درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۴۴: تعارض الدلیلین ۴۴

 

قاصرة ، والعمل بظاهر كلّ منهما لم يقل به أحد ، بخلاف الخبر المخصّص بالذهب والفضّة.

فإن قيل : التخصيص إنّما جعلناه بهما معا ، لا بكلّ واحد منهما ، فلا يضرّ عدم دلالة أحدهما على الحكم المطلوب منه.

قلنا : هذا أيضا لا يمنع قصور كلّ واحد من (١) الدلالة ؛ لأنّ كلّ واحد مع قطع النظر عن صاحبه قاصر ، وقد وقعا في وقتين في حالتين مختلفتين ، فظهر أنّ إرادة الحصر من كلّ منهما غير مقصود ، وإنّما المستثنى فيهما من جملة الأفراد المستثناة. وعلى تقدير الجمع بينهما ـ بجعل المستثنى مجموع ما استفيد منهما ـ لا يخرجان عن القصور في الدلالة على المطلوب ؛ إذ لا يعلم منهما إلاّ أنّ الاستثناء ليس مقصورا على ما ذكر في كلّ واحد.

فإن قيل : إخراج الدراهم والدنانير خاصّة ينافي إخراج جملة الذهب والفضّة ، فلا بدّ من الجمع بينهما بحمل الذهب والفضّة على الدراهم والدنانير ، كما يجب الجمع بين عدم الضمان لمطلق العارية والضمان لهذين النوعين ؛ لتحقّق المنافاة.

قلنا : نمنع المنافاة بين الأمرين ؛ فإنّ استثناء الدراهم والدنانير اقتضى بقاء العموم في حكم عدم الضمان في ما عداهما ، وقد عارضه الاستثناء الآخر ، فوجب تخصيصه به أيضا ، فلا وجه لتخصيص أحد المخصّصين بالآخر.

وأيضا : فإنّ حمل العامّ على الخاصّ استعمال مجازيّ ، وإبقاءه على

__________________

(١) في المصدر : «عن».

عمومه حقيقة ، ولا يجوز العدول إلى المجاز مع إمكان الاستعمال على وجه الحقيقة ، وهو هنا ممكن في عموم الذهب والفضّة فيتعيّن ، وإنّما صرنا إلى التخصيص في الأوّل لتعيّنه على كلّ تقدير.

فإن قيل : إذا كان التخصيص يوجب المجاز وجب تقليله ما أمكن ؛ لأنّ كلّ فرد يخرج يوجب زيادة المجاز في الاستعمال ، حيث كان حقّه أن يطلق على جميع الأفراد ، وحينئذ فنقول : قد تعارض هنا مجازان ، أحدهما : في تخصيص الذهب والفضّة بالدنانير والدراهم ، والثاني : في زيادة تخصيص العامّ الأوّل بمطلق الذهب والفضّة على تقدير عدم تخصيصهما بالدنانير والدراهم ، فترجيح أحد المجازين على الآخر ترجيح من غير مرجّح ، بل يمكن ترجيح تخصيص الذهب والفضّة ؛ لأنّ فيه مراعاة قوانين التعارض بينه وبين ما هو أخصّ منه.

قلنا : لا نسلّم التعارض بين الأمرين ؛ لأنّ استعمال العامّ الأوّل على وجه المجاز حاصل على كلّ تقدير إجماعا ، وزيادة التجوّز في الاستعمال لا يعارض به أصل التجوّز في المعنى الآخر ، فإنّ إبقاء الذهب والفضّة على عمومهما استعمال حقيقيّ ، فكيف يكافيه مجرّد تقليل التجوّز مع ثبوت أصله؟! وبذلك يظهر بطلان الترجيح بغير مرجّح ؛ لأنّ المرجّح حاصل في جانب الحقيقة.

هذا ما يقتضيه الحال من الكلام على هذين الوجهين ، وبقي فيه مواضع تحتاج إلى تنقيح (١) ، انتهى.

نظريّة المصنّف في الجمع بين الأدلّة الواردة في ضمان العارية

أقول : الذي يقتضيه النظر ، أنّ النسبة بين روايتي الدراهم

__________________

(١) المسالك ٥ : ١٥٥ ـ ١٥٨.

والدنانير بعد جعلهما كرواية واحدة ، وبين ما دلّ على استثناء الذهب والفضّة ، من قبيل العموم من وجه ؛ لأنّ التعارض بين العقد السلبيّ من الاولى والعقد الإيجابيّ من الثانية ، إلاّ أنّ الأوّل عامّ والثاني مطلق ، والتقييد أولى من التخصيص.

وبعبارة اخرى : يدور الأمر بين رفع اليد عن ظاهر الحصر في الدرهم والدينار ، ورفع اليد عن إطلاق الذهب والفضّة ، وتقييدهما أولى.

إلاّ أن يقال : إنّ الحصر في كلّ من روايتي الدرهم والدينار موهون ؛ من حيث اختصاصهما بأحدهما ، فيجب إخراج الآخر من عمومه ، فإنّ ذلك يوجب الوهن في الحصر وإن لم يكن الأمر كذلك في مطلق العامّ. ويؤيّد ذلك أنّ تقييد الذهب والفضّة بالنقدين مع غلبة استعارة المصوغ بعيد جدّا.

وممّا ذكرنا يظهر النظر في مواضع ممّا ذكره صاحب المسالك في تحرير وجهي المسألة.

إذا كانت النسبة بين المتعارضات مختلفة

وإن كانت النسبة بين المتعارضات مختلفة ، فإن كان فيها ما يقدّم على بعض آخر منها ، إمّا لأجل الدلالة كما في النصّ والظاهر أو الظاهر والأظهر ، وإمّا لأجل مرجّح آخر ، قدّم ما حقّه التقديم ، ثمّ لوحظ النسبة مع باقي المعارضات.

فقد تنقلب النسبة وقد يحدث الترجيح ، كما إذا ورد : «أكرم العلماء» و «لا تكرم فسّاقهم» و «يستحبّ إكرام العدول» فإنّه إذا خصّ العلماء بعدولهم يصير أخصّ مطلقا من العدول ، فيخصّص العدول بغير علمائهم ، والسرّ في ذلك واضح ؛ إذ لو لا الترتيب في العلاج لزم إلغاء