التوهّم الذكور

ويندفع : بأنّ التنافي في المتعارضين إنّما يكون بين ظاهري الدليلين ، وظهور الظاهر إمّا أن يستند إلى وضعه ، وإمّا أن يستند إلى

__________________

(١) هو الفاضل النراقي في مناهج الأحكام : ٣١٧ ، وعوائد الأيّام : ٣٤٩ ـ ٣٥٣.

(٢) «فيه» من (ص).

قرينة المراد. وكيف كان ، فلا بدّ من إحرازه حين التعارض وقبل علاجه ؛ إذ العلاج راجع إلى دفع المانع ، لا إلى إحراز المقتضي. والعامّ المذكور ـ بعد ملاحظة تخصيصه بذلك الدليل العقليّ ـ إن لوحظ بالنسبة إلى وضعه للعموم مع قطع النظر عن تخصيصه بذلك الدليل ، فالدليل المذكور والمخصّص اللفظيّ سواء في المانعيّة عن ظهوره في العموم ، فيرفع اليد عن الموضوع له بهما ، وإن لوحظ بالنسبة إلى المراد (١) منه بعد التخصيص بذلك الدليل ، فلا ظهور له في إرادة العموم باستثناء ما خرج بذلك الدليل ، إلاّ بعد إثبات كونه تمام الباقي (٢) ، وهو غير معلوم ، إلاّ بعد نفي احتمال مخصّص آخر ولو بأصالة عدمه ، وإلاّ فهو مجمل مردّد بين تمام الباقي (٣) وبعضه ؛ لأنّ الدليل المذكور قرينة صارفة عن العموم لا معيّنة لتمام الباقي. وأصالة عدم المخصّص الآخر في المقام غير جارية مع وجود المخصّص اللفظيّ ، فلا ظهور له في تمام الباقي حتّى يكون النسبة بينه وبين المخصّص اللفظي (٤) عموما من وجه.

وبعبارة أوضح : تعارض «العلماء» بعد إخراج «فسّاقهم» مع «النحويّين» ، إن كان قبل علاج دليل «النحويين» ورفع (٥) مانعيّته ، فلا ظهور له حتّى يلاحظ النسبة بين ظاهرين ؛ لأنّ ظهوره يتوقّف على

__________________

(١) في (ظ) بدل «المراد» : «الباقي».

(٢) في غير (ت) و (ه) بدل «الباقي» : «المراد».

(٣) في (ر) ، (ص) و (ظ) بدل «الباقي» : «المراد».

(٤) لم ترد «اللفظي» في (ظ).

(٥) في (ت) و (ظ) بدل «رفع» : «دفع».