درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۸: عمومیت قدرت الاهی و تبیین نظر مخالفان

 

انتفى إمكان الترك انتفى إمكان الفعل.

وتقرير الجواب : أنّ القادر هو الذي يمكنه أن يفعل وأن لا يفعل وليس لا يفعل عبارة عن فعل الضدّ.

قال : وعموميةُ العلة تستلزم عمومية الصفة (١).

أقول : يريد بيان أنّه تعالى قادر على كل مقدور ، وهو مذهب الأشاعرة ، وخالف أكثر الناس في ذلك ، فإنّ الفلاسفة قالوا إنّه تعالى قادر على شيء واحد ، لأنّ الواحد لا يتعدد أثره ، وقد تقدم بطلان مقالتهم.

والمجوس ذهبوا إلى أنّ الخير من الله تعالى ، والشرّ من الشيطان ، لأنّ الله تعالى خير محض وفاعل الشر شرير.

والثنوية ذهبوا إلى أن الخير من النور ، والشر من الظلمة.

__________________

(١) هذه المسألة من فروع عموم خالقيته لكل شيء ، كما هو مقتضى التوحيد في الخالقية الذي آمنت به الأشاعرة والإمامية ، فلو كان خالقاً لكل شيء لكان قادراً عليه وقابلاً لأن تتعلق به قدرته ، من غير فرق بين الخير والشر وأفعال العباد وغيرها ، غير أنّ الإمامية تفترق عن الأشاعرة في تفسير التوحيد في الخالقية ، حيث تفسره على وجه لا ينافي عدلَه سبحانه ، بخلاف الأشاعرة فهؤلاء يفسرونه بشكل ينطبق على الجبر ، فالمطلوب للأشاعرة هو حفظ التوحيد في الخالقية ، سواء أضرّ بعدله أم لا ، بخلاف الإمامية فالمطلوب عندهم هو حفظ كلا الأصلين.

وأمّا غير هاتين الطائفتين فينكرون عموم قدرته لجهات مختلفة ، وهؤلاء طوائف أربع : ١ ـ الفلاسفة. ٢ ـ المجوس. ٣ ـ الثنوية. ٤ ـ المعتزلة. والدواعي لنفي عموم القدرة مختلفة ، وإليك البيان :

١ ـ لمّا ذهبت الفلاسفة إلى أنّ الواحد (الواجب) لا يصدر عنه إلّا الواحد ، قالوا بأنّه قادر على الشيء الواحد فقط ، وهو الصادر الأوّل ، فنفوا عمومَ قدرته حسب نقل الشارح ، ولكن النسبة غير صحيحة ، لأنّ القول به لا يستلزم تلك النتيجة كما لا يخفى على ـ

والنظّام قال : إنّ الله تعالى لا يقدر على القبيح ، لأنه يدلّ على الجهل أو الحاجة.

وذهب البلخي إلى أنّ الله لا يقدر على مثل مقدور العبد ، لأنّه إمّا طاعة أو سفه.

وذهب الجُبّائيان إلى أنّه تعالى لا يقدر على عين مقدور العبد وإلّا لزم اجتماع الوجود والعدم على تقدير أن يريد الله إحداثه والعبد عدمه.

__________________

ـ من له إلمام بمفاد القاعدة ، ولأجل ذلك قال الماتن في السابق : «ومع وحدته يتحد المعلول» (١) ، ومع ذلك قال في المقام بعمومية القدرة ، وهو يعرب عن إمكان الجمع بين القاعدتين.

٢ ـ لمّا ذهبت المجوس والثنوية إلى أنّه سبحانه خير محض ، فقالوا بعدم تعلّق قدرته بالشرور ، فهي عند المجوس مستند إلى المبدأ الحادث ، أعني : الشيطان ، وعند الثنوية مستند إلى مبدأ قديم كالظلمة ، وبذلك افترقت المجوس عن الثنوية ، حيث إنّ مبدأ الشر عند المجوس حادث وعند الثنوية قديم ، والظاهر من المحقق الطوسي في نقد المحصل أنّ عقيدة المجوس والثنوية واحد ، وهو أنّ الخير من «يزدان» والشر من «اهرمن» ويريدون من الأوّل : الملك ، ومن الثاني : الشيطان (٢).

يقول الحكيم السبزواري :

والشرّ أعدام فكم قد ضلَّ من

يقول باليزدان ثمّ الأهرمن

وأمّا ما نسبه إلى الثنوية فهو عقيدة المانوية ، وعلى هذا فالثنوية مصحّف «المانوية».

٣ ـ لمّا قالت المعتزلة بخروج أفعال العباد عن كونه مخلوقاً لله سبحانه ، حفظاً لعدله ، ظهر بينهم قول النظّام (ت ٢٣١ ه‍) والكعبي (ت ٣١٧ ه‍) والجُبّائيين (أبي علي ت ٣٠٢ ه‍ وأبي هاشم ت ٣٢١ ه‍) ، والأقوال مذكورة في الشرح مع أجوبتها.

__________________

(١) كشف المراد : ١١٦ ، المقصد الأوّل ، الفصل الثالث ، المسألة الثالثة.

(٢) لاحظ نقد المحصل : ١٩٠.

وهذه المقالات كلّها باطلة ، لأن المقتضي لتعلق القدرة بالمقدور إنّما هو الإمكان ، إذ مع الوجوب والامتناع لا تعلق ، والإمكان ثابت في الجميع فثبت الحكم وهو صحة التعلق ، وإلى هذا أشار المصنف رحمه‌الله بقوله : عمومية العلة ، أي الإمكان ، تستلزم عمومية الصفة ، أعني القدرة على كل مقدور.

والجواب عن شبهة المجوس : أنّ المراد من الخيّر والشرير (١) إن كان مَنْ فَعَلَهُما فَلِمَ لا يجوز اسنادهما إلى شيء واحد؟

وأيضاً الخير والشر ليسا ذاتيين للشيء ، فجاز أن يكون الشيء خيراً بالقياس إلى شيء وشراً بالقياس إلى آخر ، وحينئذ يصح إسنادهما إلى ذات واحدة.

وعن شبهة النظّام أنّ الإحالة حصلت بالنظر إلى الداعي ، فلا تنافي الإمكان الذاتي المقتضي لصحة تعلق القادر.

وعن شبهة البلخي : أنّ الطاعة والعبث وصفان لا يقتضيان الاختلاف الذاتي.

__________________

(١) أجاب عن شبهة المجوس بوجهين :

الأوّل : إذا كان المراد من الخيّر من يفعله ومن الشرير من يصدر منه الشر ، فلا مانع من كون شيء واحد وهو الله مبدأ لهما ، وهذا الجواب ليس حاسماً للاشكال ، لأنّ الإشكال بعدُ باق بحاله ، إذ الخصم يقول : إذا كان مقتضى صدور شيء من شيء ، وجود رابطة بينهما فلازم صدور الأمرين المتضادين اشتماله على أمرين متضادين ، مع أنّا فرضناه واحداً بسيطاً ، وعلى فرض جواز التركيب ، المتضادان لا يجتمعان.

الثاني وهو الجواب الحقيقي : أنّ الشر ليس له مصداق في الخارج وإنّما هو أمر إضافي ينتزع من قياس شيء إلى شيء آخر ، فإذا كان بينهما عدم الملاءمة ، يقال : إنّه شر كما أوضح في محله ، وليس العدم إلّا أمراً قياسياً.