درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۴۳: تعارض الدلیلین ۴۳

 

وضع له التركيب أو لفظ القرينة.

والظاهر أنّ التخصيص بالاستثناء من قبيل المتّصل ؛ لأنّ مجموع الكلام ظاهر في تمام الباقي ؛ ولذا يفيد الحصر. فإذا قال : «لا تكرم العلماء إلاّ العدول» ، ثمّ قال : «أكرم النحويّين» فالنسبة عموم من وجه ؛ لأنّ إخراج غير العادل من النحويين مخالف لظاهر الكلام الأوّل.

ومن هنا يصحّ أن يقال : إنّ النسبة بين قوله : «ليس في العارية ضمان إلاّ الدينار والدرهم» ، وبين ما دلّ على «ضمان الذهب والفضّة» عموم من وجه ـ كما قوّاه غير واحد من متأخّري المتأخّرين (١) ـ فيرجّح الأوّل ؛ لأنّ دلالته بالعموم ودلالة الثاني بالإطلاق ، أو يرجع إلى عمومات نفي الضمان.

خلافا لما ذكره بعضهم (٢) : من أنّ تخصيص العموم بالدرهم والدينار لا ينافي تخصيصه أيضا بمطلق الذهب والفضّة.

كلام صاحب المسالك في ضمان عارية الذهب والفضّة

وذكره صاحب المسالك ، وأطال الكلام في توضيح ذلك ، فقال ما لفظه :

لا خلاف في ضمانهما ـ يعني الدراهم والدنانير ـ عندنا ، وإنّما الخلاف في غيرهما من الذهب والفضّة كالحلّي المصوغة ، فإنّ مقتضى

__________________

(١) مثل المحقّق السبزواري في كفاية الأحكام : ١٣٥ ، وتبعه صاحب الرياض في الرياض (الطبعة الحجرية) ١ : ٦٢٥.

(٢) ذكره المحقّق الثاني في جامع المقاصد ٦ : ٧٨ ـ ٨٠ ، وأوضحه صاحب المسالك كما سيأتي ، وتبعهما السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٦ : ٧٠ ـ ٧٢ ، وصاحب الجواهر في الجواهر ٢٧ : ١٨٤ ـ ١٨٧.

الخبر الأوّل (١) ونحوه دخولها ، ومقتضى تخصيص الثاني (٢) بالدراهم والدنانير خروجها.

فمن الأصحاب (٣) من نظر إلى أنّ الذهب والفضّة مخصّصان من عدم الضمان مطلقا ، ولا منافاة بينهما وبين الدراهم والدنانير ؛ لأنّهما بعض أفرادهما ، ويستثنى الجميع ، ويثبت الضمان في مطلق الجنسين.

ومنهم (٤) من التفت إلى أنّ الذهب والفضّة مطلقان أو عامّان ـ بحسب إفادة الجنس المعرّف العموم وعدمه ـ والدراهم والدنانير مقيّدان أو مخصّصان ، فيجمع بين النصوص بحمل المطلق على المقيّد أو العامّ على الخاصّ.

والتحقيق في ذلك أن نقول : إنّ هنا نصوصا على ثلاثة أضرب :

أحدها : عامّ في عدم الضمان من غير تقييد ، كصحيحة الحلبيّ عن الصادق عليه‌السلام : «ليس على مستعير عارية ضمان ، وصاحب العارية

__________________

(١) وهو ما رواه زرارة في الحسن عن الصادق عليه‌السلام : «قال : قلت له : العارية مضمونة؟ فقال : جميع ما استعرته فتوي فلا يلزمك تواه ، إلاّ الذهب والفضّة فإنّهما يلزمان ...» الوسائل ١٣ : ٢٣٩ ، الباب ٣ من أحكام العارية ، الحديث ٢.

(٢) وهو رواية ابن مسكان في الصحيح عن الصادق عليه‌السلام : «لا تضمن العارية إلاّ أن يكون قد اشترط فيها ضمان ، إلاّ الدنانير فإنّها مضمونة وإن لم يشترط فيها ضمانا» ، وحسنة عبد الملك عنه عليه‌السلام : «ليس على صاحب العارية ضمان إلاّ أن يشترط صاحبها ، إلاّ الدراهم فإنّها مضمونة ، اشترط صاحبها أو لم يشترط».

الوسائل ١٣ : ٢٣٩ ـ ٢٤٠ ، الباب ٣ من أحكام العارية ، الحديث ١ و ٣.

(٣) هو المحقّق الثاني ، كما تقدّم في الصفحة السابقة.

(٤) هو فخر الدين في الإيضاح ٢ : ١٢٩ ـ ١٣٠.

والوديعة مؤتمن» (١) ، وقريب منها صحيحة محمّد بن مسلم عن الباقر عليه‌السلام (٢).

وثانيها : بحكمها إلاّ أنّه استثنى مطلق الذهب والفضّة.

وثالثها : بحكمها إلاّ أنّه استثنى الدنانير أو الدراهم.

وحينئذ فلا بدّ من الجمع ، فإخراج الدراهم والدنانير لازم ؛ لخروجهما على الوجهين الأخيرين ، فإذا خرجا من العموم بقي العموم في ما عداهما بحاله ، وقد عارضه التخصيص بمطلق الجنسين ، فلا بدّ من الجمع بينهما بحمل العامّ على الخاصّ.

فإن قيل : لمّا كان الدراهم والدنانير أخصّ من الذهب والفضّة وجب تخصيصهما بهما عملا بالقاعدة ، فلا تبقى المعارضة إلاّ بين العامّ الأوّل والخاصّ الأخير.

قلنا : لا شكّ أنّ كلاّ منهما مخصّص لذلك العامّ ؛ لأنّ كلاّ منهما مستثنى ، وليس هنا إلاّ أنّ أحد المخصّصين أعمّ من الآخر مطلقا ، وذلك غير مانع ، فيخصّ العامّ الأوّل بكلّ منهما أو يقيّد مطلقه ، لا أنّ أحدهما يخصّص بالآخر ؛ لعدم المنافاة بين إخراج الذهب والفضّة في لفظ ، والدراهم والدنانير في لفظ ، حتّى يوجب الجمع بينهما بالتخصيص أو التقييد.

وأيضا : فإنّ العمل بالخبرين الأخصّين لا يمكن ؛ لأنّ أحدهما لم يخصّ إلاّ الدنانير وأبقى الباقي على حكم عدم الضمان صريحا ، والآخر لم يستثن إلاّ الدراهم وأبقى الباقي على حكم عدم الضمان كذلك ، فدلالتهما

__________________

(١) الوسائل ١٣ : ٢٣٧ ، الباب ١ من أحكام العارية ، الحديث ٦.

(٢) الوسائل ١٣ : ٢٣٧ ، الباب ١ من أحكام العارية ، الحديث ٧.

قاصرة ، والعمل بظاهر كلّ منهما لم يقل به أحد ، بخلاف الخبر المخصّص بالذهب والفضّة.

فإن قيل : التخصيص إنّما جعلناه بهما معا ، لا بكلّ واحد منهما ، فلا يضرّ عدم دلالة أحدهما على الحكم المطلوب منه.

قلنا : هذا أيضا لا يمنع قصور كلّ واحد من (١) الدلالة ؛ لأنّ كلّ واحد مع قطع النظر عن صاحبه قاصر ، وقد وقعا في وقتين في حالتين مختلفتين ، فظهر أنّ إرادة الحصر من كلّ منهما غير مقصود ، وإنّما المستثنى فيهما من جملة الأفراد المستثناة. وعلى تقدير الجمع بينهما ـ بجعل المستثنى مجموع ما استفيد منهما ـ لا يخرجان عن القصور في الدلالة على المطلوب ؛ إذ لا يعلم منهما إلاّ أنّ الاستثناء ليس مقصورا على ما ذكر في كلّ واحد.

فإن قيل : إخراج الدراهم والدنانير خاصّة ينافي إخراج جملة الذهب والفضّة ، فلا بدّ من الجمع بينهما بحمل الذهب والفضّة على الدراهم والدنانير ، كما يجب الجمع بين عدم الضمان لمطلق العارية والضمان لهذين النوعين ؛ لتحقّق المنافاة.

قلنا : نمنع المنافاة بين الأمرين ؛ فإنّ استثناء الدراهم والدنانير اقتضى بقاء العموم في حكم عدم الضمان في ما عداهما ، وقد عارضه الاستثناء الآخر ، فوجب تخصيصه به أيضا ، فلا وجه لتخصيص أحد المخصّصين بالآخر.

وأيضا : فإنّ حمل العامّ على الخاصّ استعمال مجازيّ ، وإبقاءه على

__________________

(١) في المصدر : «عن».